ترجمة حفصة جودة

بدأت القوات السودانية المسلحة يوم السبت بشن هجوم على المنطقة الواقعة بجوار النيل في الخرطوم والمعروفة باسم كولومبيا، وهو حي معروف بتوجهه المتحرر تجاه الكحول والمخدرات ويقع بالقرب من اعتصام المدينة.

قال شهود عيان إن الجيش وقوات الدعم السريع والشرطة حاصروا المنطقة من جميع الجهات وتم سماع صوت نيران ثقيلة بالقرب من المنطقة، أصبح الحي الذي يسميه المتظاهرون والمواطنون العاديون "كولومبيا" مثيرًا للجدل في الأسابيع الأخيرة بعد أن وصفه المجلس الانتقالي العسكري الحاكم بأنه "ملاذ خارج عن القانون".

دعا تجمع المهنيين السودانيين - وهو المنظمة التي تجمع الجماعات المعارضة والمحتجين - إلى تراجع المتظاهرين عن تلك المنطقة تجنبًا لأي احتكاك مع الجيش، جاءت تلك الحملة بعد يومين من تحذير المجلس الانتقالي العسكري بأنه سيتخذ أي إجراءات قانونية مناسبة لوقف أي أعمال خطيرة تضر بأمن البلاد أو الثورة التي أطاحت بعمر البشير.

كان البشير قد تنحى عن الحكم الذي طال لمدة 30 عامًا بعد عدة أسابيع من الاحتجاجات، ومنذ ذلك الحين يرفض المتظاهرون مغادرة مقر القيادة العامة في الخرطوم - المجاور لحي كولومبيا - حتى يتم تسليم السلطة للمدنيين.

هجوم دموي

يقول حمد محمد - 30 عامًا، شاهد عيان - إن كولومبيا والشوارع المتفرعة من شارع النيل كانت محتلة جميعًا من القوات الحكومية التي فتحت النار على المتظاهرين، وقال إنه رأى الضحايا يتساقطون على الأرض لكنه لا يعتقد أن الإصابات كانت خطيرة.

وفي وقت لاحق أعنت وكالة فرانس برس مقتل شخص وإصابة 10 بجروح، وقالت اللجنة المركزية لأطباء السوادن في بيان لها: "بعد أن فتحت القوات النظامية النار كانت هناك إصابات في شارع النيل القريب من موقع الاعتصام"، ولم تحدد اللجنة نوع القوات التي قامت بذلك ولم تعلن هوية الجرحى والقتلى.

قوات النظام تطلق الرصاص الحي في شارع النيل على أطراف الاعتصام

تقول الشاهدة أسما أحمد - 24 عامًا - إن الحملة العسكرية كبيرة وتعتقد أن حى كولومبيا ليس الهدف الوحيد، وتضيف: "يشير عدد القوات والاستخدام الشديد للعنف بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي وضرب المتظاهرين إلى أن هذه القوات لا تهدف فقط إلى تفكيك الحي، لكنها تحاول فض الاعتصام بأكمله تدريجيًا".

تحدثت وكالة الأنباء السعودية عن تلك الشكوك أيضًا حيث قالت في بيان لها: "وفقًا لأحداث اليومين الماضيين التي فقدت فيها الثورة السودانية 3 شهداء، يظهر المجلس العسكري الانتقالي إشارات واضحة إلى عزمه فض الاعتصام بالقوة، ونحن نحمل المجلس المسؤولية الكاملة عن جرائم الأيام الماضية ونحذر من مخاطر أي تصعيد عسكري آخر أو محاولات لفض الاعتصام".

يحكم المجلس الانتقالي العسكري السودان منذ تنحي البشير لكنه في مفاوضات مع الأحزاب المدنية بشأن تشكيل الهيئة التي ستتولى الحكم بعد ذلك، يصرّ قادة الاعتصام والمعارضون السياسيون على أن تكون الإدارة القادمة مدنية بالكامل، بينما يسعى الجيش إلى أن يكون له دور بارز في ذلك.

يوم السبت ألقت وكالة الأنباء السعودية باللوم على المجلس العسكري الانتقالي بشأن تصاعد التوتر في شوارع الخرطوم، ومطلبه بأن تكون الإدارة القادمة ذات تشكيلة عسكرية.

مخدرات وكحول

يقع حي كولوبيا بجوار شارع النيل الواقع بمحاذاة نهر النيل، وهناك يقوم الشباب والجنود السودانيون بشرب الكحول وتدخين الحشيش، وعلى امتداد كيلومتر يوجد عشرات من بائعي الكحول وتجار المخدرات خاصة في المساء.

يقع الحي بالقرب من مقر الاعتصام لكنه منفصل عن المظاهرات، ويعتبر خارج سيطرة المجلس العسكري الانتقالي وجماعات المعارضة، وكلامها ينكران مسؤوليتهما عما يحدث هناك.

يقول شهود عيان إن المنطقة بأكملها خارج نطاق القانون ومن الممكن سماع أصوات نيران البنادق طول الليل، يقول أحد الشهود: "عادة ما يطلق الجنود المخمورون والمنتشون من قوات الدعم السريع والجيش الوطني النيران في الهواء احتفالًا، كما عبر المتظاهرون عن سعادتهم بعلاقتهم بالجنود".

المتظاهرون السودانيون يبنون الحواجز في الشوارع القريبة من حي كولومبيا

ويقول شاهد آخر: "لقد أصبح بيع وشراء المخدرات والكحول طبيعيًا في المنطقة ويبدو أن الجنود والشباب على توافق حتى إن بعض الجنود يحمون تجار المخدرات"، كان القانون السوداني الذي يحظر المخدرات والكحول قد أصبح معلقًا بعد تنحي البشير وانسحاب الشرطة من شوارع الخرطوم.

يقول المحلل السياسي السوداني الطاهر ساتي إن حي كولومبيا مشهور بسمعته السيئة من قبل الثورة، لكن في الأسابيع الأخيرة أصبح الناس واثقين بشكل كبير أن السلطات توقفت عن مراقبة المنطقة، كما أن ملابس النساء أصبحت أقل احتشامًا في الحي.

يضيف ساتي: "يعد الحي ظاهرة طبيعية يمكن أن تحدث في أي مكان يضم ملايين الناس خاصة بعد 30 عامًا من القمع والقوانين التي تقيد الشباب"، ويقول الناشط سعد محمد إن الحي أصبح سوقًا مفتوحة لتجار المخدرات الذين يأتون من كل مكان ليتمكنوا من البيع بشكل أكثر انفتاحًا في الحي، لذا لا بد من إيجاد حل مختلف لمسألة انعدام القانون في كولومبيا.

وأضاف محمد: "استخدام العنف ليس حلًا لتلك المشكلة، فما زال المجلس العسكري الانتقالي مسؤولًا عن حماية المتظاهرين والمواطنين في المنطقة المحيطة بالاعتصام، كما أن المعارضة تتحمل مسؤولية أخلاقية عن المنطقة".

خارجون عن القانون أم ثوار؟

يختلف المتظاهرون في مقر الاعتصام بشأن الحي، فبعضهم يرى أنه امتداد طبيعي للاعتصام ويجب حمايته مثل أي جزء آخر في الاعتصام، أما الآخرون فيعتقدون أن الناس هناك مثيرين للشغب ويعيقون المتظاهرين عن مواجهتهم للمجلس الانتقالي العسكري.

يقول المتظاهر الأمين أحمد إن توجه الشباب في كولومبيا مرفوض ويقدم مبررًا لأعداء الثورة، ويضيف: "لا أرى أي فائدة للثورة من هذا التوجه، فهو لا يندرج حتى تحت الحرية الشخصية، إنه يقدم مساحة فقط للمجلس الانتقالي العسكري لقمع المدنيين".

لكن سمر علي تعتقد أن إعلان الحرية والتغيير الذي اتفقت عليه الجماعات المعارضة يجب أن يقف بجوار الناس في كولومبيا، فهم مواطنون يمارسون حقوقهم الطبيعية ومنغلقين على أنفسهم ولم يسببوا الأذى لأي أحد.

وتضيف: "لا يمكننا تركهم وحدهم في مواجهة نيران المجلس العسكري الانتقالي، فهذا ليس توجهًا أخلاقيًا أو ثوريًا، هؤلاء الناس في كولومبيا جزء منا، ورغم أنهم من المناطق الشعبية والمحرومة في ضواحي الخرطوم وبلا تعليم أو خدمات، فهذا لا يعني أنهم ليسوا جزءًا من الثورة".

المصدر: ميدل إيست آي