بعد غياب 16 عامًا عن منصات التتويج القاري، نجح نادي الزمالك المصري في العودة من بعيد بلقب الكونفدرالية الإفريقية إثر فوزه الصعب على نهضة بركان المغربي بركلات الترجيح بنتيجة 5-3 في لقاء الإياب بنهائي البطولة الذي جمعهما أمس الأحد على ملعب برج العرب بالإسكندرية.

فرحة عارمة خيمت على مشجعي الفارس الأبيض بعد التتويج باللقب الذي كان بعيد المنال بداية المشوار الإفريقي إثر تعثر الزمالك، إلا أن التصميم والإرداة القوية كان لهما مفعول السحر، وفي النهاية تُوج لاعبو الأبيض بالكأس الأغلى في تاريخ الفريق الحاليّ الذي عانى كثيرًا للوصول إلى هذه اللحظة.

البطولة الأولى للنادي الملكي (كما يسميه أنصاره) حملت الكثير من المؤشرات والأرقام التي تدون اسم الفريق في سجلات التاريخ الكروي المصري والقاري، هذا بخلاف الدفعة المعنوية القوية للاعبين لتعزيز هذا الفوز بالحصول على بطولة الدوري المحلي الذي يشهد منافسة حامية الوطيس من المنافس التقليدي، النادي الأهلي.

أرقام تاريخية

بفوز الزمالك أمس يصل إلى اللقب الإفريقي الثاني عشر، حيث تُوج بـ11 لقب قاري قبل البطولة الأخيرة، منها 5 ألقاب دوري أبطال إفريقيا و3 سوبر إفريقي وبطولة واحدة أبطال الكؤوس، ويعود آخر تتويج قاري للأبيض إلى عام 2003 منذ الحصول على كأس السوبر الإفريقي على حساب الوداد البيضاوي المغربي بنتيجة (3-1).

شارك الزمالك أربع مرات سابقة في الكونفدرالية إلا أن هذه المرة الأولى التي يحصل عليها، إذ شارك في نسخ 1998 و1999 و2015 و2018، فيما وصل إلى نصف نهائي البطولة عام 1999، إلا أنه ودعها أمام النجم الساحلي التونسي بعد خسارته ذهابًا (2-0) وفوزه في مصر (3-1).

كثير من المتابعين لكرة القدم في مصر لم يتوقعوا وصول الزمالك إلى الأدوار النهائية فضلاً عن الفوز بالبطولة، إذ كان الفريق على مقربة من الخروج المبكر من دور المجموعات

وفي 2015 خرج من نفس الدور على يد ذات الفريق التونسي أيضًا، حين خسر في مباراة الذهاب بنتيجة (5-1) قبل أن يفوز في مباراة العودة بنتيجة (3-0)، وأخيرًا نجح في كسر عقدة هذه البطولة ليتوج بها في مشهد يعيد أمجاد الملكي ويروي ظمأ الملايين من جماهيره المتعطشة للقب قاري.

يلاحظ كذلك أن البطولة الأخيرة شهدت صحوة زملكاوية إفريقية غير مسبوقة، فمنذ أن خسر الأبيض أمام صن داونز الجنوب إفريقي بمسابقة دوري أبطال إفريقيا عام 2016 بنتيجة هدفين لهدف، لم يعرف الفارس الأبيض الخسارة مطلقًا على أرضه وبين جماهيره.

وخلال النسخة الحاليّة من الكونفدرالية حقق الزمالك 6 انتصارات (القطن التشادي واتحاد طنجة وحسنية أغادير المغربيين وجورماهيا الكيني والنجم الساحلي التونسي ونهضة بركان المغربي) في مقابل تعادلين فقط أمام بترو أتيلتكو الأنجولي ونصر حسين داي الجزائري.

هذا وقد جسّد التتويج الأخير تفوق الملكي في ركلات الترجيح، فمن بين أربع مرات وصل فيها إلى ضربات الجزاء في نهائيات بطولات قارية، فاز فيها جميعها، أمام كل من كوتوكو الغاني وشوتنج ستارز النيجيري بدوري الأبطال 1993 و1996، والمقاولون العرب بكأس السوبر 1997، وأخيرًا نهضة بركان المغربي هذا العام.

احتفالات تعم أرجاء الملعب بعد انتهاء المباراة

الأندية المغربية.. وش السعد

لم يستوعب كثير من المتابعين للشأن الكروي من غير المصريين فرحة جماهير الأبيض بوصول فريقهم إلى نهائي الكونفدرالية أمام فريق مغربي، البعض وقتها أرجع هذه الحالة إلى تواضع مستوى نهضة بركان خاصة أنه يحتل مرتبة متأخرة في ترتيب الدوري المحلي المغربي.

بحصول الزمالك على الكونفدرالية أمس على حساب النهضة، تكون الأندية المغربية "وش السعد" على الزملكاوية في البطولات الإفريقية، فهذه ليست المرة الأولى التي يصل فيها الملكي إلى منصات التتويح القاري على حساب أندية المغرب، وهو ما كان "بشرة خير" لجماهير الفارس الأبيض.

آخر لقب إفريقي حصل عليه النادي المصري كان على حساب الرجاء البيضاوي المغربي في بطولة دوري أبطال إفريقيا عام 2002، حيث تعادل سلبيًا فى لقاء الذهاب ليفوز بمباراة الإياب بالقاهرة بهدف وحيد سجله لاعب خط الوسط المخضرم تامر عبد الحميد.

وفي 2003 كان التفوق الزملكاوي حاضرًا أيضًا أمام المغاربة، إذ نجح في اقتناص بطولة السوبر الإفريقي من بين أنياب الوداد، عقب الفوز عليه بنتيجة 3 أهداف مقابل هدف واحد، كانت الأهداف من نصيب محمد عبد الواحد وعبد الحليم علي وحازم امام، علمًا بأن هذا الموسم كان الأفضل للزمالك منذ نشأته تقريبًا.

يذكر أن مواجهات الزمالك أمام الفرق المغربية عمومًا كانت في صالح الفريق المصري، إذ جمعت بينه وبين أندية المملكة 17 مواجهة مباشرة في مختلف البطولات القارية قبل مباراة الأمس، أسفرت عن فوز الأبيض في 10 مباريات فيما تعادل في 5 وهُزم في مبارتين فقط.

من الهبوط إلى التتويج

كثير من المتابعين لكرة القدم في مصر لم يتوقعوا وصول الزمالك إلى الأدوار النهائية فضلاً عن الفوز بالبطولة، إذ كان الفريق على مقربة من الخروج المبكر من دور المجموعات، بعدما خسر 5 نقاط كاملة في مبارتين فقط، متذيلاً مجموعته، حينها تضاءلت فرص الصعود، إلا أن الإرادة القوية وحماس اللاعبين كان له رأي آخر.

الزمالك استهل مشواره الإفريقي بإقصاء فريق القطن التشادي من الدور 32 بعدما حسم لقاء الذهاب لصالحه بسباعية نظيفة، قبل أن يتلقى الهزيمة في لقاء الإياب بهدفين دون رد، كما أطاح في الدور ذاته "مكرر" باتحاد طنجة المغربي بعدما تعادل سلبيًا في لقاء الذهاب الذي أقيم في المغرب، قبل أن يحسم مباراة الإياب لصالحه بثلاثة أهداف مقابل هدف.

في الوقت الذي داعبت فيه بعض جماهير أبناء الجزيرة أحلام خروج الزمالك من البطولة أسوة بما حدث مع فريقها ومن باب "محدش أحسن من حد.. ولا تعايرني ولا أعايرك" كانت هناك شريحة أخرى أكثر عقلانية ووطنية، دعمت الفريق المصري في موقعته الإفريقية

وفي دور المجموعات اعتلى ترتيب المجموعة الرابعة برصيد 9 نقاط من إجمالي فوز مبارتين وتعادل في ثلاث مباريات فيما مني بخسارة وحيدة متفوقًا بذلك على فريق جورماهيا الكيني صاحب المركز الثاني بفارق الأهداف، ليضع الفارس الأبيض قدمه فوق أول سلالم البطولة.

في الدور ربع النهائي نجح في إقصاء حسنية أغادير المغربي، إذ نجح في اقتناص نقطة غالية في مباراة الذهاب قبل أن يفوز في مباراة الإياب بهدف للاعب خط الوسط إبراهيم حسن، ليحجز تذكرة الصعود إلى دور نصف نهائي البطولة أمام الخصم العنيد النجم الساحلي التونسي.

حالة من القلق خيمت على أبناء ميت عقبة قبيل مواجهة الفريق التونسي صاحب السجل غير الجيد مع الزمالك، الأمر الذي دفع الكثير من النقاد الرياضيين لاستبعاد الفريق المصري من تخطي هذه العقبة، خاصة أن النجم كان المرشح الأقوى للفوز باللقب، لكن - كالعادة - كان لكتيبة الملكي رأي مختلف تمامًا عبروا عنه بصورة كبيرة داخل المستطيل الأخضر.

لم يكن فوز الأبيض في إستاد برج العرب بالإسكندرية بهدف واحد دون مقابل على النجم فوزًا مرضيًا لجماهيره التي توقعت أن يكون الوضع في سوسة في مباراة العودة مختلف تمامًا، خاصة بعد الفرص الكبيرة التي أهدرها الفريق التونسي في الإسكندرية، إلا أن الفريق نجح في التعامل مع المباراة بذكاء منقطع النظير لينجح في الخروج بتعادل سلبي يؤهله للصعود للمباراة النهائية أمام نهضة بركان المغربي الذي نجح في الإطاحة به بضربات الترجيح بعد تعادل نتيجتي الذهاب والإياب بهدف لكل فريق.

حضور جماهيري كبير في المباراة النهائية

إنقاذ سمعة الكرة المصرية

لم تكن احتفالات المصريين لا سيما أبناء ميت عقبة بهذا الفوز الغالي محصورة في الحصول على لقب البطولة فحسب، بل اعتبرها البعض "رد شرف" للكرة المصرية وإنقاذ لسمعتها بعد خروج ممثلي مصر، الإسماعيلي والأهلي، لاسيما الأخير بعد الخسارة المدوية التي مني بها وهو صاحب الحظ الأكبر من البطولات المحلية والقارية على يد صن داونز الجنوب إفريقي في الدور ربع النهائي لدوري أبطال إفريقيا.

في الـ6 من أبريل عام 2019 أمطر الفريق الجنوب إفريقي شباك نظيره المصري بخماسية نظيفة، كانت بمثابة الصدمة ليس لأنصار الأحمر وفقط، لكن للملايين من عشاق الساحرة المستديرة في المحروسة، حينها جيش الأهلي إعلامه ومنصات السوشيال ميديا لمؤازرة الفريق، ودعمه بشتى السبل، للتعويض في مباراة العودة على أمل "الريمونتادا".

لكن ليس دومًا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، إذ فشل الأهلي في تعديل النتيجة إثر فوزه الباهت على صن داونز بهدف واحد فقط، أطاح به من البطولة في مشهد أثار سخرية الجميع، وقتها تحولت الأنظار إلى الزمالك بصفته ممثل مصر الوحيد في البطولات القارية بعد "فضيحة" الأهلي بحسب وصف أنصاره الرافضين على وصول فريقهم صاحب التاريخ الكبير من البطولات إلى هذا المستوى غير المقبول.

وفي الوقت الذي داعبت فيه بعض جماهير أبناء الجزيرة أحلام خروج الزمالك من البطولة أسوة بما حدث مع فريقها ومن باب "محدش أحسن من حد.. ولا تعايرني ولا أعايرك" كانت هناك شريحة أخرى أكثر عقلانية ووطنية، دعمت الفريق المصري في موقعته الإفريقية بصفته ممثلاً لبلدها في هذا المحفل الرياضي الكبير.

وفي المجمل.. نجح الفارس الأبيض المصري في تحقيق إنجاز جديد يضاف لمسيرته الكروية المضيئة قبيل أيام قليلة من استضافة مصر لبطولة الأمم الإفريقية وهو ما قد ينعكس إيجابًا على صورة الكرة المصرية إفريقيًا في وقت تعاني فيه من عدم استقرار فني سواء على مستوى الأندية أم المنتخبات.