لم تنقض ساعات من الهدنة التي روجت لها روسيا في مدينتي إدلب وحماة، حتى شرع سلاحا الجو السوري والروسي بإلقاء حممهما على المدينتين، دون أن تتوقف الآلة العسكرية بالحشد والتجهيز لاقتحام أماكن أخرى وانتزاعها من تحت سيطرة المعارضة، بعد أيام على بدء حملة عسكرية هي الأعنف على شمالي سوريا الذي تسيطر عليه فصائل المعارضة.

فيوم أمس الأحد، أعلنت روسيا إيقاف إطلاق النار من جانب قوات النظام فقط، إلا أن هذا الكلام لم يُترجم على أرض الواقع إلا عبر غارات من الطيران الحربي على مدينة كفرنبل أوقع قتلى وجرحى أغلبهم من الأطفال والنساء، وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن عدد ما خلفه قصف النظام على مناطق "خفض التصعيد" شمالي سوريا منذ 30 من أبريل/نيسان المنصرم حتى الأحد 19 من مايو/أيار قارب الـ500 قتيل بالإضافة لمئات الجرحى، وخسائر بالممتلكات ودمار هائل.

وفي اتصال هاتفي بحث وزير الدفاع التركي خلوصي أكار مع نظيره الروسي سيرغي شويغو مستجدات الأوضاع في منطقة خفض التصعيد والتدابير الواجب اتخاذها لتهدئة المعارك الحاصلة هناك، وذكر بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية أن الوزيرين بحثا سبل تهدئة التوتر في المنطقة، في إطار تفاهم سوتشي.

غازات سامة.. وهدنة

أعلن ناشطون أن قوات الأسد قصفت بلدة كبانة في ريف اللاذقية بغاز الكلور السام، وذلك بعد استعصاء جبهتها عليهم بعد عشرات المحاولات لاقتحامها، وتعتبر المنطقة مفتاح الدخول إلى جسر الشغور غربي إدلب، وقال مصطفى سيجري رئيس المكتب السياسي للواء المعتصم في تغريدة له على تويتر إن الهدنة غير موجودة على أرض الواقع والنظام مستمر بقصفه ومحاولات تقدمه مستمرة، وذكر أن القوات الروسية تقود العمليات بشكل مباشر، وأن قوات الجيش السوري الحر "يسطرون أروع الملاحم". 

ومن جهته قال النقيب ناجي المصطفى الناطق باسم "الجبهة الوطنية للتحرير" أحد فصائل المعارضة لـ"نون بوست": "روسيا عرضت علينا وقفًا لإطلاق النار، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض ما لم تنسحب قوات الأسد من المناطق التي سيطرت عليها مؤخرًا وإعادة أهلها النازحين والمهجرين إلى مساكنهم"، مضيفًا أن إعلان الهدنة جاء من طرف واحد وليست ناتجة عن أي اتفاق.

وسيطرت قوات النظام في بداية هجومها على عدة قرى وبلدات أهمها كفرنبودة وقرى من سهل الغاب ومدينة قلعة المضيق التي يدور الحديث عن إمكانية أن تسترجعها المعارضة عن طريق المفاوضات كونها ضمن خط المنطقة العازلة التي رسمها الرئيسان الروسي والتركي باتفاق خفض التصعيد قبل أشهر، إلا أن قياديًا في المعارضة رفض كشف اسمه كشف لـ"نون بوست"، أنه لا يوجد مفاوضات عن أي تسوية مع النظام غير الانسحاب من المناطق التي تقدم عليها سلمًا أو حربًا.

وقال القيادي إن المعارضة "لا تثق بأي هدنة تطرحها روسيا، كونها طرحت العديد من الهدن عن سوريا كان آخرها إما تهجير أو مجازر"، مؤكدًا أن روسيا عازمة على استئصال كل ما له علاقة بالثورة على الأسد وهذا ما لا يدع للفصائل المقاتلة أخذ كلامها وتصريحاتها بأي أمان أو ثقة، وحلب والغوطة الشرقية خير مثال، واختتم القيادي تصريحه بأن "الدفاع عما تبقى من مناطق محررة أولوية المعارضة الآن مع وجود تواصل مع تركيا ومشاورات دائمة".

عودة التاو

ومن الملاحظ أن فصائل المعارضة امتصت صدمة الهجوم الشرس الذي تشنه قوات النظام مدعومة بالطيران الروسي وميلشيات على الأرض، وتحاول الفصائل استعادة المناطق بمعارك وغارات على قوات النظام، إذ إنها ردت بعدة هجومات معاكسة قتلت فيها العشرات من قوات الأسد، وانتشرت العديد من مقاطع الفيديو تبين استهداف المعارضة لدبابات وناقلات جند تابعة لقوات الأسد بصواريخ مضادة للدروع أهمها صواريخ "تاو" الأمريكية، هذه الصواريخ التي كانت غائبةً عن الساحة في الأشهر الأخيرة.

وبحسب صحيفة "عنب بلدي"، فإنه يمكن اعتبار تصدي فصائل المعارضة وتكتيك استخدام الصواريخ أولى الرسائل التركية التي وصلت إلى الروس، بأن المنطقة ليست كسابقاتها، وينبغي الالتزام بالحدود المتفق عليها في أستانة وانسحاب النظام السوري، وهو ما أكده وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، في تصريحات له مؤخرًا.

وفي حديثه لـ"نون بوست" لم ينف النقيب ناجي المصطفى تسلم أسلحة، إلا أنه قال: "مضادات الدروع موجودة لدى المعارضة وكافية لصد واستهداف النظام وعناصره وناقلاتهم"، مشددًا على "الثقة بالأخوة الأتراك"، وأن أنقرة داعم أساسي للفصائل الثورية، مشيرًا إلى دعم تركي لوجستي ودعم بالذخائر، ورأى الناطق باسم جبهة التحرير الوطنية "أن الاتفاقيات (سوتشي، أستانة) لم تأت بشيء جديد، حيث إن طرفًا من أطراف الاتفاقية وهي روسيا خرقتها بهجومها الأخير، هذه الاتفاقيات مناورات سياسية خاصة بروسيا".

تكتيكات

وأضاف المصطفى بوجود "تكتيكات وأساليب جديدة بالتعامل مع هذه الهجمة لتفادي وقوع خسائر في صفوفنا وإيقاع أكبر قدر ممكن من خسائر بصفوف القوات المهاجمة"، مشيرًا إلى أنهم استطاعوا قتل 350 من قوات الأسد وتدمير مواقع عسكرية، فيما استهدفوا أكثر من 30 آلية عسكرية بمضادات الدروع.

من جهتها، تتوافد مؤازرات للمعارضة المسلحة من مناطق درع الفرات وغصن الزيتون إلى خطوط الاشتباكات، وكانت هذه الفصائل التي ترسل عناصرها ممنوعة من الدخول من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا)، مع وجود قيود تركية عليها، إلا أن ضراوة المعارك جعلت جميع الفصائل مضطرة للدخول في المعركة من أجل إنقاذ آخر المعاقل الموجودة لديها.

وفي ظل ضراوة المعارك واشتدادها وعدم وجود أي مؤشرات على توقفها، تزداد معاناة النازحين الذين تركوا قراهم وأرزاقهم وتوجهوا إلى مناطق أكثر أمنًا، حيث قدرت موجة النزوح بـ450 ألفًا منذ بدء الحملة، مع مناشدات دولية خجولة من أجلهم وفقر إغاثي واسع في المنطقة.