تتداخل مصالح إيران مع نفوذها من الموالين لها في العراق "القوى السياسية والميليشيات" مع بعضها البعض لدرجة قد لا تميز بينهما، مصالح إيران يقودها "الحرس الثوري" وشركاته وقياداته المتنفذين في إيران وخارجها، أما في العراق فتقودها الميليشيات والفاعل السياسي الشيعي الأقرب إلى إيران.

فمع تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية ووقف الاستثناءات من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، ومع انطلاق حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية ضمن "إستراتيجية خنق إيران" في 2 من مايو، أصبح العراق في وضع لا يُحسد عليه، فقد أصبح من الضروري الالتزام بها وإلا فإن مقصلة العقوبات الأمريكية قد تطاله، كما حذر جوي هود - سابقًا - القائم بالأعمال لبعثة الولايات المتحدة في العراق من عدم الالتزام بها، وقد ترفع الولايات المتحدة الدعم عن الأموال والاقتصاد العراقي والعملة "الدينار" مما سيؤدي إلى تراجع قيمته بشكل كبير وقد تجمد الأموال العراقية في أمريكا إذا كانت سياسة ترامب جادة في معاقبة بغداد على تلكؤها في تحديد موقفها من إيران.

القوى والميليشيات أصبحت تسبب للعراق "دولة وشعب" أزمة حقيقية وتخاطر بمستقبله من أجل دولة أخرى

إن الخطر الذي يواجهه العراق في الوقت الحاليّ أن إيران تعتبر أرض العراق ساحة التصعيد المناسبة مع واشنطن، فصانع القرار الإيراني ينظر إلى العراق من خلال منظوره للأمن القومي الإيراني وليس كونه بلدًا ودولة جارة يجب احترامها، وكلما ازدادت قوة العراق وزاد اعتماده على ذاته ستشعر إيران بالخطر، لذا ستعمل هي وميليشياتها على إبقائه ضعيفًا هزيلاً يعتمد على غيره للاستمرار.

كما أن نفوذ إيران في العراق يبدو ملكيًا أكثر من الملك ويهدد القوات الأمريكية أكثر من الحرس الثوري ودائمًا نسمع عبارات "سنقاتل كتف إلى كتف" مع إيران ضد القوات الأمريكية أو "نحن في خندق واحد مع إيران" أو تقام مهرجانات للاحتفاء بالحرس الثوري والتنديد بالقوات الأمريكية يحمل عنوان "دمنا واحد" للدلالة على وحدة المصالح والأهداف والمصير المشترك وتقديم مصالح إيران على مصالح العراق والاستعداد للقتال بالنيابة عن إيران إذا تطلب الأمر.

هم يعطلون البديل الخليجي عن الغاز والكهرباء الإيرانية ويرهنون العراق واقتصاده إلى إيران، كما حاولوا مرارًا تعطيل المفاوضات بين العراق وشركتي "سيمنز وجنرال إلكتريك"

هذه القوى والميليشيات أصبحت تسبب للعراق "دولة وشعب" أزمة حقيقية وتخاطر بمستقبله من أجل دولة أخرى، كما تسبب للحكومة العراقية الحرج الكبير أمام حلفائها الغربيين والمنظمات الدولية خاصة بعد إعادة العلاقات مع دول الجوار وسياسة الانفتاح مع العراق، فهم يتحدثون باسمه في بعض المناسبات ويؤثرون على خيارات الحكومة العراقية الضعيفة ويضعون أمامها العوائق والعراقيل ومنعها من اتخاذ موقف واضح من العقوبات على إيران؟

فهم يضغطون لحث الحكومة على خرق العقوبات الأمريكية ويمنعون إيجاد أي بدائل عربية أو غربية، ويعطلون البديل الخليجي عن الغاز والكهرباء الإيرانية ويرهنون العراق واقتصاده إلى إيران، كما حاولوا مرارًا تعطيل المفاوضات بين العراق وشركتي "سيمنز وجنرال إلكتريك" لاستثمار الغاز العراقي وإيجاد حل وطني لأزمة الطاقة.

الولايات المتحدة تسعى لضرب أدوات إيران التي تساهم بها في الالتفاف على العقوبات وتصدير الثورة ودعم الإرهاب "الحرس الثوري" ووكيله في العراق "الحشد الشعبي"

إلى الآن لا تملك الحكومة العراقية القدرة على اتخاذ قرار وموقف بعيد عن إيران أو امتلاك أي تصور واضح عما يمكن القيام به سوى انتظار العقوبات الأمريكية التي تتهددها مع عقوبات محتملة على ميليشيات وقيادات تتعامل مع الحرس الثوري الإيراني.

أخيرًا، الولايات المتحدة تسعى لضرب أداوات إيران التي تساهم بها في الالتفاف على العقوبات وتصدير الثورة ودعم الإرهاب "الحرس الثوري" ووكيله في العراق "الحشد الشعبي" الذي لا يجد الكثير من المراقبين فروقًا بينهما، بل إن التماهي العسكري والسياسي والاقتصادي بينهما وصل لمرحلة خطيرة قد تدفع واشنطن لإدراجه ضمن قوائم الإرهاب مع الحرس الثوري وهو ما قد يؤدي إلى حالة صراع عراقي عراقي قد يفتك بالعملية السياسية برمتها.