لاحديث في سوق السيارات بالعالم، إلا عن الاندماج المرتقب بين شركة فيات كرايسلر الإيطالية الأمريكية، ورينو الفرنسية، في صفقة تهدف لإنشاء ثالث أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار، ما يمكنها من انتاج نحو 8.7 مليون سيارة سنوياً، ليقفز التحالف الجديد على مبيعات شركة جنرال موتورز، ويتخلف فقط عن فولكس واجن، وتويوتا، وقد يتميز عنهما في سباق انتاج السيارات الكهربائية، التي تسعى لها الأسواق العالمية، بأكبر طاقة دفع ممكنة. 

فيات كرايسلر تقدم عرض اندماج إلى مجلس إدارة رينو

 

عرض ودي والكلمة لـ«الأبواب المغلقة»

حتى الآن، تصر شركة «رينو» على أن العرض الضخم المقدم لها من كرايسلر «ودي» ولم ترتقى المحادثات إلى مستوى الاتفاق على الصفقة، كل ما في الأمر، أن الشركة الفرنسية تدرس الاقتراح باهتمام، خاصة أنه سيحسن بصمتها الصناعية، وسيعطيها قيمة إضافية تعزز من طلبها التحالف مع نيسان، التي تسعى للاندماج معها بشكل كامل، رغم إعاقة هذا المشروع من قبل، أثر توقيف كارلوس غصن، مديرها السابق المحتجز في اليابان حاليًا، بتهمة سوء السلوك المالي .

ورغم محاولة الشركة الفرنسية، إضافة نوع من السرية على ما يحدث في خط سير الصفقة، إلا أن سفر جان دومينيك سينارد، رئيس رينو المفاجئ، بصحبة تيري بولوري، العضو المنتدب، إلى اليابان لحضور اجتماع مجلس إدارة تحالف رينو نيسان ميتسوبيشي، واستغلالهما هذه الرحلة للقاء المدير العام لشركة نيسان، يكشف عن سعيهم الحثيث لإقناعه بالصفقة، ومزايا الدمج المقترح بينهما وبين كرايسلر. 

وتوفر الصفقة حال اتمامها، 5 مليارات يورو سنويًا، تكاليف تبادل البحوث وشراء قطع غيار مشتركة، وأنشطة أخرى، بجانب أن الاتفاق لن يتضمن إغلاق مصنع أي منهما، ولكن في الوقت نفسه ستصل رينو إلى حجم ضخم، يسمح لهما بتمويل الأبحاث التكنولوجية لإيجاد حلول لتعطل صناعة السيارات الكهربائية دون أي مشكلة، ومع كل هذه المميزات، لايتوقع بسهولة أن يكون رد «نيسان» إيجابيا وحاسما في الصفقة، التي قد تقضي عليها، ولاتصبح بعد الدمج كما كانت قبله، وربما أبلغ دليل على قوة الصفقة، الصورة التعبيرية لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، التي تخيلت «رينو» رجلا يستحوذ على ذراع صديقته «نيسان»، وأثناء سيرهما معًا يلمح فتاة أخرى أكثر إغراء وهي كرايسلر، فيتوقف أمامها، غير مهتم بمن تسير معه. 

 

وفيات وكرايسلر، واحدة من أقوى العلامات التجارية حاليا في أسواق الولايات المتحدة، وخاصة سيارات الدفع الرباعي، بينما رينو هي الأقوى في أوروبا، وصاحبة اليد الطولى في مجال تطوير السيارات الكهربائية، ولكن الشركتين حتى الآن، لديهم نقطة ضعف في السوق الصيني الكبير، الذي يعد أكبر سوق للسيارات في العالم.

وبعيدًا عن الشركات نفسها، ستجلب هذه الصفقة حال إتمامها فوائد كبرى لفرنسا، من جراء حجم التطور الكبير الذي شهدته كرايسلر، بعد إفلاسها قبل 10 سنوات، قبل أن تستحوذ عليها شركة فيات، مقابل مدها بتكنولوجيا السيارات الصغيرة، والخبرة الإدارية اللازمة، ما يؤكد قوة الصفقة، التي يرى محللون، أنه من الصعب الاختلاف مع معها أو رفضها.

فيات كرايسلر تقدّم فيلمها الوثائقي لخفايا عالم السيارات

 

ويبدو أن المستثمرون متحمسين لخطة فيات كرايسلر، مما دفع أسهم الشركة إلى الارتفاع بنسبة 8 ٪ ورينو بنسبة 12 ٪ منذ لحظة الإعلان عنها، ما دفع الحكومة الفرنسية، التي تمتلك 15٪ من رينو، إلى التصريح بإمكانية الدمج، باعتبارها نواة لتدشين شراكات عملاقة في أوروبا، ما يعيد للقارة العجوز سحرها الاقتصادي القديم، ولكن بعد دراسة الظروف بعناية أكبر، من حيث التنمية الصناعية لرينو، وظروف عمل الموظفين، وخاصة بعد تحذير نقابة CGT المؤثرة في فرنسا، من التخفيضات المتوقعة في العمالة، كرد فعل على عملية الدمج، فالموظفين في النهاية، هم الذين سيدفعون الثمن الباهظ للصفقة، من فقدان وظائفهم، إلى التنافس المميت على أنصاف الفرص مع الآخرين من حولهم.

على الجانب الأخر، تتخلص التهديدات بتعثر الصفقة المنتظرة، في عرقلة «نيسان»، شريكة رينو، التي تفضل ان تكون دائما حذرة ودفاعية، إذ قد تتخوف من تأثير التحالف الجديد على  تخفيض حصتها إلى 7.5٪ من رأس المال، وبالتالي تخفيض تأثيرها، على حساب فتح أفق التعاون مع الشريك الجديد لرينو، ما يخلق فرصا للصراع إذا لم تجرى مراجعات أساسية للعلاقة الحالية والمستقبلية بين نيسان ورينو.

سر التسارع في الاندماج بين شركات السيارات؟

تتعاون شركات صناعة السيارات بشكل لافت للنظر، وخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة، وباتت الفكرة ملحة مؤخرا، في ظل ضغوط كبيرة تتعرض لها، للاتجاه إلى الاستثمار في تطوير السيارات الكهربائية والسيارات ذاتية القيادة والاتصال داخل السيارة، بشرط تلبية لوائح التغير المناخي للدول، التي أصبحت تطبق بشكل أكثر صرامة، على شركات السيارات، بعد الكشف عن فضائح كبيرة، في كمية الملوثات المنبعثة من الغازات، ومحركات الديزل في شركة رينو، وهي ضمن جملة المشاكل القانونية المتهم بها كارلوس غصن، من جراء هذه السياسات.

ما مصير الاندماج بين رينو ونيسان وميتسوبيشي بعد توقيف كارلوس غصن؟

 

ويحلم قطاع السيارات دائما، بالضربات الكبيرة، وعمليات الدمج التي توفير مليارات الدولارات، من تكاليف التصنيع والجودة والأبحاث، وقبل الصفقة المنتظرة لرينو وفيات كرايسلر، عاش العالم في نوفمبر من العام الماضي، كواليس إلقاء القبض على كارلوس غصن، بسب الشكوك حول مستقبل التحالف بين رينو ونيسان وميتسوبيشي.

وفي أكتوبر من العام الماضي أيضا، كانت شركة فولكس واجن، تلمح إلى انفتاحها على تحالفات أعمق في السوق، وخاصة في قطاع التكنولوجيا الفائقة للسيارة ذاتية الحكم، وتحدثت علانية أنها تفكر في شركة «فورد» الشهيرة في هذه المشروع، وبالفعل جرى التحالف بين فورد وفولكس في المركبات التجارية، دون تبادل المشاركات، وكذلك أعلنت كل من مازدا وتويوتا عن افتتاح مشروع مشترك لمصنع في عام 2021.

العام قبل الماضي، كانت الصفقة الأضخم هي بيع شركة جنرال موتورز، علامتها التجارية الأوروبية Opel و Vauxhall إلى PSA مقابل 2.2 مليار يورو، لتتخلى عن أوروبا بعدما خسرت أموالها لسنوات عديدة، بينما يضمن الواقع الجديد خمس علامات تجارية تحت قيادات «PSA» .

كان الموعد الحقيقي لتوهج كارلوس غصن، الذي أشرف على عملية معقدة للتحالف بين شركة رينو - نيسان والمجموعة الألمانية، بحصص مشتركة تبلغ 3٪، وفي نفيس العام كانت مجموعة تشجيانغ جيلي

وفي منتصف 2016، كانت شركة نيسان نفسها، تستحوذ على شركة ميتسوبيشي، واشترت  34٪ من أسهمها، وسيطرت فعليًا على نظيرتها اليابانية، في صفقة قدرت بقيمة 2.2 مليار دولار، وفي نفس العام، سيطرت شركة تويوتا على منافستها اليابانية دايهاتسو، وتملكت فيها 51.2٪ مقابل 3 مليارات دولار.

حمى الدمج والشراكة جعل الدولة الفرنسية أيضا، تزيد حصتها في أبريل عام 2015، من شركة رينو، من 15٪ إلى 19.74٪، حتى تضمن الاستفادة من حقوق التصويت المزدوج، وهي العملية التي خطط لها إيمانويل ماكرون، الرئيس الحالي، ووزير الاقتصاد آنذاك، ما تسبب في أزمة أنذاك مع الجانب الياباني، بسبب زيادة تأثير رينو وفرنسا، على نيسان والتحالف، وفي نفس العام أيضا، كانت شركة فيات، تعلن سيطرتها على كرايسلر، بـ 41.46٪ من الأسهم، مقابل 4.35 مليار دولار.

أما عام 2010، فكان الموعد الحقيقي لتوهج كارلوس غصن، الذي أشرف على عملية معقدة للتحالف بين شركة رينو - نيسان والمجموعة الألمانية، بحصص مشتركة تبلغ 3٪، وفي نفيس العام كانت مجموعة تشجيانغ جيلي، القابضة الصينية، تستحوذ على سيارات فولفو من فورد مقابل 1.8 مليار دولار، ما يؤكد أن عمليات الدمج الحصان الرابح دائما لكوكب السيارات في الانطلاق إلى أفاق أبعد، في المنافسة على التهام كعكة السوق.