ترجمة وتحرير: نون بوست

يمثل النجاح في تقليص نسب الفقر على الصعيد العالمي خلال العقود القليلة الماضية أحد أهم الانتصارات التي سجلتها المساعي الدولية لتحسين الأوضاع المعيشية للسكان في جميع أنحاء العالم. وخلال الفترة الممتدة بين سنتي 1981 و2015، انخفض عدد سكان العالم الذين يعيشون تحت عتبة الفقر من 42 بالمئة إلى حوالي 10 بالمئة. وحتى في أفقر مناطق العالم، تراجع عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع أكثر من أي وقت مضى.

إن نجاح أكثر من مليار شخص حول العالم في التخلّص من براثن الفقر يعتبر خبرا سارا بطبيعة الحال. ولكن على الرغم من أن هذه الأرقام يمكن أن تكون مفيدة، إلا أنها قد تكون مضللة إلى حد ما، ذلك أنها تحجب الدينامية الفعلية المسببة للفقر. وتشير الدراسات التي تتبّع كيفية انتقال الأشخاص إلى وضعية الفقر والخروج منها بمرور الوقت إلى أن الكثير لم يقع تحقيقه إلى الآن.

فعلى سبيل المثال، حققت نيجيريا التي تعتبر أكبر قوة اقتصادية في القارة الإفريقية، بين سنتي 1996 و2004، نجاحا ملحوظا في جهودها الرامية لمحاربة الفقر، حيث تراجع عدد الأشخاص الذين تقل قدرتهم الشرائية عن 1.25 دولار يوميا إلى أكثر من الربع، وهذا يعني أن ما يعادل 30 مليون شخص نجحوا في تخطي عتبة الفقر. ولكن خلال الفترة ذاتها، انزلق حوالي 19 مليون نيجيري في حالة من الفقر.

في الفيتنام، لم يكن مختلفا كثيرا، إذ أنه بين سنتي 2006 و2008، تراجع الفقر بنسبة 6.3 بالمئة، مما أدى إلى انتشال حوالي خمسة ملايين فيتنامي من عتبة الفقر

ليست تجربة نيجيريا فريدة من نوعها. ووفقا لدراسة أجراها الخبير الاقتصادي في البنك الدولي هاي آن دانغ، فإنه خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1997 و2001 نجح حوالي 21 مليون إندونيسي من تخطي عتبة الفقر. ويبدو هذا الأمر وكأنه انتصار كبير. ومع ذلك تشير التقديرات التي تعود إلى نفس الفترة إلى أن 17 مليون شخص وقعو بين براثن الفقر، ناهيك عن أن 30 مليون آخرين مازالوا يعانون من أوضاع معيشية صعبة للغاية. لذلك على الرغم من تراجع معدل الفقر مع مرور الوقت، بيد أن هذا النجاح لم يطل الجميع.

في الفيتنام، لم يكن مختلفا كثيرا، إذ أنه بين سنتي 2006 و2008، تراجع الفقر بنسبة 6.3 بالمئة، مما أدى إلى انتشال حوالي خمسة ملايين فيتنامي من عتبة الفقر. ولكن في المقابل، أصبح أربعة ملايين من بين 85 مليون نسمة يعانون من الفقر.

عوضا عن الاكتفاء بأخذ عدد الأشخاص الذين تمكّنوا من تجاوز عتبة الفقر في فترة معينة بعين الاعتبار، فإنه من الأجدر اتباع نهج دينامي لقياس كيفية انتقال الأشخاص إلى وضعية الفقر والخروج منها بمرور الوقت. ويستخدم هذا النهج البيانات التي تتبع وضعيات نفس الأشخاص مع مرور الوقت، وهو ما سيسهل معرفة ما إذا كان هؤلاء الأشخاص الذين نجوا من الفقر قد تمكنوا من البقاء على تلك الحال أم عادوا للعيش في ظروف صعبة من جديد.

على الرغم من وجود تقارير تشير إلى أن الفقر المزمن يشهد تراجعا بعد أن انخفض معدله من 53 بالمائة سنة 2013 إلى 51 بالمائة سنة 2016، إلا أن وتيرة دخول الأسر في دائرة الفقر والخروج منها ارتفعت

في إحدى الدراسات الدينامية، أشار أندرو شيفيرد من معهد التنمية الخارجية إلى أنه "مقابل كل تسع أسر عاشت تحت خط الفقر أو نجت منه بصفة مؤقتة، تمكنت اثنتان فقط من هذه الأسر من التخلص والخروج من دائرة الفقر لفترة طويلة خلال الفترة الفاصلة بين سنة 2011 و2016 في أثيوبيا".

على الرغم من وجود تقارير تشير إلى أن الفقر المزمن يشهد تراجعا بعد أن انخفض معدله من 53 بالمائة سنة 2013 إلى 51 بالمائة سنة 2016، إلا أن وتيرة دخول الأسر في دائرة الفقر والخروج منها ارتفعت، وهو ما يعني بدوره انخفاض النسبة المئوية للسكان الذين لم يسبق لهم الوصول إلى مرحلة الفقر.

لسوء الحظ، يوجد شح في البيانات الحيوية التي تتعلق بهذا الموضوع بالنسبة لمعظم دول العالم النامي. ولكن في حال أراد خبراء ووكالات التنمية حقا فهم كيفية انتشار الفقر، فإنه من الضروري الانطلاق في جمع هذه البيانات حالا. ويعتبر فهم كيفية مواجهة الأفراد للفقر طوال حياتهم أمرا ذا أهمية أساسية بالنسبة لصانعي السياسات والحكومات وأولئك الذين يسعون إلى وضع حد للفقر المدقع. وتساعد هذه المعلومات على التمييز بين الفقر المؤقت والفقر المزمن ويمكنها أيضا توفير بعض المبادئ التوجيهية لصياغة التدخلات السياسية المناسبة.

أما الأشخاص الذين يعيشون في فقر لفترة طويلة من الزمن، فيحتاجون إلى استجابة سياسية مختلفة

يحتاج الأشخاص الذين يرزحون تحت الفقر المؤقت وأولئك الذين يدخلون إلى دائرة الفقر بسهولة بسبب ظروف غير متوقعة (أو الصدمات) على غرار فقدان معيل الأسرة أو مواجهتهم لبطالة مفاجئة، إلى شبكات أمان أو أشكال أخرى من الضمان الاجتماعي لحمايتهم. لكن ابتداء من سنة 2018، أصبحت شبكات الأمان الاجتماعي لا تشمل سوى 2.5 مليار شخص فقط في جميع أنحاء العالم. وفي أفقر مناطق العالم، لا يعتمد سوى شخص واحد من أصل خمسة على هذا التأمين.

أما الأشخاص الذين يعيشون في فقر لفترة طويلة من الزمن، فيحتاجون إلى استجابة سياسية مختلفة. ومثلما تظهر الجهود الناجحة في المناطق الريفية في كل من الصين ونيجيريا، فإنه يجب التركيز على إزالة العقبات على غرار نقص فرص التمتع بالتعليم والرعاية الصحية والمنتجات المالية فضلا عن امتلاك بنى تحتية جيدة وما إلى ذلك، التي عادة ما تمنع الأشخاص من الخروج من دائرة الفقر. وفي حال نجح العالم في مزج السياسة بشكل صحيح، قد تُصبح العناوين الرئيسية في الصحافة التي تتطرق إلى القضاء على الفقر أمرا يستحق الثناء.

المصدر: فورين بوليسي