من أقصى شرق الكرة الأرضية، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه يحاول تحسين صورة تصريحاته بخصوص إيران وملفها النووي، وبعد قمة مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في طوكيو يوم أمس الإثنين، تبنى الرئيس ترامب لهجة تصالحية بالتوازي مع الحشود العسكرية الأمريكية التي تجوب بر المنطقة وبحرها.

وبعد عامين من الحرب الباردة التي تشنها الإدارة الأمريكية الحاليّة علی إيران، يعود ترامب اليوم ليتحدث عن أن واشنطن لا تريد تغيير النظام أو إلحاق الأذى بإيران، وأن بإمكانها (إيران) أن تصبح بلدًا عظيمًا في ظل قيادتها الحاليّة، وإنما تسعى، بحسب قوله، لعدم امتلاكها أسلحة نووية، لأن في العالم ما يكفي من مشكلات بسبب تلك الأسلحة.

بل غازل ترامب إيران بقوله إن طهران تريد إبرام صفقة مع بلاده، وهناك إمكانية لذلك، وفي ذلك تساؤلات عدة: إلى أي حد تشكل تصريحات الرئيس الأمريكي هذه تحولاً في موقفه؟ وهل من شأنها إبعاد شبح المواجهة العسكرية وتقريب واشنطن وطهران من طاولة الحوار؟ وما الذي جعل الرئيس الأمريكي يتحدث عن طهران بنبرة مختلفة؟

في حضرة شينزو، بدا ترامب وكأنه يستنجد باليابانيين للعب دور الوسيط نتيجة علاقاتهم الطيبة مع قادة النظام الإيراني لدفعهم إلى حوار أظهر ترامب بشكل واضح أنه مستعد له

ترامب وإيران.. عودة للتهدئة

شتان بين مفردات الرئيس الأمريكي خلال الأسابيع الماضية وما نطق به في طوكيو خلال مؤتمر صحفي في طوكيو مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، أدلى خلاله الرئيس الأمريكي بتصريحات مطمئنة تجاه خصميه المفترضين: إيران وكوريا الشمالية، وصلت إلى حد اعتبار أسلوبه يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة نحو الأمان.

وفي حضرة شينزو، بدا ترامب وكأنه يستنجد باليابانيين للعب دور الوسيط نتيجة علاقاتهم الطيبة مع قادة النظام الإيراني لدفعهم إلى حوار أظهر ترامب بشكل واضح أنه مستعد له، وأنه مقتنع بأن إيران تريد مثل هذا الحوار، لا سيما أن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي يستعد لزيارة طهران قريبًا بغرض تخفيف حدة التوتر القائم بين واشنطن وطهران.

كما قلل ترامب من خطورة التجارب الصاروخية التي قامت بها كوريا الشمالية أخيرًا، وقال: "بيونغ يانغ جرَّبت بعض الأسلحة الصغيرة"، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن كوريا الشمالية لديها إمكانات اقتصادية ضخمة يجب استغلالها.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي على ملعب الغولف في شيبا قرب طوكيو 

رغم ذلك لم تكن نبرة التهدئة غير المتوقعة قياسًا بحجم التصعيد الأخير خاليةً من عبارات لا تروق لطهران، ففي حين يحمل تأكيده على العمل من أجل زوال الأسلحة النووية وليس تغيير النظام في إيران رسالة فيها ترغيب أكثر للجلوس إلى طاولة المفاوضات، يشيد ترامب في الوقت ذاته بالعقوبات الاقتصادية ضد طهران.  

وفي واحد من أفضل خطاباته ثناءً على إيران، واصل ترامب رسائل الإشادة لنفسه والذم لإيران بقوله إنها كانت تمثل الإرهاب عندما اعتلى سُدة الحكم، وحمَّلها مسؤولية الاضطرابات في الشرق الأوسط مثل سوريا واليمن، قبل أن يخلص إلى أن هذا الدور قد انكفأ بفضل العقوبات التي فرضها عليها.

"رجل ذكي جدًا"

فيما يتعلق بالنقطة الساخنة الأخرى للسياسة الخارجية الأمريكية، بدا دونالد ترامب من كوريا الشمالية جيدًا أيضًا، حيث وصف الرئيس الكوري كيم جونج أون بأنه "رجل ذكي جدًا"، وقال إن كيم "يفهم" أنه لا يمكن للسلاح النووي أن يجلب سوى "أشياء سيئة" وأن لدى بلاده إمكانات اقتصادية هائلة لتطويرها.

في وقت سابق، ذكر ترامب أن هناك "قدرًا كبيرًا من الاحترام بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، حتى لو انتهت بالفشل"، وذلك في إشارة إلى اجتماعيّه مع الزعيم الكوري الشمالي في يونيو/حزيران 2018 في سنغافورة وهانوي في فبراير/شباط 2019.

تضع هذه التناقضات حلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء في حيرة إزاء ما ينتظرهم لاحقًا

منذ ذلك الحين، تعثرت المفاوضات النووية، وأجرت بيونغ يانغ تجارب صاروخية قصيرة المدى في أوائل مايو/أيار الحاليّ، لكن يوم الأحد، فضَّل ترامب التقليل من القلق المرتبط باختبار بيونغ يانغ صواريخ قصيرة المدى، بقوله في تغريدة في اليوم الثاني من زيارته لليابان "لقد أطلقت كوريا الشمالية بعض الأسلحة الصغيرة التي أزعجت البعض في بلدي والآخرين، خلافًا لي أنا".

على العكس من ذلك شدَّد مضيفه شينزو آبي على خطرها بالنسبة اليابان، التي هي قريبة جدًا من الصواريخ قصيرة المدى، لكن يبدو أن ترامب يلمح على ما يبدو إلى تصريحات مستشاريه، وخاصة مستشاره للأمن القومي جون بولتون الذي رأى السبت أن التجارب الأخيرة لكوريا الشمالية "بلا أدنى شك" انتهاكًا لقرارات مجلس الأمن الدولي.

هل حان وقت التفاوض؟

بين واقع دولي بات مختلفًا بعد الاتفاق النووي خاصة من الجانب الأوروبي تجاه إيران، وواقع جغرافي تفرضه الجغرافيا ووقائع الميدان في المنطقة تناور إيران تجاه أمريكا في وقت يبدو أن العقلانية السياسية تدفع باتجاه براغماتية ما، ليس لانتزاع فتيل التوتر بين طهران وواشنطن فقط بل بتقريب الطرفين من طاولة الحوار.  

وفي كلام رئيس الوزراء الياباني في القاعة نفسها ما يبعث على الاعتقاد بأن طوكيو ستكون الوسيط المفضل لهذه المهمة غير اليسيرة، فقد تعهد شينزو آبي باستخدام علاقات بلاده الجيدة مع طهران لتخفيف التوتر، فهل فُتح باب الحوار شبه المستحيل قبل أيام قليلة من اليابان؟  

الإجابة عن هذا السؤال لن تتضح قبل تقصي حقيقة التغيير المفاجئ في لهجة ترامب، وهل دعوته للحوار مع طهران واقعية أم هو فقط أسلوب الرئيس ترامب غير المألوف في الدبلوماسية العالمية؟ وفي ملف كوريا الشمالية خير برهان على هذا الأسلوب الذي يتبعه ترامب من التصعيد إلى التهدئة والتراجع.

لأن لكل ملف خصوصيته وتعقيداته قد لا يروق لبعض حلفاء واشنطن تغليب خيار السلام  على الحرب

في رأي البعض وخاصة الجانب الإيراني، فإن دعوة ترامب للحوار لا تحمل جديدًا، فهي تأتي بعد فشل الخيارات الأمريكية السابقة، ومنها العقوبات والحصار الاقتصادي والتلويح بالحرب علی إيران، وفي هذا الصدد، يرجع المحلل السياسي الإيراني عباس أصلاني هذه التهدئة إلى محاولة فتح قنوات تواصل مع الجانب الإيراني بعدما اتضح له أن کل محاولاته بغية إثارة الشغب والاحتجاجات الشعبية في الداخل الإيراني باءت بالفشل.  

وحتى الآن ترفض الدبلوماسية الإيرانية المفاوضات مع واشنطن، وجاء ذلك علی لسان المرشد الأعلی للثورة الإسلامية آية الله خامنئي، حيث أكد أنه لا حوار مع أميركا من حيث المبدأ، وتبرر طهران بـ3 عقبات تقف في وجه موقفها: لا مفاوضات في ظل الترهيب والعقوبات، ولا في ظل أصوات متناقضة من الإدارة الأمريكية كما تقول، ولا دون ضمانات لأي اتفاق مستقبلي.

وبدعوته إيران للحوار يناقض ترامب نفسه بعدما أعلن 12 شرطًا للتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، وفرض عليها عقوبات، ولوّح بالخيار العسكري ضدها، وتضع هذه التناقضات حلفاء واشنطن وخصومها على حد سواء في حيرة إزاء ما ينتظرهم لاحقًا.

تهدئة ضد رغبات دُعاة المواجهة العسكرية

لأن لكل ملف أيضًا خصوصيته وتعقيداته قد لا يروق لبعض حلفاء واشنطن تغليب خيار السلام واشنطن على الحرب، فبعض دول الخليج تفضل حربًا على إيران تقودها في الظاهر الولايات المتحدة التي أرسلت حاملة الطائرات إلى المنطقة نُزلاً عند رغبة البعض.

وللمفارقة يبدو أن الخطر والتهديد الإيرانيين تشعر بهما عاصمتان فقط، هما الرياض وأبوظبي، فهاتان الدولتان لا تستطيعان خوض الحرب وإن كانتا السباقتين لقرع طبولها ضد إيران، وتظلان بحاجة إلى طرف آخر يفاوض ويحارب نيابة عنهما. 

وفي محاولة لقطع الطريق أمامهما تحركت الدبلوماسية الإيرانية لتبعث رسائل إلى دول الخليج كلها، إذ يجول مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية عباس عراقجي على عُمان والكويت وقطر، فيكمل ما بدأه ظريف في بغداد، في محاولة لسحب الورقة الخليجية من اليد الأمريكية.  

تبقى احتمالات ألا يسفر مجمل الحراك الدبلوماسي الراهن في المنطقة وخارجها، الذي يتوازي مع الحشود العسكرية التي لا تفارق مياه الخليج عن حل يرضي الجميع

وتحمل جولة عراقجي دلالات كثيرة، إذ تأتي في وقت يحتدم فيه التوتر بين إيران والولايات المتحدة وسط انعكاسات ذلك على المنطقة وأثر العقوبات الأمريكية بمختلف أشكالها ضد إيران على دول الخليج، التي وصفها عراقجي في الكويت بعد زيارته سلطنة عُمان بأنها تعرِّض أمن المنطقة كلها للخطر، وجدَّد استعداد بلاده لما سمَّاه التعاون والحوار البنَّاء مع دول الخليج، منبهًا لما وصفه بالتهديدات التي تواجهها.  

ويبدو من ذلك أن طهران تتبع خطًا معدلاً في حديثها مع دول الخليج دون أن تستثني أصدقاء واشنطن المقريبن، إذ لا يكاد وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ينزل سلم الطائرة حتى يصعده من جديد في إطار مشروع جديد يتمحور حول توقيع اتفاقيات صداقة وعدم اعتداء مع دول الجوار.  

من بغداد إلى إسلام أباد إلى نيودلهي، واختيار المكان فيه رسائل أخرى، ذكَّر وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف باقتراح قال إنه لا يزال قائمًا، وهو إبرام اتفاقية عدم اعتداء مع دول الخليج، وكشف استعداد بلاده لتلقي أي مبادرة تساعد على خفض التصعيد مع الدول الخليجية، وأكد رغبتها في بناء علاقات متوازية مع هذه الدول أساسها الاحترام المتبادل.  

لكن العنوان البارز المتعلق بالخلاف الحاد الراهن مع الولايات المتحدة بقي كما هو، وتتحدث جميع الأوساط السياسية والأمنية عن قوة رد الفعل الإيراني واستعداد طهران للتصدي لأي حرب تشنها واشنطن، سواء كانت اقتصادية أم عسكرية.

ورغم التحشيد العسكري الأمريكي وإعلان الجاهزية الإيرانية يتفرج الطرفان على الميدان ولا يرغب أحد بدخوله، يتحرك الجميع ويستمع إلى ما يروق له ربما من الجميع، فلا فرق أن يأتي الكلام من الغرب أو الشرق، من اليابان أو العراق أو سويسرا، المهم بالنسبة لمَنْ يسعى للتهدئة أن يبعد شبح الحرب.

 لكن تبقى احتمالات ألا يسفر مجمل الحراك الدبلوماسي الراهن في المنطقة وخارجها، الذي يتوازي مع الحشود العسكرية التي لا تفارق مياه الخليج عن حل يرضي الجميع، لكنه يسهم برأي كثيرين في توسيع الدوائر الإقليمية والدولية الساعية لامتصاص التصعيد والتوتر الراهن في المنطقة، وتلك خطوة مهمة عكس ما يشتهيه دُعاة المواجهة العسكرية.