يعاني أطفال الصومال من العديد من المشاكل والأزمات التي تهدد حياتهم بدرجة كبيرة، من أبرزها حاليًّا خطر المجاعة التي تزداد حدة يومًا بعد يوم في ظل صمت عربي وغربي مريب، ما يجعل هذا البلد العربي الواقع في منطقة القرن الإفريقي على أبواب أزمة إنسانية جديدة.

 مليون طفل في خطر

"أكثر من مليون طفل صومالي سيعانون من سوء التغذية بسبب الجفاف إذا لم يحدث شيء"، تقول منظمة "انقذوا الأطفال"، وتضيف: "من المرجح أن يستسلم هؤلاء الأطفال لتأثير الجفاف الذي من المتوقع أن يدمر المنطقة في الأشهر المقبلة".

وفقًا لتقييم الاحتياجات الذي أجرته منظمة إنقاذ الطفولة في شهر مارس/آذار الماضي، يستهلك 73% من الأطفال في الأسر التي شملها الاستطلاع في بونتلاند التي تقع شمال شرق الصومال، في منطقة نوغال (أرض البنط)، وجبتين أو أقل في اليوم مع أسر أبلغت عن نفوق الماشية بسبب الجفاف، مما قلل من وصولهم إلى الغذاء.

تضع موجة النزوح الأطفال في خطر أكبر، فمع هروب العائلات من منازلها، لا يحصل الأطفال على الخدمات الصحية أو التغذية

تقول المنظمة الإنسانية الدولية، إن نصف المستجوبين أكدوا أن كمية الطعام تراجعت في الأشهر الثلاث الأخيرة، نتيجة ذلك تختار العائلات المتضررة طعامًا أقل جودة وتكلفة، كما تعمد إلى الاقتراض من العائلة والأصدقاء وتقليص عدد الوجبات التي يتم تناولها في اليوم كطريقة من أجل البقاء على قيد الحياة نتيجة النقص الحاد الذي يواجهونه في الغذاء.

ووفقًا لتقرير صادر عن وحدة تحليل الأمن الغذائي والتغذية في نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي، فإن عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية آخذ في الارتفاع بسرعة، وتؤكد الوحدة أن ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل دون سن الخامسة سيعانون من سوء التغذية الحاد طوال عام 2019، بما في ذلك 177000 من المحتمل أن يعانوا الآن من سوء التغذية الحاد.

الجفاف يطل برأسه

نقص الغذاء الذي يعاني منه أطفال الصومال، جاء نتيجة الجفاف الذي تعاني منه البلاد منذ سنوات، وتقول منظمة "انقذوا الأطفال": "السكان الصوماليون لم يتعافوا بعد من الجفاف عام 2017. إنهم يواجهون الآن أزمة إنسانية كبرى أخرى، بينما ينظر العالم إلى ذلك. ويعد موسم الأمطار هذا، ثالث أكثر المواسم جفافًا في الصومال منذ عام 1981".

تقول وحدة تحليل الأمن الغذائي والتغذية، إن هطول الأمطار في الصومال في أواخر عام 2018 وأوائل عام 2019 كان أقل بكثير من المستويات المتوقعة، أي أقل مما كان عليه الأمر قبل الجفاف في عامي 2017 و2011.

أدى هذا إلى انخفاض كبير في إنتاج المحاصيل، وعدم توافر المراعي ونقص المياه على نطاق واسع في معظم مناطق المعيشة الرعوية والزراعية، ما انعكس سلبًا على قطيع الماشية الذي تضرر بدوره، وتشمل المناطق الأكثر تضررًا مناطق الرعي الشمالية والشرقية في البلاد، حيث تم الإبلاغ عن نقص شديد في المراعي والماء، وأيضًا المناطق الجنوبية، رغم أن التأثير أقل حدة مقارنةً بالمناطق الوسطى والشمالية.

أدت محدودية الأصول الحيوانية القابلة للبيع، والظروف السيئة للماشية، وتقلص إمكانية الحصول على الحليب، وزيادة إنفاق الأسر على تكلفة الغذاء والماء المرتفعة، إلى انخفاض فرص الحصول على الغذاء في هذه المناطق.

ومنذ فبراير/شباط 2019، بقيت مستويات المياه في المنبع والمصب في نهري شابيل وجوبا (وسط وجنوب الصومال) منخفضة للغاية، كما جفت بعض الأنهار تمامًا بسبب الأجواء السائدة الأكثر جفافًا ودرجات الحرارة المرتفعة.

هذا الأمر أدى إلى ندرة المياه في المجتمعات النهرية في هذا البلد المنهك بسنوات من الصراع، فيما انخفض الإنتاج خارج الموسم في المناطق النهرية بنسبة 11% عن التقديرات في يناير 2019.

من المتوقع حدوث انخفاض كبير بنسبة تتراوح بين 40 و50%، في إجمالي إنتاج الحبوب الموسمي في يوليو 2019، الأمر الذي سيؤدي إلى تتدهور نتائج الأمن الغذائي في الفترة ما بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2019.

غالبًا ما تبقى المناطق الأكثر تعرضًا للمجاعة، وخاصة التي تقع في الشمال وشمال الشرق والمناطق الوسطى ومنطقة جنوب غرب البلاد، دون أي تدخل يذكر

نتيجة هذا الوضع، هجر ملايين الناس منازلهم للعثور على الطعام، وفي مطلع هذا الشهر، ذكرت الأمم المتحدة أن 44000 صومالي يعيشون في المناطق الريفية فروا من منازلهم إلى المراكز الحضرية هذا العام، مما زاد من صفوف النازحين الذين يقدر عددهم بـ2.6 مليون في جميع أنحاء البلاد.

وتضع موجة النزوح الأطفال في خطر أكبر، فمع هروب العائلات من منازلها، لا يحصل الأطفال على الخدمات الصحية أو التغذية أو المياه النظيفة أو النظافة والصرف الصحي الكافيين، مما يُعرضهم لخطر سوء التغذية بشكل أكبر، كما تنتشر الأمراض بسرعة في المدن المزدحمة والمخصصة للأشخاص النازحين.

ويساهم الوصول المحدود للمياه النظيفة بشكل كبير ومباشر في سوء التغذية، فالأطفال معرضون لخطر أمراض مثل الكوليرا والحصبة التي تتسبب في الإسهال الشديد والجفاف، ما يؤدي إلى وفاتهم في ظل نقص الأدوية وضعف التغطية الصحية هناك.

صمت دولي رهيب

"نحن نعرف ماذا سيحدث، ونعرف أيضًا أنه سيكون هناك أطفال بين الضحايا إذا لم نتحرك على الفور، يجب على المجتمع الدولي أن يتصرف ويعمل مع السلطات المحلية لضمان حصول الأطفال وأسرهم على ما يكفي من الطعام"، يقول مدير منظمة إنقاذ الطفولة في الصومال تيموثي بيشوب.

ترى العديد من المنظمات الإنسانية أن الخطر الذي يعاني منه أطفال الصومال يرجع في جزء كبير منه إلى الصمت والتقصير الدولي في معالجة هذه الأزمات، ما أدى إلى تفاقمها وتزايد خطرها على الطفولة الصومالية.

وترى هذه المنظمات أن الاستجابة لمواجهة هذا الخطر من المجتمع الدولي ليست على مستوى حجم الكارثة فهي لا تعدو كونها مبادرات ضعيفة، حيث تقتصر في غالب الأمر على إيصال شحنات غذائية بسيطة إلى المدن الكبرى التي تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين رغم قدرتها الاستيعابية المحدودة وإمكاناتها الضعيفة.

تراجع المساعدات الإنسانية المقدمة للصومال

غالبًا ما تبقى المناطق الأكثر تعرضًا للمجاعة، وخاصة التي تقع في الشمال وشمال الشرق، والمناطق الوسطى ومنطقة جنوب غرب البلاد، دون تدخل يذكر، حيث تحرم من المساعدات الإنسانية نتيجة أسباب عدة.

وفي بيانها الأخير، حذرت منظمة أنقذوا الطفولة من خطر ضعف الدعم المقدم للصومال، حيث أوضحت أنه "دون زيادة فورية في التمويل لتمكين الخدمات المنقذة للحياة بالنسبة للمجتمعات المتضررة من الجفاف، ستكون النتائج وخيمة".

وقال رئيس المنظمة في الصومال: "نحن نعلم أنه دون إجراء فوري، سيعاني الأطفال في الأسابيع والأشهر المقبلة، من الضروري أن يصعد المجتمع الدولي لمواجهة هذا التحدي، وأن يعمل مع حكومة الصومال لتوسيع نطاق تدخلاتنا الإنسانية".

يتطلب هذا الأمر، بحسب منظمات دولية عديدة، تدخلًا عاجلًا لتفادي وقوع كارثة إنسانية واسعة النطاق تطل برأسها على الصومال الذي يعيش غالبية سكانه على المساعدات الإنسانية، وفي حال لم يتوافر ذاك، فإن الكارثة ستكون أشد وطأة.