بعد أن وصلت الأزمة بين واشنطن وبيونغ يانغ إلى الحد الذي بدأ العالم يحبس أنفاسه وهو يرى سيناريو جديد لحربٍ نوويةٍ قادمة، سرعان ما هدأت الأمور، وجلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ في منتجع كابيلا في سنغافورة، ليناقشا سبل تعزيز العلاقات الثنائية، فيا ترى هل نشهد لقاءً مماثلاً بين ترامب والرئيس الإيراني حسن روحاني في أحد منتجعات عُمان المطلة على بحر العرب؟

طهران وواشنطن لا ترغبان بالحرب

رغم التصعيد الذي يبدو ظاهرًا بين الجانبين، والخطوات التصعيدية التي أقدم عليها كل طرف، هناك رغبة خفية غير مصرح بها عند كلا الطرفين بإقامة حوار مباشر أو غير مباشر لتجنب المواجهة العسكرية بينهما، هذا ما نلمسه من الغزل المتبادل بينهما، سواء في الخفاء أم العلن، وما نلمسه أيضًا من الحراك الدبلوماسي للأطراف الوسيطة بين الجانبين، حيث صرح الرئيس الأمريكي ولأكثر من مرة بأن الهدف من العقوبات الاقتصادية ضد إيران، هو حملها على الجلوس لطاولة المفاوضات لغرض التوقيع على معاهدة نووية جديدة وفق الشروط الأمريكية، فيما تنتهج طهران سياسة رفع خطاب التهديد والوعيد لواشنطن، لأسباب تتعلق بالاستهلاك المحلي والتسويق لنظامها بأنه ضحية لغطرسة غربية.

في أوساط المتفرجين، من الدول العربية، يكفيهم تشجيع أحد الطرفين بالمال والتسهيلات اللوجستية، مع عدم نسيان الدعاء لهم بالنصر والظفر

 لكنها بنفس الوقت، تحاول سرًا ‏تهدئة الأوضاع والاستفادة من سلطنة عُمان كوسيط لها مع الولايات المتحدة للدخول في مفاوضات ‏والاستجابة للضغوط الأمريكية، كما فعلت ذلك مع أوباما، حينما كانت سلطنة عُمان راعيةً لمفاوضات سرية طويلة بين الجانبين امتدت لأشهر قبل أن تنتقل إلى العلن.

‏فإيران تحاول التمنع حتى آخر لحظة، لأنها تعلم أنها إذا جلست بالظروف الحاليّة، فإنها تجلس بموقف ضعيف تخسر فيه كل المكتسبات التي حققتها في إطار المشروع النووي والصاروخي وتخسر نفوذها الكبير الذي حققته في دول المنطقة، هذا ما أكده ‏الرئيس الإيراني حسن روحاني نفسه حينما قال إننا رفضنا وساطة رؤساء دول كبيرة للتفاوض مع واشنطن، ‏لأن الظروف ليست مناسبة الآن.

أما في أوساط المتفرجين من الدول العربية، فيكفيهم تشجيع أحد الطرفين بالمال والتسهيلات اللوجستية، مع عدم نسيان الدعاء لهم بالنصر والظفر، فهم بالنهاية ليسوا بفاعلين أساسيين بل عليهم تلقي نتائج حسم الصراع أيًا كانت بروح رياضية ونفس راضية.

ماذا يدور في الخفاء؟

انطلقت مبادرات المصلحين بين الجانبين، وفي غالبيتها من أطراف تعرف أنها ستتعرض للضرر في حالة نشوب حرب عسكرية بين البلدين أو حتى استمرار العقوبات الاقتصادية على إيران، العراق أحد تلك الدول التي كانت قيادته السياسية قبل وقت قريب تحاول تحدي العقوبات الأمريكية، وبدأت تغير لغة خطابها الآن، من التهجم والاستعداد لمحاربة أمريكا على لسان قادة ميليشياتها إلى لغة هادئة ووادعة، وإعلان البراءة من كل عمل يستفز الأمريكان بالمنطقة، وإلقاء التهم على داعش وغيرها من التنظيمات، بأنها من تريد تعكير صفو العلاقة الودية مع الولايات المتحدة.

لم تتوان دول مثل سويسرا التي ترعى المصالح الأمريكية في طهران، من لعب دور المرسال بين الطرفين، فكانت زيارة رئيس وزرائها لواشنطن لهذا الغرض

فأطلق رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مبادرة لتهدئة خواطر الطرفين وإعلان عزمه لإرسال وفدين أحدهما لطهران والآخر لواشنطن ليتوسط بينهما، ولكن يا ترى هل يستطيع الوفد الذاهب لواشنطن الحصول على تأشيرة الدخول، بعدما مُنعت التأشيرة عن رئيس وزرائهم؟ أما بالنسبة لإيران، فهي لم تنتظر وصول الوفد العراقي إليها، فقامت بإيفاد وزير خارجيتها محمد جواد ظريف لبغداد، لتعرف ما الجديد من أخبار المفاوضات.

كما لم تتوان دول مثل سويسرا التي ترعى المصالح الأمريكية في طهران، من لعب دور المرسال بين الطرفين، فكانت زيارة رئيس وزرائها لواشنطن لهذا الغرض، وحتى روسيا دخلت على الخط لمحاولة إنقاذ حليفها إيران من الغضب الأمريكي ودول أخرى مثل قطر والكويت واليابان.

لكن بعض الدول العربية تمتلك قدرًا عاليًا من الشجاعة لتقوم بشد الرحال مباشرة إلى طهران لتعرض عليها لعب مهمة الوسيط بينها وبين واشنطن، وأعني بهذا النظام العماني الذي يفتخر بعلاقاته المتنوعة مع جميع المتناقضات في المنطقة، فقامت بإيفاد وزيرها المكلف بالشؤون الخارجية يوسف بن علوي لطهران بعد أن التقى وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو بسلطان عُمان، قابوس بن سعيد. ‏

لا يبدو على ترامب أنه ذاهب إلى حرب مع إيران، هذا ما يخبرنا به تاريخه السياسي طيلة ما يقارب الثلاث سنوات الماضية

إن الحديث عن التواصل بين إيران والولايات المتحدة لم يعد خافيًا على أحد، فقد نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن دبلوماسي أوروبي قوله إن إيران ‏أرسلت إشارات عبر دبلوماسيين أوروبيين أكدت فيها رغبتها في الحديث عن نزع فتيل الأزمة حال خففت واشنطن من عقوباتها الاقتصادية. أما واشنطن، حسب اعتقادنا، فإنها ستكتفي من إيران، الإفراج عن أحد الرهائن الأربع ‏الأمريكيين المحتجزين في سجونها، للبدء بالتفاوض، كما فعلت ذلك كوريا الشمالية، حينما ‏أطلقت رهائنها الأمريكان وسلمتهم لبومبيو، ليلتقي ترامب بالرئيس الكوري الشمالي بعد شهرٍ واحدٍ فقط من تلك الحادثة.

تاريخ ترامب السياسي لا يُنبئ أنه ذاهب إلى الحرب

لا يبدو على ترامب أنه ذاهب إلى حرب مع إيران، هذا ما يخبرنا به تاريخه السياسي طيلة ما يقارب الثلاث سنوات الماضية، ففي بداية أمره حاول إرغام كوريا الشمالية على التخلص من ترسانتها النووية، ‏فأرسل حاملات الطائرات وقام بالتحشيد العسكري، لكن الكوريين لم يأبهوا لتحركات ‏ترامب، فتحوّل عنها تاركًا بيونغ يانغ وشأنها دون عقد اتفاقية لنزع سلاحها النووي، ثم أطلق سيلًا من الصواريخ على النظام السوري لم ‏تؤثر عليه كثيرًا، ثم تركها بعد ذلك ومضى إلى تركيا ليثنيها عن شراء منظومة صواريخ إس 400 من روسيا، ورغم ضغوطه الهائلة عليها، أصرت تركيا على خياراتها لأنها تعلم أنه لا يستطيع التفريط ‏فيها.

ما يهمنا كعراقيين من كل هذا الصراع، هو تأثيره على الوضع العراقي، ذلك لأن أحد البنود الإثني عشر التي تريد الولايات المتحدة الأمريكية من إيران تنفيذها، تعديل سلوكها وتقليل تدخلها بدول المنطقة وعلى رأسها العراق

ثم الفشل الذي مني به عندما حاول ترتيب انقلاب في فنزويلا، الذي ‏أصبح بعد ذلك مجرد أضغاث أحلام، حتى خرجت فنزويلا من دائرة الاهتمام الدولي، ثم شن حرب تجارية على المكسيك وكندا واليابان والاتحاد الأوروبي، ‏ثم  تراجع عنها بعد ذلك ليعفيهما من الرسوم الجمركية على الحديد الصلب، نفس الحال في حربه التجارية التي شنَّها ضد الصين، ‏فقد أصبح من الواضح الآن أن أمريكا بدأت تتضرر منها بنفس الدرجة التي تتضرر منها الصين.

لم يحالف النجاح ترامب إلا فيما يتعلق بحقوق ‏العرب، فقد نجح بنقل سفارة بلاده للقدس ‏والاعتراف بسيادة الكيان الصهيوني على الجولان، رغم اعتقادنا بأن نضال الشعب الفلسطيني لن يوقفه مجرد قرارات من ترامب. ‏

ما تأثير المفاوضات على الوضع بالعراق؟

ما يهمنا كعراقيين من كل هذا الصراع هو تأثيره على الوضع العراقي، ذلك لأن أحد البنود الإثني عشر التي تريد الولايات المتحدة الأمريكية من إيران تنفيذها، تعديل سلوكها وتقليل تدخلها بدول المنطقة وعلى رأسها العراق. فيا ترى هل يصر ترامب على شرطه هذا أم أنه شرط خاضع للنقاش والتفاوض؟

نظرة سريعة للموقف الأمريكي، تجعلنا نحكم على أنهم مصرين على تحجيم النفوذ الإيراني في العراق، ولكن هل هذا بالأمر السهل؟ لا سيما أن حجم النفوذ الأمريكي في العراق من الضعف الذي لا يمكن مقارنته بحجم النفوذ الإيراني، بالمقابل، هل سهل على إيران الاحتفاظ بنفوذها هذا لفترة طويلة أخرى في العراق؟

من المرجح أن نتائج أي مباحثات أمريكية إيرانية تتعلق بالشأن العراقي، ستسفر عن التوصل لتفاهمات ترضي الطرفين، تسمح من خلالها إيران لأمريكا بوجود عسكري حقيقي في العراق ومراعاة لمصالح شركاتها فيه

إن موضوع العراق سيكون أحد أبرز النقاط الخلافية بين الجانبين، فالإيرانيون يعتقدون أن استثمارهم بالعراق لا يمكن تعويضه ولا يجب التضحية به، لأنه وفر لها طيلة الفترة السابقة نافذة سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، والعراق بموارده البشرية الهائلة مكَّنها من تجنيد الآلاف من شبابه وزجهم بمغامراتها العسكرية، كما أنها تفكر بالاستفادة من المليشيات العديدة التي صنعتها بالعراق للدفاع عن نظامها ضد أي تحرك شعبي إيراني، هذا ما أورته بعض المصادر الخاصة التي قالت إن قوات بأعداد كبيرة من الحشد الشعبي العراقي تدخل إيران حاليًّا، تحسبًا لأي هجوم عسكري أمريكي أو أي حراك شعبي إيراني، وجاءت حادثة انقلاب حافلة تقّل عناصر من الحشد متجهة لإيران، في مدينة بلدروز القريبة من حدود العراق وإيران، لتفضح تلك العملية.

بالمقابل تعتقد أمريكا، أنها من أسقطت النظام العراقي السابق وتكبدت خسائر هائلة في سبيل ذلك، فهي الأولى بالعراق دون غيرها، لكن من المرجح أن نتائج أي مباحثات أمريكية إيرانية تتعلق بالشأن العراقي ستسفر عن التوصل لتفاهمات ترضي الطرفين، تسمح من خلالها إيران لأمريكا بوجود عسكري حقيقي في العراق، ومراعاة لمصالح شركاتها فيه في مقابل إطلاق الولايات المتحدة يد إيران في العراق كما هو معتاد الآن.