خلفت الحروب والنزاعات الداخلية خسائر مادية وبشرية لا حصر لها، ومن أكثرها مأساويةً وبؤسًا الأطفال الذين أصبحوا يتامى ولم يعد لهم سوى الملاجئ وبيوت الرعاية الأهلية حين فقدوا ذويهم الذين تعرضوا لأخطار الهجمات، وبما أن هذه المسألة لا تقع فقط على عاتق الدولة ومؤسساتها، وإنما تعد أيضًا جزءًا من المسؤولية الاجتماعية، سعت العديد من جمعيات حقوق الطفل المدنية لتسهيل إجراءات التبني في العالم العربي.

وما بين الأعراف الاجتماعية والقوانين المعقدة، يبقى هذا الخيار معلقًا وغير واضح المعالم، حيث يُترك مئات الآلاف من الأطفال اليتامى في مواجهة أزمة النزوح واللجوء والترحيل وحدهم، ولكي نتعرف على أعدادهم وأماكن وجودهم والمعوقات التي تقف أمام خطة تبنيهم ومنحهم حياة أكثر استقرارًا، نتناول في هذا المقال أبرز ملامح هذه المسألة.

ملايين اليتامى يبحثون عن الاحتواء

بحسب هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات، يبلغ عدد الأيتام في العالم نحو 165 مليون يتيم، معظمهم فقدوا عائلاتهم بسبب الحروب والمجاعات والفقر والكوارث الطبيعية وفي أثناء هروبهم من تهديدات القصف والألغام الأرضية، وفي نفس السياق، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" أن في كل يوم يتحول نحو 10 آلاف طفل إلى أيتام بسبب الحروب والصراعات والمجاعات.

أشارت اليونيسف إلى نزوح نحو 8 آلاف طفل، وحيدين من دون مرافق من أسرهم، من أصل مليون طفل هربوا إلى دول الجوار

وأوضحت أن 5 ملايين منهم في العراق ومليونين في أفغانستان ومليون في سوريا، وذلك ما يؤكدة تقرير آخر لمركز البحوث العلمية والدراسات الحديثة، حين ذكر أن "آلاف الأطفال فقدوا حياتهم وأطرافهم وأشقائهم وشقيقاتهم وأصدقائهم ومن يقدمون لهم الرعاية ومنازلهم واستقرارهم، إلى جانب كل أوجه طفولتهم بالفعل"، وتحديدًا أطفال سوريا الموزعين على المحافظات السورية ودول اللجوء.

كما يضيف رئيس قسم الإعلام في اتحاد منظمات المجتمع المدني السوري، أن عدد الأيتام السوريين المسجلين في دور الرعاية يبلغ 475 ألف يتيم، فيما أشارت اليونيسف إلى نزوح نحو 8 آلاف طفل، وحيدين من دون مرافق من أسرهم، من أصل مليون طفل هربوا إلى دول الجوار، ولا شك أن هذه الأزمة لا تنطبق فقط على الأزمة السورية وإنما تشمل دول عربية أخرى مثل فلسطين واليمن والعراق ولبنان الذي شهد أهله حرب أهلية ضارية.

ونتيجة لهذه الأوضاع، تبذل الجمعيات الحقوقية والخيرية جهودًا هائلة لاستيعاب هذه المسؤولية وتحملها بكل ما أوتيت من قوة وقدرة حتى لا ينتهي الأمر بهؤلاء اليتامى بين قتيل ومشرد ومتسرب من مقاعد الدراسة، ومن أجل ألا يقعوا ضحية لعصابات العمالة والاتجار بالبشر وغيرها من السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تنتهك حقوقهم وتفسد مستقبلهم، تجنبًا لذلك، تبحث هذه الجمعيات عن الدعم المادي المتمثل بالكفالات والتبرعات، ومن جهة أخرى تبحث عن أسر بديلة لتبني هؤلاء الأطفال وغيرهم مثل مجهولي النسب.

الأسر الحاضنة.. ملجأ الأيتام الأخير

بعدما انتهت معركة تحرير الموصل ضد تنظيم داعش الإرهابي، لاحظت السلطات المحلية تضاعف كبير في عدد الأطفال اليتامى، فوصل عددهم إلى أكثر من ألف و800 طفل، وبالتالي توجهت نحو الدعوة لكفالة وتبني هؤلاء الضحايا. جدير بالذكر أن القانون العراقي يمنع التبنى ويسمح بالكفالة فقط، بحيث يبقى الطفل على اسم أهله ولا ينقل على اسم الأسرة الحاضنة، كما لا تتوجه العوائل التي حرمت من الإنجاب إلى هذا الخيار فحسب، بل تقبل عليه الأرامل أيضًا بشكل ملحوظ، كمحاولة لتعويض الفقد الذي يشعرن به وتفهمًا لقساوة هذه التجربة وانعكاساتها.

يضاف إلى ذلك أن "القانون العراقي ذكر الضم بدل التبني حفاظًا على نفسية الطفل وشروط الضم هي: تقديم طلب من زوجين عراقيين سليمين عقليًا وخاليين من الأمراض المعدية، مع تقديم ما يؤيد حسن السيرة والسلوك، وأن تكون للطفل حصة لا تتجاوز ثلث التركة، ولم يرزقا بطفل، ومر على زواجهما فترة لا تقل عن خمس سنوات"، كما يطلق عليهم اسم "كريمي النسب" في حال كانوا مجهولي النسب وحديثي الولادة، بحسب المحامي عماد البدري.

يقدر عدد الأطفال المتبنيين عقب الحرب الأهلية في لبنان نحو 10 آلاف شخص

ومن بين الدول التي تطبق إجراءات التبني بكل سلاسة، رغم جميع النظرات الدونية والتخوفات الاجتماعية من هؤلاء الأطفال، لا سيما مجهولي النسب الذين تركوا في الخلاء دون أن يتعرض ذويهم لضغوط الحروب، كانت تونس أول دولة عربية تشرع التبني وتطبقه منذ عام 1958 وذلك ضمن شروط واضحة لا غبار عليها وأبرزها المادة 14 التي تسمح للمتبنى أن يبدل اسمه ويحمل اسم العائلة الحاضنة.

أما في لبنان، فتقدر جميعة "بدائل" عدد الأطفال المتبنيين عقب الحرب نحو 10 آلاف شخص، إذ كانت إجراءات التبني خلال الحرب فوضوية وخالية من الشروط القانونية، فكان يتم بعضها من خلال مقابل مادي واستخدام وثائق مزورة، وهو ما يتم حدوثه حاليًّا أحيانًا، بحسب بعض التقارير، مع العلم أن التبني ليس مسموحًا للأطياف المسلمة ولذلك تستلزم الجمعية وجود عقد زواج كنسي لا غير، ولذلك تواجه الأسر المسلمة بعض الصعوبات في التبني.