الكثير منا ينفق مقدارًا من النقود لتفضيله الأكل خارج المنزل على الأكل فيه كلّ شهر، لكن على ما يبدو فغالبًا ما نكون عاجزين عن تقدير أو تخمين مقدار ما ننفقه بغيرٍ حسبانٍ أو وعي. ربّما نجد أنفسنا في زحمة الحياة وتعبها فتوهمنا عقولنا أنّنا باختيارنا الأكل في الخارج أو طلب الطعام للبيت فإنّنا نوفّر على أنفسنا الوقت والمال. لكنْ هل الأمر هكذا فعلًا؟

من الواضح أنّ الإجابة لا. فقد أشارت إحدى الدراسات التي نُشرت مؤخّرًا أن الناس يميلون إلى الاعتقاد بأنّهم لا ينفقون كثيرًا على تناول الطعام في حين أنّهم ينفقون ضعف ما يعتقدون أنّهم قد أنفقوه بالفعل. ما ينمّ عن فجوةٍ كبيرة بين مقدار ما نعتقد أنّنا ننفقه ومقدار ما ننفقه في الواقع. ولعلّ نجد الإجابة في حال حاولنا فهم هذه الفجوة وأسبابها.

سوء تقدير في الحسابات

تخيّل أنّك عائدٌ للبيت جائعًا ومررتَ من مطعمٍ قريب، أو أنّ أصدقاءك قرّروا فجأةً الذهاب لتناول الطعام في الوقت الذي تكون فيه جائعًا، لكنك تعلم بكلّ تأكيد أنّ لديك ما تأكله في المنزل. هنا قد يكون من الصعب جدًا مقاومة الإغراء، وتصبح الوجبة الأسرع والأسهل هي الخيار الأفضل في ذلك الوقت وذلك المكان. 

يتكرّر الأمر كثيرًا. ولا يقتصر فقط على طريق عودتك من العمل أو قرار اصدقائك، وإنّما قد تجد نفسك فريسةً للكسل في بيتك، وبعد أنْ كنتَ تنوي تجهيز وجبتك في المنزل أو تناول الوجبة المتبقية من يوم أمس، إلا أنك تفضّل طلب وجبةٍ جديدة بحجّة أنك ترغب بتوفير الوقت والجهد.

كلما زاد تناولك للطعام خارج البيت، انخفضت تقديراتك وتخميناتك لمقدار ما تنفقه على ما تأكله 

في واحدة من الدراسات، طُلب من المشاركين تقدير ميزانيّاتهم الأسبوعية التي ينفقونها على تناول الطعام في الخارج مرّتين؛ في بداية التجربة وبعد عدة أيام. فيما طُلب منهم أيضًا تدوين كلّ ما ينفقونه على الطعام كلّ يوم وكيفية شعورهم نفسيًا حيال ذلك.

ربّما تستطيع أنْ تحزرَ أنّ تدوين المصاريف اليومية نبّه المشاركين إلى عدد المرات التي يتناولون فيها طعامهم خارجًا وما ينفقونه على ذلك. وبالتالي حينما طُلب منهم للمرة الثانية تقديرَ ميزانيّتهم الأسبوعية، كانت التقديرات أعلى مرّتين من التقديرات التي قُدّمت في بداية الدراسة.

إضافةً لذلك، وجد القائمون على الدراسة أنّ المشاركين الذين يميلون إلى تناول الطعام بشكلٍ متواصل خارج المنزل فعادةً ما يكون لديهم فجوةً أكبر بين تقديراتهم الأولى والثانية لميزانيّاتهم التي ينفقونها على الطعام. بمعنى آخر، كلما زاد تناولهم للطعام خارجًا، انخفضت تقديراتهم وتخميناتهم لمقدار ما ينفقونه على ما يأكلونه خارجًا.

محاسبة عقلية لمصاريفك

ربّما من الصعب علينا إيجاد إحصائية أو رقم محدّد يخبرنا عن مقدار ما ننفقه نحن أو تنفقه الأسر في العالم العربيّ على تناول الطعام خارج المنزل. لكن نستطيع أن نستشف بوجود إقبال وميلٍ واضح، لا سيّما بين أبناء جيل الألفية، نحو تفضيل الأكل في الخارج أو الطلب للمنزل على الطهي وإعداد الوجبة من ألفها إلى يائها في المطبخ، وذلك بغض النظر عن ما يكسبونه من نقود. في الواقع، أظهرت الدراسات أنّ أولئك الذين يكسبون أقل، يميلون إلى إنفاق نسبة أكبر من دخلهم المتاح على تناول الطعام في الخارج. فكيف يمكن حلّ هذه المشكلة؟

تحاول المحاسبة العقلية وصف عملية التفكير لدى الناس من خلال تصنيف وتقييم النتائج الاقتصادية المترتبة على سلوك الشراء والإنفاق وتوفير الأموال لديهم

في علم الاقتصاد السلوكي يُستخدم مصطلح المحاسبة العقلية/النفسية أو (Mental Accounting) لشرح الطريقة أو الطرق التي نقوم من خلالها بوضع وتنظيم وتقييم قراراتنا الماليّة أيًّا كان نوعها. وهو بالتالي يحاول وصف عملية التفكير لدى الناس من خلال تصنيف وتقييم النتائج الاقتصادية المترتبة على سلوك الشراء والإنفاق وتوفير الأموال لديهم.

وبتعبيرٍ آخر، يمكننا تشبيه النظرية التي صاغها عالم الاقتصاد السلوكي الأمريكي ريتشارد ثيلر بدفتر الحسابات العقلية لمختلف ميزانيّاتنا الشهرية، سواء في الطعام أو المواصلات أو الترفيه أو الملابس أو حتى ميزانية الذهاب للبقّالة الصغيرة بجانب بيتك. فهي الوسيلة التي نتخذ بها قراراتنا المالية عبر الفصل في أذهاننا بين الحسابات المختلفة.

ونظرًا لأنّ أدمغتنا غالبًا ما تكون عاجزة عن النظر للصورة الكاملة، كما أنها كثيرًا ما تخضع للكثير من الانحيازات المعرفية التي تؤدي لكثيرٍ من الانحرافات في التعامل مع الأمور والحكم عليها، فقد لا تكون محاسباتنا العقلية فعّالة أو عقلانية في كثيرٍ من الأحيان، ما يعني أنها ستؤدي بنا إلى قرارات ضيقة بدلًا من التركيز على النتيجة الإجمالية لتلك القرارات.

قم بوضع ميزانية أسبوعية أو شهرية تحدّد فيها ما ينبغي عليك إنفاقه على الطعام ثمّ التزم بها

فكيف نعتمد على المحاسبة الذهنية لاتخاذ قرارات مالية عقلانية وصحيحة؟ قد تكون الخطوة الأولى في التعامل مع مشكلة الإنفاق على الأكل بأنْ يبدأ الأمر معك بتتبّع سلوكك في تناول الطعام بالخارج على مدار أسبوعٍ أو اثنين مع تدوينك لملاحظاتك عن كلّ مرة، بما في ذلك المبلغ الذي أنفقته والطعام الذي أكلته وشعورك حياله.

في الخطوة الثانية، قم بوضع ميزانية أسبوعية أو شهرية تحدّد فيها ما ينبغي عليك إنفاقه على الطعام، تمامًا كما تحدّد فيها ما ستنفقه على أجار البيت والمواصلات والملابس والترفيه والرحلات وغيرها. ثمّ حاول الالتزام بها ومع الوقت ستجد أنّ هذا يساعدك في فهم أنماط اختياراتك وسلوكيّاتك ويجعل من تغيير نمط حياتك أسهل وأوضح شكلًا. عوضًا عن أنه يجعل من نفسك ومن انجرافك نحو إغراء الاستهلاك أمرًا أكثر قابلية للإدارة والتحكّم.

تساعدك المحاسبة العقلية إذن على ترتيب أمورك المالية وتنظيمها. كلّ ما تحتاجه لاتّباع هذه الاستراتيجية هو التفكير في كلّ عملية إنفاق تقوم بها على الطعام، ومن ثمّ إسقاط هذه العملية على جميع ما تشتريه وما تنفقه. فإذا قمتَ بتناول الطعام اليوم في الخارج، فكّر بما عليك توفيره أو عدم شرائه غدًا لإعادة ضبط الموازنة.