دخلت تونس المسافة الأخيرة الفاصلة قبل صندوق الاقتراع في أكتوبر 2019، ولكن عوض الاستفادة من خيبة ما سبق نلاحظ أن مسار التفكك السياسي للنخبة السياسية ما زال متواصلاً بما يجعل قراءة المستقبل السياسي ووجه البرلمان القادم مجهولاً، وجهلنا بوجه البرلمان القادم يجعل صورة الحكومة القادمة بدورها غائمة.

آخر حوادث التفكك هو انفجار الجبهة اليسارية إلى شظايا غير قابلة للتجمع ثانية في كتلة سياسية وازنة، لماذا تفككت الجبهة؟ وهل سيكون تفككها الحادث الأخير في مسار تلاشي اليسار التونسي بعد الثورة؟

لماذا انفجرت الجبهة الشعبية؟

لغير العارفين بالساحة السياسية من الداخل نذكر أن الجبهة الشعبية هي تآلف أحزاب يسارية وأحزاب قومية عربية بعثية بالأساس ويساريين مستقلين رفضوا الانخراط في الأحزاب ولكنهم لم يتخلوا عن يساريتهم، ويعتبر حزب العمال الشيوعي وحزب الوطد الموحد (حركة الوطنيين الديمقراطيين) أهم مكوناتها.

تآلفت هذه المكونات على قاعدة معاداة الإسلاميين بالدرجة الأولى، وكانوا قبل الثورة شتاتًا متصارعًا، فلما ظهر الخطر الإسلامي أمامهم وخاصة بعد انتخابات 2011 وجدوا أنفسهم في نفس الموقع السياسي الضدي، وأفلح التآلف اليساري في إدخال نواب لبرلمان 2014 وشكل كتلة معارضة ترأست لجنة المالية بالبرلمان المسندة بمقتضي الدستور لمن يشغل مقعد المعارضة، ولكن عملها البرلماني لم يغير شيئًا من مسار التوجه نحو ليبرالية منفلتة قادها حزب النداء مسنودًا بكتلة حركة النهضة الحائرة بلا بدائل.

لكن الإجماع الحقيقي لهذه المكونات كان الإلحاح على قضية الاغتيالات السياسية (فزعيما تيارين مهمين من تيارات الجبهة اغتيلا زمن حكم الترويكا (الذي يعتبر عندهم حكم حزب النهضة فقط)، وقضت الجبهة الفترة الفاصلة بين 2013 إلى 2019 تطرح السؤال من قتل شكري، وكانت آخر حركات المطالبة هي محاولة إقامة دعوى بحل حزب النهضة باعتباره حزبًا يملك جهازًا سريًا إرهابيًا موازيًا ينفذ الاغتيالات، وكان الرئيس الباجي هو محرك هذه الدعوى بعد أن تخلت عنه حركة النهضة ومالت إلى الحفاظ على الاستقرار الحكومي مع يوسف الشاهد ضد طموحات الرئيس وابنه.

وجب إذن الاستعداد للانتخابات بملف آخر وبمعطيات أخرى وهنا ترسخ الاختلاف بين مكوني الجبهة الأساسيين (الوطد والعمال)

لكن الدعوى سقطت فجأة ودخلت في النسيان بمجرد ظهور محامي المتهم مصطفى خضر (وهو عنصر من النهضة مسجون في قضايا أخرى زمن الاغتيالات)، قدم المحامي ما يفيد زيف الحجج المعتمدة في الدعوى فسكتت الجبهة وسكت الرئيس الباجي كأنه اكتشف أنه كان مخدوعًا في الملف وأنه كان ضحية معطيات مزيفة، سقوط الملف جعل مكونات الجبهة تقف في مواجهة بعضها، لا قبل لهم بحزب النهضة وهذه الطريق لا توصل لأي مغنم سياسي.

وجب إذن الاستعداد للانتخابات بملف آخر وبمعطيات أخرى وهنا ترسخ الاختلاف بين مكوني الجبهة الأساسيين (الوطد والعمال)، وظاهر الأمر الترشح للرئاسية وباطنه ترؤس قائمات البرلمان.

معركة الرئاسة ومعركة البرلمان

استبق النائب منجي الرحوي (نائب عن الجبهة/وطد) بإعلان ترشيح نفسه عن الجبهة للانتخابات الرئاسية فأغضب ذلك عديله في الجبهة حمة الهمامي الزعيم الأزلي لحزب العمال فتعرى للناس الخلاف المعلوم المكتوم في الجبهة بين الحزبين. كانت حجة الرحوي أن حمة ترشح سنة 2014 وخسر ولا داعي للإعادة، وفهم حمة ذلك على أنه صراع على زعامة الجبهة أكثر مما هو تنافس على المنصب الذي يعرف أنه لن يفوز به. همد الخلاف لمدة من الزمن لا لأنه حل بل لأن الإعلام الذي يسيطر اليسار على قسم كبير منه صرف الناس عنه إلى قضايا أخرى.

فلما وصلت الجبهة إلى مرحلة إعداد قائمات الترشح للمجلس النيابي انفجر الخلاف من جديد وتبين أن حزب الوطد يرغب في السيطرة على رئاسة القوائم بما يؤهل عناصره للفوز بالمقاعد. في ظل قانون انتخابي بأكبر البقايا وحصلت الفرقة أو الطلاق بين مكونات الجبهة.

انتظر الناس أن تتطور هذه المكونات مع تطور العملية السياسية في ظل حريات إعلامية وتنظيمية بلا سقوف، ولكن حتى اللحظة حصل العكس بما كشف عجزًا بنيويًا عن التطور

من الواضح أن مالك الكتلة البرلمانية المحتملة سيجعل موقعه أقوى داخل الجبهة يوجه سياساتها داخل المشهد السياسي التونسي، ويقضى بالتدريج على شريكه فيها، وهذا ما يرفضه حزب العمال وحمة، والمشهد الآن أن الجبهة لن ترشح مجتمعة بما يضعف حظوظ جميع أطرافها ويحتمل أن لا توصل عددًا مماثلاً من النواب للبرلمان القادم مما يدفعها إلى زاوية سياسية ضيقة لا تحظى فيها حتى بمقعد المعارضة (لجنة المالية).

صراع من ضمن صراعات أخرى قاعدتها التشتت

في المشهد السياسي التونسي تعتبر الجبهة ومكونتها اليسارية عنصرًا قديمًا وثابتًا مثلها مثل تيار القوميين والتيار الإسلامي وأحزاب المنظومة التي تتغير تسمياتها ولا تغير طبيعتها، ولكن في هذا المشهد لم يتطور أي مكون نحو موقع أول فاعل بشكل مطلق، بل غلب التشتت والتشرذم على الجميع، بينما تراجع حزب النهضة عن موقعه في 2011 وإن لم يتشتت إلا قليلاً.

انتظر الناس أن تتطور هذه المكونات مع تطور العملية السياسية في ظل حريات إعلامية وتنظيمية بلا سقوف، ولكن حتى اللحظة حصل العكس بما كشف عجزًا بنيويًا عن التطور، هذا العجز في التفكير والتخطيط والمراجعات التي تبدأ عادة بمراجعة أسباب الفشل وتجاوزها، هذه المراجعات لم تحصل في هذه الكتل لذلك نراها تنتهي إلى شظايا أحزاب بلا أفكار ولا قدرات، فهل هو مصير طبيعي؟

نعم هو ذاك كأنه قانون طبيعي فمن لا ينقد نفسه لا يتطور، والمرابطة عند أطروحة سياسية عمرها أكثر من قرن وإعادة إنتاجها في كل خطاب هو إيذان بنهاية وإيذان بتبدل أحوال وحلول الجديد محل القديم، نحن نشهد نهاية مرحلة بنهاية مكوناتها وإن كابر الكثيرون في الاعتراف بنهايته (من هذه الزاوية وحدها يمكن التفاؤل بفعل الثورة في ترتيب المشهد السياسي التونسي). هل هو أفق مفتوح؟

البديل لم يجهز بعد

إذا كان موت القديم إيذانًا بتبدل الأحوال فإن القديم يموت أمام أعيننا ونراه لا يملك مقومات الاستدراك ولكن الجديد لم يجهز إلا قليلاً، أو هو أمل نضخمه لكي لا نرى موت السياسة في بلادنا، فكأننا ندغدغ أنفسنا لنضحك بالقوة بعد أن حولت النخبة أمل التونسيين بالتغيير إلى سراب.

قد لا يكون برلمان 2019 مختلفًا عما سبقه ولكن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون مرحلة نفض اليد من القديم ودخول مرحلة قفراء يكون بعدها مشهد جديد بوجوه جديدة، فمن أين ستأتي هذه الوجوه؟

نرى مكونات متقاربة في الطرح السياسي ولكنها تعمل كذئاب منفردة، من هذه المكونات حركة الأمل حول شخص النائب المستقل ياسين العياري وائتلاف الكرامة الساعي إلى استدراك من خاب ظنه في حزب النهضة (وهو تقريبًا يجمع من هوامشها الأقرب إلى السلفية) بينما تغرد جماعة (تونس أخرى) وحدهم محاولين إعادة إنتاج كتلة أنصار الرئيس المرزوقي. ليس بين هؤلاء خلاف كبير فجميعهم مثلاً يضع برنامج مقاومة الفساد على سلم أولوياته، ولكنهم يتقدمون منفردين ويجدون حرجًا في الاقتراب العلني من المكون السلفي الذي خاب ظنه في حزب النهضة.

ظهر تكتل غريب باسم الاتحاد الوطني للمستقلين لكنه اختفى من الأخبار إلا تسريبات عن صراعات على رئاسة القائمات الانتخابية نعتقد أنها ستعصف به، فقد تآلف على مطمع واضح وقصير النفس (الجميع هنا ضحية القانون الانتخابي القائم على الفوز بأكبر البقايا).

بحيث يتأهل المشهد القادم ليكون أمامنا حزب النهضة الذي لم يسقط من الموقع الأول في الاستطلاعات وإن بنسبة أقل من 2014 وطبعًا أقل بكثير من 2011، وأحزاب المنظومة القديمة المشتتة في الظاهر والقادرة في اللحظة الأخيرة على تكوين حلف برلماني يقسم مع النهضة أو يضعها في المرتبة الثانية على الأقل في مرحلة تشكيل حكومة قبل أن يتشتت داخل البرلمان ويعيد إنتاج حكومات مماثلة لحكومة الشاهد أي حكومة تحكم بسند النهضة أكثر مما تستند إلى نوابها المدربين على الهجرة البرلمانية، مشهد يدفع إلى فقد الأمل من تجدد النخب وتجديد العمل السياسي وبناء حكومة قوية تنهض بصعوبات المرحلة.

إن تشتت الجبهة علامة على تشتت أشمل وأعمق في جميع مكونات الطبقة السياسية القديمة، فقبل الجبهة تلاشى حزب الشابي وذاب الحزب الشيوعي واضمحل حزب التكتل وتشظى حزب المؤتمر وهو ما يؤذن رغم كل الإحباط بنهاية وبداية. طبقًا لقانون طبيعي تأبى فيه الطبيعة الفراغ، قد لا يكون برلمان 2019 مختلفًا عما سبقه ولكن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون مرحلة نفض اليد من القديم ودخول مرحلة قفراء يكون بعدها مشهد جديد بوجوه جديدة، فمن أين ستأتي هذه الوجوه؟ لم يعقم رحم البلد وهذه سنة أخرى سيكون لها أثر.