عادةً ما تنحصر الأحاديث المهمة التي يشاركها الآباء مع أبنائهم في مواضيع الدين والتعليم، ونادرًا ما يدور الحديث عن المسؤولية المالية وقيمة المال، رغم أنها أحد أهم الجوانب في حياتهم المستقبلية لا سيما أننا أصبحنا نعيش في مجتمعات ذات نزعة استهلاكية شرهة وتعاني في الوقت ذاته من اضطرابات وأزمات اقتصادية متتالية.

ولا شك أن الطفل حين يرى المال بين يدي والديه لا يدرك أنهم غالبًا بذلوا مجهودًا لكسب تلك النقود، وأن هذه الأموال مورد محدود لا يمكن هدره أو الاستخفاف بأهميته، ولذلك قدم الاقتصاديون مجموعة من المبادئ المالية الأساسية التي يمكن إلى حد ما أن تمنح أطفالنا حياة مادية خالية من العثرات المعوقة والسقطات التي تشمل تراكم الديون والإفلاس والبطالة والتبذير المفرط وغيرها بهدف ألا تتشكل علاقة مزعجة ومتعبة بينهم وبين المال.

أهم القواعد والإستراتيجيات المالية الأساسية وأهميتها في حياة الطفل

ذكر استطلاع الرأي السنوي التاسع لشركة T. Rowe أن أكثر من ثلثي الآباء في العالم يشعرون بالتردد في أثناء حديثهم مع أطفالهم عن المال، وكثير منهم يخوضون في تلك الأحاديث فقط عندما يسأل أبناؤهم عنها، إضافة إلى ذلك، كشف البحث نفسه أن الأهالي الذين يتحدثون مع أطفالهم مرة واحدة في الأسبوع عن المال أكثر ذكاءً من الناحية الاقتصادية مقارنةً مع غيرهم.

إذا عبر الطفل عن رغبته في اقتناء لعبة ما وأراد إنفاق كل ما يملكه على هذه السلعة، دعه يتخذ هذه الخطوة ويختبر بنفسه نتيجة تصرفاته، على أمل أن يعلمه هذا الخطأ أهمية التخطيط المالي والتقيد بميزانية محدودة وصعوبة الإفلاس

ونتيجة لذلك، يرى خبراء التربية أن هذه الأحاديث الأسبوعية والمهارات والعادات التي يكتسبها الطفل تدريجيًا، لا تفيده فقط على المستوى المادي، وإنما تزيد ثقته بنفسه وتمنحه شعورًا بالاستقلالية والثبات عند اتخاذه أي قرارات مستقبلية. بالجانب إلى ذلك، يشجع الاقتصاديون الأهالي على ترك أطفالهم يرتكبون الأخطاء المالية في سن مبكرة ويتحملون عواقب قراراتهم، لتتشكل لديهم صورة واضحة عن هذا العالم المتأرجح والمليء بالعثرات والمصاعب منذ الصغر.

على سبيل المثال، إذا عبر الطفل عن رغبته في اقتناء لعبة ما وأراد إنفاق كل ما يملكه على هذه السلعة، دعه يتخذ هذه الخطوة ويختبر بنفسه نتيجة تصرفاته، على أمل أن يعلمه هذا الخطأ أهمية التخطيط المالي والتقيد بميزانية محدودة وصعوبة الإفلاس، وشيئًا فشيئًا يصبح أكثر جدية وخبرة في أي قرارات مستقبلية، ومن أجل تنمية هذه المهارات لا بد من تعليمه المهارات التالية:

أولًا: اخبره أن الأشياء تكلف المال

يحتاج الأطفال في هذه المرحلة أن يفهموا أنه لا يوجد شيء في هذا العالم يأتي مجانًا، وأننا ندفع ثمنًا لكل شيء تقريبًا، ما يعني أنه ليس بحوزتنا مطبعة جاهزة لتوفير المال لنا لسد احتياجاتنا، وإنما نحظى بمبلغ معين كل شهر، وتبعًا لذلك فلا يمكننا شراء ما يحلو لنا في أي وقت، وعلينا دومًا أن نفكر في قرارات الإنفاق ومقارنتها مع مدى أهميتها بالنسبة لبقية خياراتنا والتزاماتنا ومسؤوليتنا المادية الأخرى.

ومن أجل تطبيق ذلك، حاول أن تُعرف طفلك بتكلفة وسعر الأشياء التي يشتريها أو يقتنيها مسبقًا عن طريق منحه دولارين مثلًا كمصروف أسبوعي وإذا أراد أن يشتري حقيبة أو سيارة، عليك أن تدعه يتحقق من سعر كل لعبة حتى يقارنه بما يملكه من المال ويرى إن كان بوسعه شراء تلك اللعبة أم لا.

ثانيًا: علمه قيمة الادخار

بعد تعليم الطفل المبدأ الأول، سوف يدرك تدريجيًا أنه بحاجة دومًا لامتلاك بعض النقود من أجل الحصول على ما يريد، وبالتالي يمكنك أن تستغل هذه الفرصة لتعلمه أيضًا أهمية توفير الأموال لبضعة أسابيع أخرى مثلًا، خاصةً أن الأطفال يحصلون دومًا على المال بمناسبة عيد ميلادهم أو نجاحهم في المدرسة، وجدير بالأهمية هنا أن نفهمهم أنهم ليسوا مضطرين لصرف تلك النقود ويمكنهم تأجيل عملية الإنفاق لشراء أشياء أكثر أهمية.

وهي واحدة من الدروس التي تعلم الطفل التحكم بذاته ورغباته الاستهلاكية وتنمي قدراته التفكيرية والنقدية من خلال طرح العديد من الأسئلة مثل: هل هو بحاجة لهذا الغرض؟ وهل يجب الحصول عليه الآن؟ وهل يمكنه شراءه لاحقًا؟ وهل هناك أغراض أكثر أهمية؟ وهل تتناسب تكلفة المنتج مع قدرته المالية؟

ثالثًا: اشرح له الحدود بين قدراته وقدراتك المالية

عند تعليم الأطفال عن المال، من الضروري وضع حدود واضحة بين المكان الذي تتوقف فيه مسؤوليتك المالية وتبدأ فيه دور أموالهم، والعكس صحيح. وهذا يعلم الطفل ضبط النفس والحذر عند الإنفاق وعدم الاتكال عليك بكل شاردة وواردة، وبالتالي يصبح الطفل أقل تهورًا في القرارات المالية وأكثر قدرةً على إدارة مشترياتهم وخطواتهم المالية، كما يتعلم الأطفال أيضًا حين يصبحوا في سن أكبر أخذ مكانهم في العالم كأعضاء فاعلين ومساهمين في الأسرة والمجتمع، دون الحاجة إلى الآخرين للاعتناء بهم.

رابعًا: علمه الاستثمار بأبسط الطرق

في هذا الجانب، من المهم أن يعرف الطفل أنه يمكنه دومًا زيادة ممتلكاته ومدخراته المالية، ولكن عليه أن يجتهد للوصول إلى هذه الزيادة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إعداد قائمة بالمهام التي عليه إنجازها في أوقات معينة مثل ترتيب مقتنياته وألعابه أو مذاكرة دروسه أو المساعدة في بعض الأعمال المنزلية، على الرغم من أن بعض الخبراء يعتقدون أنه لا ينبغي الربط بين المكافآت المادية والوظائف المنزلية، لأن على الأطفال أن يساعدوا في هذه الأمور على أساس أنهم جزء من العائلة وليس لأنهم يتلقون أجرًا مقابل القيام بها.

وإلى ذلك، يشكل الأطفال عاداتهم بناءً على ما نعرضه لهم، فهم يتأثرون ببيئتهم ويتعلمون من الأشياء التي يرونها بشكل منتظم ومتكرر وإذا سمحت لأطفالك أن يفهموا القواعد الأساسية لهذا العالم، فستنمو لديهم مهارات ويصبحون أكثر حكمة ومرونة في تعاملهم مع الأمور المالية وبالتالي يمكن ضمان استقرارهم المادي في المستقبل.