قيل قديمًا، إن المحن عندما تلوح بالأفق لا يعرف بها إلا القليل، لكنها حين تقع، يعرف بها الجميع، وعلى هذا الأساس تُعتبر الدراسات والمقالات الاستشرافية، من العلوم المهمة التي يعتمد عليها السياسيون والمخططون، ليستطيعوا من خلالها تحديد اتجاهات الأحداث في المستقبل، عبر تحليل مختلف المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في هذه الاتجاهات أو في حركة مسارها، وكل ذلك لأجل الوصول إلى مستقبل أفضل بديل، ووضع الخطط والحلول للمشاكل المحتملة الوقوع، والأمة التي لا تستشرف مستقبلها لا يمكنها أن تتفاعل إيجابيًا معه، وتبقى أسيرة لردود الفعل التي ستجعلها في حالة تراجع وتأخر لا محالة.

وبما أن الساحة العراقية ساحة لرمال متحركة فيها لاعبين كُثر، فإن الاستشراف فيها ليس بالعمل السهل واحتمالية الوقوع في الخطأ فيها كبيرة، لكن في جميع الأحوال فإن العمل بعلم الاستشراف، يعد بالنسبة للعراق علم لا بد منه للسياسيين والمخططين العراقيين والمهتمين بالشأن العراقي، والأفضل من هؤلاء جميعًا، هو علمٌ مهمٌ لشعبنا العراقي، صاحب السيادة الشرعية الأولى على هذه البقعة العزيزة من الأرض، لكي يتلمس الطريق الصحيح لإنقاذ هذا البلد مما هو فيه.

وانطلاقًا من هذا، سنحاول بمقالنا هذا، المرور بعجالة على أهم ما يمكن أن يحدث في العراق خلال الأشهر القادمة حسب ما نراه، وتعمدنا أن يكون الاستشراف لأشهر قليلة، ذلك لأن استشراف الأحداث في بلدٍ مثل العراق، من الصعوبة التي هي أقرب للمستحيل إذا كان الاستشراف لمدة زمنية أكبر من ذلك، لكثرة المتغيرات التي تعتريه.

أمنيًا، وفي ظل زيادة عدد الجنود والقوات الأمريكية في العراق والمنطقة، إثر تصاعد ‏النزاع الإيراني الأمريكي، فمن المتوقع أن تزود إيران، المليشيات التابعة لها في العراق، ‏بأسلحة نوعية كالصواريخ البالستية

 فعلى الصعيد الخارجي، من المرجح أن تستمر محاولات الحكومة العراقية في تلمس مكان وسط بين تلك الصراعات الإقليمية التي تدور رحاها في المنطقة، ويحاول كل طرف منها سحب العراق لجهته واتخاذ موقفه، يشمل هذا الصراع الإيراني السعودي والصراع القطري الخليجي وحتى الخلاف التركي السعودي، وستنجح الحكومة العراقية لدرجة لا بأس بها في ذلك، إلا أن الفشل سيكون من نصيبها وبشكل كبير، فيما يخص الصراع الإيراني الأمريكي، فهي ستجد صعوبة كبيرة بالوقوف على بعد واحد بين طرفي ذلك الصراع، لأسباب عديدة ليس أقلها الوجود العسكري الأمريكي في العراق والوجود العسكري الإيراني المتمثل بمليشيات الحشد الشعبي في العراق، مما سيجعلها مضطرة في نهاية المطاف إلى اختيار أحد الطرفين والانحياز له، ولكل انحياز ضريبته الباهظة التي حتمًا ستدفعها من أمنها الداخلي واقتصادها الذي هو بالأساس متضعضع.

أمنيًا، وفي ظل زيادة عدد الجنود والقوات الأمريكية في العراق والمنطقة، إثر تصاعد ‏النزاع الإيراني الأمريكي، من المتوقع أن تزود إيران، المليشيات التابعة لها في العراق، ‏بأسلحة نوعية كالصواريخ البالستية التي يُتهم حاليًّا الحشد الشعبي بامتلاكها، بالإضافة ‏لتزويدهم بصواريخ مضادة للدروع، ناهيك عن الطائرات المسيرة التي أثبتت نجاحها عند ‏مليشيات الحوثيين في اليمن.

بالمقابل، فإن فترة الشهور القادمة، ستشهد ظهور أولى طلائع ‏المجاميع المسلحة السنيَّة وبرعاية أمريكية، وبقيادة شبه مستقلة عن الحكومة العراقية، ‏رغم أن تمركزها سيكون في الأغلب بمناطق غرب العراق حيث توجد القواعد العسكرية ‏الأمريكية.‏

فيما يتعلق بإكمال تشكيل الحكومة العراقية الناقصة، فالمتوقع أنها ستجد حلًا لهذا الموضوع خلال فترة الشهور القادمة، وستجد من يسد تلك الشواغر الوزارية، وسيكون الضغط الإيراني حاضرًا في هذه القضية

ومن المرجح حدوثه في فترة الشهور القادمة، ازدياد الهوة السياسية بين السياسيين العراقيين أنفسهم، ‏لينقسما إلى طرفين: أحدهما مؤيد للوجود العسكري الأمريكي والآخر رافض له، مما ‏ينعكس على فشل البرلمان العراقي باستصدار قرار واضح يجبر القوات الأجنبية ومن ضمنها ‏القوات الأمريكية على الخروج من العراق، لكن ربما ‏يصدر قرارًا ينظم عمل ووجود تلك القوات في أقصى تقدير أو يُعطي لتلك القوات ‏سقفًا زمنيًا طويلًا لخروجها.‏

وفيما يتعلق بإكمال تشكيل الحكومة العراقية الناقصة، فالمتوقع أنها ستجد حلًا لهذا الموضوع خلال فترة الشهور القادمة، وستجد من يسد تلك الشواغر الوزارية، وسيكون الضغط الإيراني حاضرًا في هذه القضية، تمهيدًا وتحضيرًا من إيران، لاحتمالية المنازلة المرتقب وقوعها على الساحة العراقية بين أدواتها والأدوات الأمريكية.

لكن مع ذلك فإن هذه المسألة ليست آخر مشاكل الحكومة، فالمرجح أن يحمل الصيف القادم نُذر أنباء سيئة لهذه الحكومة، حينما تنتهي فترة الاستثناء التي حصلت عليها من الولايات المتحدة لاستيراد الغاز والكهرباء من الجانب الإيراني، بل حتى إذا تم تمديد هذا الاستثناء لها، فإن الحكومة العراقية أعجز من أن تكون قادرة على سد النقص الحاصل بإمداد الطاقة الكهربائية وتوفير باقي الخدمات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي سيجعل العراق يمر بأصعب حالاته، التي ستؤدي لا محالة، لحالة غليان شعبي لا تحمد عواقبه، وستتجدد التظاهرات التي تطالب بتحسين سبل العيش وتوفير الخدمات الأساسية، بالأخص في المناطق الجنوبية.

وبالنسبة للسياسيين العراقيين، فإنهم ينظرون لتلك المسألة بعين الحذر والخوف، لاحتمالية تصاعد تلك التظاهرات واستغلالها من أعداء إيران للإطاحة بالنظام السياسي العراقي برمته. لذلك فإن المتوقع من الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران، أن تكون على جاهزية عالية لقمع التظاهرات المنتظرة في الصيف القادم، الأمر الذي يعني سفك دماءً كثيرة واعتقالات أكثر في صفوف المتظاهرين.

كرديًا، يعيش الحزبان الكرديان، الوطني والديمقراطي المسيطران على السلطة بإقليم كردستان، بأفضل حالاتهما مع حكومة عبد المهدي، لكن هذه الحالة لن تستمر في الفترة القريبة المقبلة، في ظل تزايد الانتقادات الموجه لعبد المهدي من شركائه السياسيين

الانفتاح العربي على العراق لا سيما الخليجي منه، من غير المرجح أن يُثمر عن نتائج تُرضي تلك الدول وبالشكل الذي يأملون، ذلك لأن الساحة السياسية العراقية حاليًّا المسيطر عليها من الأحزاب والمليشيات ذات الولاء الإيراني، رافضة لهذا الحضور العربي، وستجد تلك الأحزاب والمليشيات، وفرة من المبررات لغرض خلق بيئة طاردة للوجود العربي بالعراق، إذا لم تعمل على إيجاد وخلق تلك المبررات.

كرديًا، يعيش الحزبان الكرديان، الوطني والديمقراطي المسيطران على السلطة بإقليم كردستان، بأفضل حالاتهما مع حكومة عبد المهدي، لكن هذه الحالة لن تستمر في الفترة القريبة المقبلة، في ظل تزايد الانتقادات الموجه لعبد المهدي من شركائه السياسيين، بسبب المحاباة التي يُعامل بها الكرد، وسيجد عبد المهدي نفسه مرغمًا على تغيير التعامل معهم في الفترة القادمة.

داخليًا، هناك حالة رفض في الإقليم من الأحزاب الكردية للحزبين الكرديين الكبيرين المسيطرين على الساحة السياسية بالإقليم، ويؤمل لهذا الرفض أن يزداد بسبب استحواذهم على معظم المناصب الحكومية وحرمان الباقين منها، ورغم الخلاف المستحكم بين الحزبين الرئيسيين الكرديين، فإن التحالف بينهما ضد باقي أحزاب المعارضة ما زال قائمًا وسيستمر، وربما يتطور لمحاولة شق صفوف المعارضة الكردية لهما، باستعمال سياسة العصا والجزرة.