في الوقت الذي اتخذت فيه بعض دول الشرق الأوسط حذرها من التوترات الأخيرة التي وصلت حد التكهن بإمكانية اندلاع حرب إيرانية أمريكية بالمنطقة، منها الكويت التي رفعت مستوى التأهب لأعلى درجاته، في إجراء "غير مسبوق"، والبحرين التي أكد عاهلها حمد بن عيسى أنه على استعداد لمواجهة كل ما يهدد أمن بلاده، بدأ منسوب التوتر بالانخفاض بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.

تراجع حافظت فيه الولايات المتحدة على كبريائها وحدّة تصريحاتها في سياسة متذبذبة، وهو ما بدى جلياً في تصريحات الرئيس الأمريكي الذي طالب منذ أيام مجلس الأمن القومي بمدّه بـ"خيارات" لخفض التصعيد مع طهران، وقوله في مقابلة مع شبكة (فوكس نيوز) الإثنين، صراحة أنه "لا أريد الحرب مع إيران"، ليستدرك لاحقاً ويقول "لا يمكننا أن ندعها تمتلك أسلحة نووية، لا يمكننا السماح بحدوث ذلك أبدًا"، ويغرد على تويتر "إذا أرادت إيران القتال فستكون النهاية الرسمية لها. لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى أبدًا".

تذبذب لا يخفي حقيقة مفادها أنّ إدارة ترامب مازالت تبحث عن صيغة للتعامل مع إيران، كما لا تخفي فرضية قوية تقول إن الولايات المتحدة لن تشن حرباً على طهران رغم الدفع الواضح من أطراف بالمنطقة لتأجيجها والركوب على الأحداث وافتعال أزمات تدفع بالصراع إلى أقصاه، فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية لن تغامر بمثل هذا الأمر مهما كانت الدوافع وذلك لعدة أسباب:

الداخل الأمريكي

بالإضافة إلى تصريح رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، التي قالت فيه "إن إدارة ترامب لا تملك تفويضًا من الكونجرس لشن حرب على إيران"، الذي يعتبر قرينة قوية على أن الداخل الأمريكي يرفض قطعًا الزج بالبلاد نحو مغامرة قد تؤدي إلى انهيار حقيقي لقوتها الخارجية نظرًا للجبهات المفتوحة بالمنطقة، كشفت وكالة الأنباء "رويتزر" تصريحات مهمة هي الأخرى، مفادها أن أعضاء الكونغرس يشكون عدم إطلاع إدارة ترامب لهم على معلومات كافية بشأن التوتر الحاليّ مع إيران، بل إن بعض الجمهوريين يقولون إن الإدارة لم تطلعهم على أي شيء بشأن القضية، غموض سيكلف مسؤولي ترامب الوقوف أمام المجلس الثلاثاء القادم، لتقديم إفادات سرية، بشأن الموقف مع إيران.

من المعلوم أن السياسة الخارجية لرجل الأعمال الأمريكي و"عقيدته"، تمنعه من التورط في حرب بهذا الحجم في المنطقة، بل إنه يرفض خوض حروب مباشرة

معلومات تكشف بأن المطبخ الأمريكي غير جاهز لوليمة بحجم إيران، وخوض مغامرة هائلة بمنطقة مليئة بالصراعات، ما يؤيد فرضية أن خيار الحرب غير مطروح إلى حد الآن.

معلومات أخرى شديدة الأهمية تقول إنّ الرئيس الأمريكي شكا خلال اتصاله بعدد من المستشارين، من جون بولتون، مستشاره للأمن القومي، وأعرب عن إحباطه من أن بولتون سمح للملف الإيراني بالوصول إلى نقطة يبدو فيها الصراع المسلح الخيار الحقيقي، وفق ما كشفته وسائل إعلام أمريكية، وهو ما يزيدنا يقينًا بأن التوتر الحاصل له أهداف وغايات أخرى، لعل أهمها مزيد من التضييقات على إيران اقتصاديًا خاصة أن الولايات المتحدة تهدف إلى تصفير المبيعات النفطية لطهران.

"عقيدة" ترامب

من المعلوم أن السياسة الخارجية لرجل الأعمال الأمريكي و"عقيدته"، تمنعه من التورط في حرب بهذا الحجم في المنطقة، بل إنه يرفض خوض حروب مباشرة، وهو ما أكده مرارًا خلال حملته الاتخابية وبعد توليه الحكم، بل إنه نقد أسلافه بخوض حروب، كلفت الخزينة الأمريكية 6.5 تريليون دولار حتى مطلع 2018، وفق دراسة أعدها فريق من "معهد واطسون للشؤون الدولية" بجامعة براون الأمريكية، بشأن الحرب التي خاضتها أمريكا ضد "الإرهاب"، منذ 2001 والمستمرة حتى الآن.

وكشف ترامب بدوره في إحدى تغريداته أن الولايات المتحدة أنفقت 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط، في إشارة إلى ما تكبدته بلاده من تكاليف لمحاربة "الإرهاب" في هذه المنطقة فقط، حسب ما نشره موقع "يورو نيوز".

الرئيس الأمريكي على يقين أن الحصار الاقتصادي الذي فرض على إيران ناجع ويؤتي أكله وسلاح فعال بلا نيران

فترامب عُرف بسياسة الضغط والابتزاز لتحقيق أهدافه، فهو في غنًا عن الدفع بالجنود والعتاد والمال لأمر يمكن تحقيقه بطرقه الخاصة، وإن فعل فسيكون انتحارًا سياسيًا لرئيس أوشكت ولايته الأولى على النهاية وفي استعداد واضح نحو الظفر بولاية ثانية.

الرئيس الأمريكي على يقين أيضًا أن الحصار الاقتصادي الذي فرض على إيران ناجع ويؤتي أكله وسلاح فعال بلا نيران، ففرض العقوبات المجحفة وتصنيف الحرس الثوري واستعراض قوته البحرية مؤخرًا، هي ضربات أقوى وأشد من خوض حرب ميدانية يستنزف فيها قوة بلاده ويهدر فيها تريليوناته المقدسة.

مصالح أمريكا و"إسرائيل"

الأمر الثالث الذي يدفع بالقول نحو عدم نشوب حرب أمريكية إيرانية، هو تهديد المصالح الأمريكية بالمنطقة أهمها النفط السعودي ووجود "إسرائيل" بالمنطقة، التي ستكون من بين الأهداف الإيرانية حتمًا سواء بصواريخها المباشرة أم بوكلائها باليمن ولبنان وفلسطين.

وهو ما عبر عنه وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز، فقال: "إذا اشتعلت الأوضاع بشكل ما بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران وجيرانها فأنا لا أستبعد أن يؤدي ذلك إلى تفعيل دور حزب الله والجهاد الإسلامي من غزة أو حتى أن يحاولوا إطلاق صواريخ من إيران على إسرائيل".

سياسة الدول الأوروبية الرافضة لمثل هذا الصراع، ومعارضتها أصلاً للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وهو ما يجعل واشنطن وحيدة "دوليًا"، على خلاف غزو العراق الذي حظي بمشاركة بريطانية مهمة رغم رفض الدول الأوروبية الأخرى

مخاوف تؤكد عدم جهوزية دولته لخوض حرب هائلة قد تحول المنطقة إلى جحيم أكبر يستمر إلى عقود، خاصة مع فتح جبهات تقف مع النظام الشيعي، وهي مخاطرة كبيرة على الأقل في الوقت الراهن، خاصة أن "إسرائيل" صرحت منذ ساعات أن منظومتها الدفاعية المعروفة بالقبة الحديدة فشلت في التصدي لصواريخ "بدائية" أطلقت من قطاع غزة. فهل ستستطيع مقاومة العتاد الإيراني؟ أمر يحمل الكثير من الشك.

أوروبا

عامل آخر يبعد إمكانية نشوب صراع وهو سياسة الدول الأوروبية الرافضة لمثل هذا الصراع، ومعارضتها أصلاً للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وهو ما يجعل واشنطن وحيدة "دوليًا"، على خلاف غزو العراق الذي حظي بمشاركة بريطانية مهمة رغم رفض الدول الأوروبية الأخرى.

ولعل الاجتماع الأخير لأعضاء الاتحاد الأوروبي في بروكسل، قبل أيام، الذي حل به وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ضيفًا، يؤكد فرضية ما نقول، ولئن غاب بيان مشترك صريح يرفض الحرب، فإن العديد من وزراء الدول الأوروبية أعربوا عن قلقهم من التصعيد، فحذر وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت، من مخاطر نشوب صراع "غير مقصود" بين البلدين بسبب الاتفاق النووي، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن التصريحات الإيرانية الأخيرة بشأن الاتفاق النووي تدعو للقلق، مؤكدًا حرص بلاده على بقاء طهران ضمن الاتفاق النووي، فيما دعت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، إلى تجنب أي تصعيد بشأن إيران، وقالت إن الاتحاد سيواصل دعم تنفيذ الاتفاق النووي دعمًا كاملاً.

في الحقيقة هناك عوامل أخرى تبعد شبح الحرب على المنطقة، وتخمد لهيب الصراع، منها انشغال أمريكي واضح بالقوة الاقتصادية العالمية الجديدة، ومحاولة حصر جهودها نحو منافسة المارد الأحمر، الصين، فصراع آخر يعني استنزاف وتأخر اقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الأمر يعيه جيداً ترامب.
ما من دافع حقيقي يدفع الولايات المتحدة نحو صدام كهذا خاصة وأن عقوباتها كفيلة بكسر شوكة إيران وهزيمتها، وما من مصلحة في خوض حرب مدفوعة ستكون فيها ربيبتها العبرية المستهدف رقم واحد في الصراع.