فضيحة رياضية مكتملة الأركان بتونس وإفريقيا، هذا أقرب توصيف معتدل يمكن إطلاقه على ما جرى بين فريقي الترجي الرياضي التونسي والوداد البيضاوي المغربي في نهائي أبطال إفريقيا، لكن هذه الفضيحة آخر الفضائح وليست أولها ولن تكون الأخيرة في سلسلة كاشفة لعمق الفساد المستشري في عالم الرياضة في إفريقيا وخاصة في لعبة كرة القدم. لن انشغل هنا بتفاصيل الفضيحة ولكن سأذهب وراء معنى ينكشف في كل فضيحة وهو أن الفساد الرياضي مسنود سياسيًا وكلاهما يخدم الآخر.

تمويل الرياضة بوابة فساد

في تونس يتم تمويل الجمعيات الرياضية بموارد خاصة منها الإشهار والاتجار باللاعبين (وهي تجارة في البشر تحت غلاف رياضي يجري بها الأمر في كل العالم) ولكن يمكن التبرع للجمعيات الرياضية من المؤسسات العمومية كنوع من الإشهار الاقتصادي والمؤسسات الخاصة كنوع من المساهمة المرخصة في تنشيط الرياضة والثقافة، وهي تراتيب انطلق العمل بها منذ نشأت الجمعيات الرياضية في الدولة الحديثة، وقد أعفت الدولة هذه التبرعات من قاعدة الضريبة كنوع من التحفيز، إلا أن الأمر استمر دون مراجعة، رغم أنه لم يشمل أبدًا أي تحفيز للثقافة كرديف للرياضة في القانون لا في الواقع.

دأب المتبرعون بدورهم إلى الانحياز لجمعيات وصارت التبرعات بوابة للدخول في طواقم التسيير الرياضي بما يشبه شراء الجمعيات من المؤسسات الاقتصادية أو رجال الأعمال، ورغم أن بعض الجمعيات اتخذت تقاليد انتخاب هيئات التسيير بعد الثورة، فإن أول من طبق ذلك (وهو النادي الإفريقي التونسي) أوصل بالانتخاب رجل أعمال فاسد اتخذ الجمعية وسيلة لتبييض الأموال مجهولة المصدر التي صيّرته رقمًا في السياسة والرياضة، فلما لم ينل بالجمعية وطرًا في السياسة ترك الجمعية مفلسة منهارة وهرب.

يتخاطب رجال الأعمال في السوق عبر الجمعيات الرياضية فكثير من الصفقات الفاسدة تبرم خلف كواليس الرياضة، وكثير منها يتم التفاوض عليه رياضيًا فتخسر جمعيات وتربح أخرى دون أن ينتبه الجمهور إلى أن وراء ذلك صفقات في عالم آخر (بمنطق فوز رياضي له كلفة سياسية مقابل صفقة مقاولات).

طرق تمويل الرياضة وخاصة كرة القدم (وهي اللعبة الأكثر جلبًا للشهرة والأضواء) فتحت الباب لفساد كبير بيضت بمقتضاه أموال كثيرة لا سبيل إلى حصرها ومراقبتها، فموازنات الجمعيات غير مراقبة من أي جهة حكومية ذات مصداقية

الرياضة الفاسدة والسياسة الفاسدة

طرق تمويل الرياضة وخاصة كرة القدم (وهي اللعبة الأكثر جلبًا للشهرة والأضواء) فتحت الباب لفساد كبير بيضت بمقتضاه أموال كثيرة لا سبيل لحصرها ومراقبتها، فموازنات الجمعيات غير مراقبة من أي جهة حكومية ذات مصداقية، فصارت اللعبة بذلك بؤرة فساد في التسيير منها انطلقت شخصيات كثيرة لتصبح نجوم سياسة أو جهات إسناد سياسي وترسخ التقليد في تونس بعد الثورة عبر تظاهر سياسيين بخدمة فرق رياضية من أجل كسب ود جماهيرها انتخابيًا، وآخر صور ذلك تظاهر يوسف الشاهد بالتعاطف مع فريق الترجي فيما سيسمى بمظلمة حرمانه من بطولة الأندية الإفريقية، إذ تم تحويل الأمر إلى تهمة بالخيانة، فمن لم يناصر الفريق المظلوم أو لم يروّج القول بالمظلمة التحكيمية صار خائنًا وجبت إقامة الحد عليه.

السياسة الفاسدة تعرف أن جماهير الفرق الكبيرة خزان انتخابي، لذلك يبدأ السياسي في مجاملة الجمهور ويغض الطرف عن تلاعب المسيرين وصفقات البيع والشراء بواسطة حكام فاسدين يقلبون النتائج وكانت علاقة بن علي بفريق الترجي مثالاً صارخًا على هذه الشراكة الإجرامية بين السياسي والمسير عبر الرياضة، فكانت حصيلة بطولات تونس في عهده وعهد صهره الفاسد كلها في سلة الترجي إلا ما منح كتغطية لصرف الأنظار عن الحيف الذي لاقته بقية الجمعيات ذات الجمهور الضعيف. من هذا الباب يعود المال الفاسد فينظر صاحب المال أين هوى الرئيس ليدفع حيث تصل أخبار تبرعه إلى الجهة العليا التي ترد غالبًا بصفقات فساد ورشاوى سياسية.

الفضيحة الكروية الأخيرة هي إذن حلقة من سلسلة فضائح تكمن أسبابها في هذه الدائرة الفاسدة التي يحكمها المال الفاسد والسياسي الفاسد والمسير المقامر

هل يمكن تحرير الرياضة من السياسة؟

هذا مطلب مطموس، فالجميع يعرف أن سر نجاح اللعبة بين الفرق الكبيرة في العالم يعود إلى تسيير احترافي عبر شفافية في الموازنات وصيغ قانونية لبناء الفرق وتمويلها. لا محال للربط بين الرياضة والسياسة بالشكل الفاسد الذي نرى عليه أمثلة في الفرق العربية ومنها الفرق التونسية.

الاحتراف يبدأ بتغيير الأشكال القانونية للفرق، من فرق هواه إلى شركات استثمارية تموّل نفسها وتنتج أموالًا وتخضع للضريبة كشركات بما في ذلك صفقات تبادل اللاعبين والإشهار وغيرها. فتمويل الرياضة بالتبرع الشخصي هو نموذج تقادم وسقط لأنه لا يرتقي إلى الاحتراف والشفافية بل فتح بوابات الفساد حتى لمن لم تعرف له أبدًا علاقة بالرياضة مثل السيد سليم الرياحي الذي أوشك أن يقضى على فريق النادي الإفريقي الذي يحتفل العام القادم بمئويته.

لم نر في الغرب حضور السياسيين في فرق الرياضة إلا كأنصار عاديين ضمن جمهور مجهول والمظاهر القليلة ذات الطابع البرتوكولي هي الحضور في نهائيات كأس العالم أو كأس أوروبا وهو حضور غير مؤثر على النتائج ولا على التسيير حيث لم نر مسيرًا يجامل سياسي أو سياسي يتزلف لمسير جمعية من أجل أصوات جمهوره في الصندوق الانتخابي.

يجب أن نحمد الله هنا والآن لأن الثورة مكنتنا من نقد فريق الترجي ومسيريه، فقد مر علينا زمن كان التطاول على الذات الإلهية لا يعرضنا لعقاب مثل التشكيك في حكمة السيد صهر الرئيس ورئيس جمعية الترجي

الفضيحة الكروية الأخيرة هي إذن حلقة من سلسلة فضائح تكمن أسبابها في هذه الدائرة الفاسدة التي يحكمها المال الفاسد والسياسي الفاسد والمسير المقامر ولذلك هدد رئيس الجمعية رغم حضور رئيس الحكومة ورئيس الفيدرالية الإفريقية بالحرق فخلق من الخوف ما يكفي ليهرّب كلص محترف أو كقاطع طريق متمرس النتيجة والكأس. ولكن حتى حين.

وها قد انتصر القانون لمرة ولكن بعد أن هرب بجلده من بؤرة الفساد الذي يتهمنا نحن القائلين بعلوية القانون في وطنيتنا، إذ لا معنى للوطنية عند الفاسد إلا أن توافقه على فساده (كما ربته الديكتاتورية).

ولكن يجب أن نحمد الله هنا والآن لأن الثورة مكنتنا من نقد فريق الترجي ومسيريه، فقد مر علينا زمن كان التطاول على الذات الإلهية لا يعرضنا لعقاب مثل التشكيك في حكمة السيد صهر الرئيس ورئيس جمعية الترجي.