تصعيد جديد يخيم على الأجواء السودانية إثر تعثر المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي والمعارضة بشأن تشكيل المجلس السيادي ونسب المشاركة به، في ظل إصرار قوى الحرية والتغيير على تسليم الحكم لسلطة مدنية في مقابل تعنت عبد الفتاح البرهان ورفاقه.

إضراب عام دعت إليه قوى المعارضة على مدار يومين، بدءًا من الأمس ويستمر حتى اليوم، مع التلويح بتصعيد آخر حال عدم التعاطي مع هذا الحراك بالشكل الذي يرضي المحتجين، أسفر عن تعطل الكثير من المصالح الحكومية والخاصة في الوقت الذي يقلل فيه العسكر من أهمية أدوات الضغط تلك.

تزامن هذا التصعيد مع جولات مكوكية لرئيس المجلس العسكري ونائبه، البرهان وحميدتي، لكل من السعودية ومصر والإمارات، الأمر الذي اعتبره الثوار محاولات للالتفاف على إرادة الثوار عبر الاستقواء بأضلاع مثلث الثورات المضادة، لكن يبقى السؤال: هل حقق الإضراب أهدافه؟

استجابة واسعة النطاق

لاقت دعوة الحرية والتغيير استجابة كبيرة من قطاعات عدة من السودانيين، من بينها كيانات حكومية بجانب أخرى خاصة، حيث شهدت شوارع السودان تراجعًا ملحوظًا في معدلات المارة مقارنة بالأيام السابقة، وفق ما أكده شهود عيان لـ"نون بوست"، مؤكدين على مشاركة واسعة النطاق في الإضراب.

البداية كانت مع القطاع المصرفي الذي لوحظ اتساع رقعة الإضراب بداخله، حيث توقف العاملون عن ممارسة مهام وظيفتهم، بجانب قيام آخرين بتنظيم وقفات احتجاجية رافعين شعارات تطالب بمدنية الدولة وتسليم الحكم في أسرع وقت لمدنيين رافضين هيمنة العسكر على مقاليد الأمور بهذه الكيفية.

بنك السودان المركزي وشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية التابعة له، سجلا النسبة الأكبر من المشاركة في الإضراب الذي دعا إلى الذهاب للعمل مع توقف أداء المهام، ورغم ذلك شهدا غيابًا كبيرًا من الموظفين، الأمر الذي أصاب القطاع المصرفي بصفة عامة بحالة من الشلل المؤقت.

ومن القطاع المصرفي إلى الموانئ، حيث توقفت عمليات المناولة بالكامل في الميناء الجنوبي - أكبر الموانئ السودانية في بورتسودان (675 كيلومترًا شمال شرق العاصمة الخرطوم) - بسبب إضراب العاملين، وفق ما ذكر سامي الصائغ كبير مهندسي المحطة الساحلية بالميناء لـ"الجزيرة" مضيفًا: "لم تتحرك أي آلية إطلاقًا، الإضراب في الموانئ البحرية ناجح بنسبة 100%".

مشاركة السودانيين الواسعة في الإضراب تضع رسالة في بريد المجلس العسكري عن حجم التأييد الذي تحظى به قوى الحرية والتغيير من مكونات الشعب السوداني الذي أسمع مطالبه بشأن نقل السلطة للمدنيين بوضوحٍ لا مراء فيه

القطاع التعليمي كذلك كان له نصيب من المشاركة بصورة واضحة، حيث امتد الإضراب لأعضاء "الكنترول" لتصحيح امتحانات الشهادة السودانية بالقرب من ميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش في الخرطوم، ورغم المغريات المادية التي قدمها نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان حميدتي لكنترول الشهادة السودانية للاستمرار في العمل، فإنها لم تؤت ثمارها.

الأسواق التجارية كانت حاضرة هي الأخرى وبقوة، إذ إنه لأول مرة يمتد الإضراب العام وسط التجار في أسواق نيفاشا وشارع الحرية (وسط الخرطوم) والسجانة (جنوب العاصمة) والشهداء في أم درمان، فضلاً عن إضراب عدد من المحلات التجارية الكبرى مثل "سناء هايبر ماركت".

كما انضم للدعوة مئات العاملين في عدد من الشركات الخاصة منها شركات "دال"، إحدى أكبر المجموعات الصناعية التي تضم مصانع كوكاكولا ومطاحن "دقيق سيقا" و"ألبان كابو"، فيما أعلنت 277 صيدلية في ولاية الخرطوم الالتزام بالإضراب، وأغلقت أغلب الصيدليات في مدن الولاية أبوابها.

واستجابة للدعوة ذاتها شارك العاملون في مطار الخرطوم في الإضراب، رغم ضغوط قوات الأمن التي منعت الصحفيين من تغطية هذا الحراك، في الوقت الذي تشير فيه بعض المصادر إلى مباشرة بعض العناصر العسكرية العمل داخل المطار بنفسها، ما دفع تجمع مهنيي الهيئة العامة للأرصاد الجوية لإخلاء مسؤوليته من أي معلومة طقس صادرة من مكتب التوقعات الجوية في المطار، وأي تبعات ناتجة عن ذلك خلال فترة الإضراب.

شركات الطيران الخاصة شاركت بدورها في العملية، حيث نفذ العاملون بها إضرابًا عن العمل مع دخول الساعات الأولى من فجر الثلاثاء، وقررت تبعًا لذلك شركات طيران تعليق رحلاتها المعلنة إلى السودان، ونتاجًا لذلك علقت بعض شركات الطيران العربية رحلاتها للخرطوم لفترة محدودة، وفق ما ذكرت صحيفة "سودان تريبيون" في تقرير لها.

الساعات الأولى من صباح اليوم شهدت مشاركة فاقت ما حدث بالأمس، حيث انضمت بعض القطاعات الجديدة على رأسها القضاء وغيرها

عالميًا.. أصدرت الشبكة النقابية العالمية للتضامن والنضال (منظمة تضم  مئة نقابة من ثلاثين دولة منها البرازيل وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وهايتي ودول أخرى حول العالم، خطابًا تضامنيًا مع الحراك الشعبي السوداني، مؤكدة فيه على مطالب الثوار وعلى رأسها إقامة السلطة المدنية، وثمَّنت هذه النقابات حق المهنيين والعمال والحرفيين في تنظيم الإضراب العام لتحقيق هذه المطالب المشروعة، فيما شاركت نقابات مهنية ومنظمات مجتمع مدني برازيلية في حملة التضامن مع الإضراب العام.

الرسالة وصلت للعسكر

"توتر العسكريين أمس وقلقهم إزاء المشاركة الواسعة في الإضراب تؤكد أن الرسالة قد وصلت بالفعل، والإضراب نجح وأن كلمة الثوار أصابت آذان المتعنتين بالصمم"، هكذا علق الناشط السوداني خلف الفاتح على استجابة السودانيين لدعوات التصعيد بالأمس.

الفاتح لـ"نون بوست" أشار إلى أن معظم القطاعات التي شاركت في الإضراب قطاعات حيوية يستحيل سير الحياة العامة في الشارع السوداني دونها، فالمصارف والمطارات وشركات التغذية والصيدليات وبعض المستشفيات وعشرات النقابات، كل هذا شارك بنسب كبيرة، ما أثار قلق وحفيظة المجلس العسكري بصورة واضحة.

وأضاف أن الساعات الأولى من صباح اليوم شهدت مشاركة فاقت ما حدث بالأمس، حيث انضمت بعض القطاعات الجديدة على رأسها القضاء وغيرها، لافتًا إلى أن الهدف من الإضراب ليس تعطيل مصالح المواطنين قدر ما هي رسالة نود إيصالها للمجلس العسكري بأن الاستقواء بالخارج لن يثني الثوار عن مطالبهم والكلمة العليا للشارع والميدان.

يتفق معه في الرأي جعفر حسن عثمان، القيادي في "قوى إعلان الحرية والتغيير"، والمتحدث باسم "التجمع الاتحادي" المعارض، الذي قال في تصريحات له: "مشاركة السودانيين الواسعة في الإضراب تضع رسالة في بريد المجلس العسكري عن حجم التأييد الذي تحظى به قوى الحرية والتغيير من مكونات الشعب السوداني الذي أسمع مطالبه بشأن نقل السلطة للمدنيين بوضوحٍ لا مراء فيه".

مشاركة واسعة لموظفي مطار الخرطوم في الإضراب

عثمان استنكر اتهامات العسكري بعرقلة هذه الخطوة للمسار التفاوضي، مشددًا على "أن الإضراب إنما هو وسيلة مدنية ديمقراطية مشروعة للمطالبة بالحقوق، على عكس تصريحات قيادات المجلس المستفزة من شاكلة فصل المشاركين في الإضراب أو حملهم على العمل بالقوة"، بينما قال الأمين العام لحزب "المؤتمر السوداني" خالد عمر يوسف، إن نسبة مشاركة السودانيين في الإضراب العام الذي دعت إليه قوى الحرية والتغيير تخطت حاجز الـ90%.

وفي المقابل سعى أنصار المجلس العسكرى إلى التقليل من حجم المشاركة في الإضراب، وهو ما أشارت إليه الكاتبة أميرة ناصر الصحفية المصرية المتخصصة في الملف السوداني التي قالت: "تم توزيع منشورات من بعض التيارات الداعمة للمجلس الانتقالي تشكك في أعداد المشاركين في هذا التصعيد".

ناصر لـ"نون بوست" أكدت أن لجوء العسكر لهذه الحيلة بجانب استدعاء بعض النقابيين للحديث عن سير العمل بشكل طبيعي داخل عدد من النقابات يعكس حالة القلق التي تخيم عليهم جراء المشاركة الكبيرة في الإضراب، لافتة إلى أن بعض قيادات العسكري كانت تراودها فكرة تفتيت لحمة الوحدة الثورية في ظل طول مدة الاعتصام ومحاولة تقسيم كتلة المعارضة عبر استمالة بعض التيارات، إلا أن الاستجابة غير المتوقعة لدعوات الإضراب ربما تدفعهم إلى إعادة النظر فيما يتبنوه من معتقدات عززتها بصورة كبيرة وعود الدعم المقدمة من الرياض وأبو ظبي على وجه التحديد.

وعلى الأرجح يبدو أن الأمور في السودان لن تهدأ على المستوى القريب في ظل تلويح المعارضة بمزيد من التصعيد إثر تعرض المعتصمين للاعتداء من قوات نظامية، إذ ربما يكون العصيان المدني الخطوة التالية، في الوقت الذي لا يزال المجلس العسكري يراهن فيه على الخارج لترسيخ أركانه في الحكم.