ترجمة وتحرير: نون بوست

انتهى قبل يومين الاجتماع السياسي الاستشاري الذي جمع بين تركيا والصين في العاصمة بكين. وقد حضر الاجتماع هيئة تركية يترأسها السفير التركي ونائب وزير الخارجية سادات أونال، وهيئة صينية يترأسها وزير الخارجية ومستشار الدولة يانغ يي. وركّز البيان الختامي للاجتماع على أهمية التنسيق الاستراتيجي بين الطرفين والتعاون من أجل تحقيق المصالح المشتركة بين البلدين.

في هذا التقرير، رصد مركز أنقرة للدراسات السياسية والأزمات الدولية آراء أهم المحللين والخبراء حول دلالات وتبعات هذا الاجتماع، والمستقبل المنتظر للعلاقات الصينية التركية في المجالات الاقتصادية والسياسية.

البروفيسور راغب كوتاي كاراجا (مُحاضر في قسم العلاقات الدولية في جامعة إسطنبول آيدن)

أكّد البروفيسور راغب كوتاي أن العلاقات بين البلدين تتطور باستمرار، مشيرا إلى أن: "هناك حراكا سياسيا مكثفا بين الصين وتركيا في الآونة الأخيرة، غير أنّ هذه العلاقات السياسية لم تنعكس على العلاقات بين الشعبين أو على الجانب الاقتصادي. وتعتبر كل من تركيا والصين من الدول التي تتنافس فيما بينها في الجانب الاقتصادي".

نوه كوتاي بالمشاكل القائمة في التفاهم بين الشعبين الصيني والتركي، الذي يعزى أساسا إلى سوء تعامل الصين مع المواطنين من أصول تركية الذين يعيشون في الصين. ولهذا السبب، تُعتبر أهم مشكلة على صعيد تطوير العلاقات بين البلدين في سوء معاملة الصين للمسلمين.

أشار البروفيسور إلى وجود فجوة كبيرة بين الطرفين في الجانب الاقتصادي، حيث تعاني تركيا من وضع اقتصادي سلبي مقارنة بالصين. وهو ما يعني أن تطوير العلاقات الاقتصادية سيكون باتجاه واحد وهو الصين. وتتمثل سُبل التقليل من الفجوة بين تركيا والصين في ضخ الصين لاستثمارات شركاتها في الأراضي التركية. وأضاف كوتاي أنّ الصين تستخدم قوتها الاقتصادية دوما على صعيد علاقاتها الخارجية مع البلدان، وعلى تركيا أنْ تتأقلم مع هذا الأمر.

كما نوه كوتاي بالمشاكل القائمة في التفاهم بين الشعبين الصيني والتركي، الذي يعزى أساسا إلى سوء تعامل الصين مع المواطنين من أصول تركية الذين يعيشون في الصين. ولهذا السبب، تُعتبر أهم مشكلة على صعيد تطوير العلاقات بين البلدين في سوء معاملة الصين للمسلمين.

د. دين محمد أميتبيك (رئيس قسم أوراسيا في مركز أنقرة للدراسات السياسية والأزمات الدولية)

يرى الدكتور دين محمد أميتبيك أن الاجتماع الذي عُقد مؤخرا في بكين يصب في مصلحة تطوير العلاقات بين الصين وتركيا، وسيلعب دورا مهما في مشروع "حزام واحد طريق واحد" بين الصين وتركيا، الذي سيكون بمثابة إعادة إحياء لطريق الحرير، حيث تطرق المجتمعون إلى موضوع هذه المبادرة.

أشار أميتبيك إلى أنّ العلاقات بين تركيا والصين تتحسن تدريجيا. وعلى الرغم من أنّ كلا الطرفين يُبرزان الجانب الاقتصادي في تفاهماتهما، إلا أنّ الجانب السياسي لا يزال طاغيا

أضاف أميتبيك أنّسعي الصين لكسب مزيد من النفوذ في منطقة أوراسيا يتصادم مع المصالح الروسية. ولهذا السبب، تأجل تنفيذ خط الصين-آسيا الوسطى-إيران-تركيا، ولعل ذلك ما دفع بكل من تركيا وإيران لأن تصبحا دولتين ثانويتين في هذا المشروع، وأضر في المقابل بعلاقات كلا البلدين مع الصين.

أشار أميتبيك إلى أنّ العلاقات بين تركيا والصين تتحسن تدريجيا. وعلى الرغم من أنّ كلا الطرفين يُبرزان الجانب الاقتصادي في تفاهماتهما، إلا أنّ الجانب السياسي لا يزال طاغيا لأنّ هناك الكثير من النقاط المشتركة؛ ومثال ذلك التطابق في وجهات النظر فيما يتعلق بموضوع فنزويلا. كما تُشدد كلا الدولتين على ضرورة الحفاظ على وحدة التراب السوري. ولهذا فإنّ الاجتماع الذي نُظّم كان تحت عنوان "اجتماع استشاري سياسي"، وفي ذلك دلالة على زيادة حجم التنسيق المتوقع في القضايا الدولية مستقبلا.

د. باريش أديبيللي (باحث-كاتب)

يرى الدكتور باريش أديبيللي أن منحى العلاقات التركية الصينية شهد صعودا ونزولا، وخير مثال على ذلك ما حدث خلال القمة الثانية المتعلقة بخط "طريق واحد حزام واحد"، التي عُقدت بتاريخ 26 نيسان/ أبريل 2019، والتي شهدت مشاركة تركيا ممثلة بوزير المواصلات، إلى جانب ممثلين عن 37 دولة أخرى. وقد شهدت القمة الأولى المتعلقة بهذا المشروع مشاركة أردوغان، الذي ألقى خلالها خطابا ليكون واحدا من بين ثلاثة زعماء شاركوا فيها.

يجب على تركيا أن تشرح أكثر للصين مدى أهمية موقعها الجيوسياسي لتأسيس علاقات سياسية جيدة مع الصين. ومن هنا يُعتبر اللقاء الذي جرى مؤخرا خطوة هامة على هذا الصعيد

حيال هذا الشأن، بين أديبيللي أن هناك الكثير من العقبات التي تعترض طريق تطوير العلاقات بين الجانبين، مؤكدا أن الاجتماع الأخير يظهر أن العلاقات الاقتصادية بينهما على ما يُرام، لكن ما يهم تركيا هو الجانب السياسي. لكن هناك العديد من القضايا التي لم يتوصل فيها الجانبان لاتفاق واضح أو تفاهم في وجهات النظر. كما أن حالة عدم الاستقرار السياسي تُزعج الصين، لأنّ العلاقات الخارجية الصينية لا تُبنى على تغيّر المواقف وتذبذبها، ولهذا السبب بقيت العلاقات السياسية بين البلدين دون المستوى المطلوب.

في سياق متصل، أضاف هذا الباحث أنه كان من المفترض لتركيا أنْ تُشكل حجر أساس في مشروع مبادرة الحزام والطريق، لكن المفاوضات أوضحت أن نية الصين تميل أكثر لإنشائه عبر دول الخليج مرورا بالبحر المتوسط وصولا إلى إيطاليا وأوروبا. ومن هذا المنطلق، يجب على تركيا أن تشرح أكثر للصين مدى أهمية موقعها الجيوسياسي لتأسيس علاقات سياسية جيدة مع الصين. ومن هنا يُعتبر اللقاء الذي جرى مؤخرا خطوة هامة على هذا الصعيد.

أوموت آريك (سفير متقاعد)

يعتقد أوموت آريك، السفير التركي المتقاعد، أنّ اللقاء الذي عُقد في بكين ربما يكون بمثابة التحضير للقمم القادمة بين الطرفين، وذلك لوجود اهتمام لديهما بضرورة تطوير العلاقات الثنائية التي سيكون أساسها منطقة أوراسيا. وفي الواقع، لم تدفع الصين بتركيا خارج مشروع "طريق واحد حزام واحد"، بيد أن تمثيل تركيا عبر وزير لها في القمة الأخيرة التي عُقدت في شهر نيسان/ أبريل الماضي من شأنه أن يؤثر سلبًا على العلاقات الثنائية بين البلدين. وكان الهدف من هذا الاجتماع التخلص من هذه الآثار وترميم الثقة بين الطرفين.

اعتبر آريك أن الجانب الاقتصادي قد طغى على الاجتماع الأخير، حيث يسعى الطرفان لاستخدام عملاتهما المحلية في المبادلات التجارية

فضلا عن ذلك، شدد آريك على أهمية منطقة أوراسيا وعلى موقع تركيا الاستراتيجي حيث ترتبط تركيا المنطقة برا وبحرا، وتشكل جسر عبور نحو أوروبا، ولهذا السبب يجب ألا تفقد تركيا أهميتها الجيوسياسية. ومن هذا المنطلق يجب تحديد المصالح المشتركة بين الصين وتركيا في المنطقة والعمل على تأسيسها وتعزيزها.

كما اعتبر آريك أن الجانب الاقتصادي قد طغى على الاجتماع الأخير، حيث يسعى الطرفان لاستخدام عملاتهما المحلية في المبادلات التجارية. ويرى آريك أنّ الاجتماع ربما تناول العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على الصين وتركيا، وكذلك موضوع الأقلية التركية المسلمة في تركستان الشرقية التابعة لجمهورية الصين.

عرفان سابماز (صحفي – منسق الأخبار التركية لسي إن إن)

يرى الصحفي عرفان سابماز أنّ الجهود المبذولة الهدف منها تعزيز العلاقات بين تركيا والصين، لاسيما أن تركيا تعتبر دولة مركزية في العالم الإسلامي وتستطيع قيادة الدول الإسلامية نحو تعزيز علاقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الصين. وعلى الرغم من انزعاج تركيا المتكرر من الإجراءات التي تتخذها الصين ضد مسلمي الأويغور، إلا أن الصين تُدرك أهمية تركيا وموقعها الاستراتيجي.

أضاف سابماز أن تركيا تسعى إلى تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا، خاصة بعد انزعاجها من الدعم الأمريكي للعناصر الإرهابية لحزبي العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي. ولهذا السبب، تكتسي القمة التي عُقدت مؤخرا في بكين أهمية بالغة لتعزيز العلاقات وتطويرها.

المصدر: مركز أنقرة للدراسات السياسية والأزمات الدولية