يصر عسكر السودان على وأد الثورة

يعمل عسكر السودان الماسك بزمام الأمور في البلاد، على تنويع أساليب صد الحراك الشعبي المطالب بتسليم السلطة للمدنيين وعودة الجيش إلى مكانه الطبيعي في الحدود والثكنات، أساليب لم تؤت أكلها إلى الآن، ما اضطر العسكر إلى تسريع الخطى والاستعانة بالتجربة الإفريقية الرائدة في التصدي للاحتجاجات وأساليب ذلك، حيث التجأ إلى حجب الإنترنت.

قطع الإنترنت

قبل أسبوع من الآن كشر المجلس العسكري السوداني بمعية الميليشيات التابعة له عن أنيابه في وجه المعتصمين السلميين، حيث تفنن في ترويع الناس (أطفال وشيوخ ورجال ونساء)، وقتل العشرات من المحتجين ونكل بجثثهم وألقى البعض منها في نهر النيل.

اقتحمت الميليشيات على رأسها "قوات الدعم السريع" المعروفة أيضًا باسم "الجنجويد"، ساحة الاعتصام أمام مقر القيادة العامة في الخرطوم، ذبحت كل من يعترضها واغتصبت النساء وروعت الأطفال والشيوخ ونهبت ممتلكات المواطنين وأغراضهم ولحقت الأطباء والمصابين داخل المستشفيات أيضًا، قتلت بعضهم واغتصبت البعض الآخر دون شفقة ولا رحمة.

يراد من خلال قطع الإنترنت في هذا التوقيت بالذات، القضاء كليًا وبصفة نهائية ولو بالتدرج على الدور المركزي المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي في احتجاجات السودان

لم يتوقف العسكر عند ذلك الحد، حيث عمد إلى التغطية على "جريمته البشعة"، بأن حاصر شهود العيان -الأجانب وأبناء البلد- الشاهدين على فظاعة عمله، حتى لا يسمع العالم بحجم المأساة التي يمر بها السودانيون في ظل تواصل حكم العسكر.

محاصرة شهود العيان تمت أمنيًا وتكنولوجيًا أيضًا، فقد قرر المجلس العسكري السوداني قطع الإنترنت في البلاد بعد ارتكابه مذبحة اعتصام القيادة العامة للجيش التي راح ضحيتها أكثر من مئة شخص في الـ3 من يونيو/حزيران الحاليّ.

يسعى العسكر من خلال قطع الإنترنت، جاهدًا إلى التغطية على جريمته الفظيعة في حق المدنيين العزل الطامحين في غد أفضل يقطع مع عقود من القمع والاستبداد التي عانوا منها في ظل حكم عمر البشير وأعوانه الممسكين بزمام الأمور إلى الآن رغم رحيل قائدهم.

التغطية على جرائم العسكر

الغاية من قطع الإنترنت، لم تكن فقط التغطية على جريمة القيادة العامة، بل أيضًا الحد من حراك السودانيين الذي انطلق في شكل احتجاجات متفرقة في 19 من ديسمبر/كانون الأول إثر قرار الحكومة رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، قبل أن تتحول إلى مظاهرات أشمل.

ويرى عسكر السودان أن قطع الإنترنت، وسيلة للحد من هذا الحراك الشعبي الذي خرج عن سيطرتهم، ذلك أنهم يسعون بكل جهدهم إلى عدم خروج السودان عن طوعهم وحكمهم، فذلك يمثل بداية النهاية لهم، لتورطهم في العديد من القضايا، دوليًا ومحليًا.

عشرات القتلى في فض اعتصام القيادة العامة

يراد من خلال قطع الإنترنت في هذا التوقيت بالذات، القضاء كليًا وبصفة نهائية ولو بالتدرج على الدور المركزي المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي في احتجاجات السودان الذي ينشد شعبه التغيير السلمي وإرساء ديمقراطية.

ويساهم قطع الإنترنت في السودان، في مزيد من التعتيم عما يحصل من حراك شعبي في مختلف مدن هذا البلد العربي، خاصة مع سيطرة العسكر على وسائل الإعلام التقليدية، بالتالي في زيادة انتهاك حقوق الإنسان، كما حصل مؤخرًا في فض اعتصام القيادة العامة.

أداة قمع حديثة

هذه الوسيلة يراها السودانيون أداة للحد من النقاش السياسي، ومصادرة الحقوق المدنية وتكميم أفواه المعارضة في بلدهم الذي يشهد ثورة جماهيرية استثنائية، فخلال فترات القطع، تبقى الصور التي التقطت في المظاهرات حبيسة الهواتف ولا يستطيع المحتجون إيصالها للعالم والجهات الحقوقية المعنية.

ويرى هؤلاء أن اللجوء إلى تعطيل النفاذ إلى الإنترنت، أصبح وسيلة قمع جديدة يعتمدها المجلس العسكري للحد من حرية التعبير في السودان الذي أطاح قبل نحو شهرين بالرئيس عمر البشير، لكنه ما زال يعيش تحت وطأة ديكتاتورية العسكر الذي لا يريد ترك السلطة لغيره بأساليب ديمقراطية وحضارية.

يأتي هذا العصيان المدني، بالتزامن مع رفض قادة الاحتجاجات أي حوار مع المجلس العسكري

يرأس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وهو عسكري غير معروف إلى حين وصوله إلى رأس البلاد، أما نائبه فهو الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، وهو قائد سابق لميليشيات بثت الرعب في إقليم دارفور.

ويعتبر قطع الإنترنت، انتهاكًا لحقوق الإنسان، حيث أصبح التمتع بالإنترنت حقًا من حقوق الإنسان وفق القرار غير الملزم لمجلس حقوق الإنسان الصادر في 1 من يوليو/تموز 2016، الذي يدين أيضًا "التدابير المتخذة قصد منع أو تعطيل الوصول إلى المعلومات أو نشرها على الإنترنت".

الاعتصام لمواجهة "تعنت" العسكر

في مقابل لجوء العسكري لأساليب جديدة للحد من الحراك الشعبي، لجأ السودانيون إلى آليات أخرى للضغط على المجلس العسكري الانتقالي الذي يتولى السلطة في السودان منذ الإطاحة بعمر البشير في أبريل/نيسان الماضي.

بعد المظاهرات والإضرابات، لجأ السودانيون إلى سلاح العصيان المدني الشامل، واستجابة لدعوة العصيان المدني، أقام المتظاهرون أمس الأحد حواجز في معظم طرقات الخرطوم الداخلية لإقناع السكان بالامتناع عن الذهاب إلى العمل.

غلق الطرقات بواسطة المتاريس

شل العصيان المدني الحياة في الخرطوم ومدن أخرى وبلدات عدة، حيث أغلقت المصارف أبوابها وبدت الأسواق والشوارع شبه خالية من المركبات العامة والخاصة، وخلت من المارة أيضًا، وتوقفت الملاحة الجوية في مطار الخرطوم الدولي، في حين لوحظ انتشار قوات الدعم السريع في شوارع الخرطوم، وسط غياب تام لقوات الجيش والشرطة.

ويأتي هذا العصيان المدني بالتزامن مع رفض قادة الاحتجاجات أي حوار مع المجلس العسكري، وكانت المفاوضات بين العسكريين والمحتجين قد عُلقت في الـ20 من مايو/أيار الحاليّ، إذ إن الطرفين لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق بشأن رئاسة وتشكيلة المجلس السيادي الذي يُفترض أن يدير المرحلة الانتقالية على مدى ثلاث سنوات.

وأعلن تجمع المهنيين السودانيين، في تغريدات له على حسابه بموقع تويتر استمرار العصيان المدني اليوم الإثنين وغدًا، وحتى تتسلم سلطة مدنية الحكم في البلاد، مؤكدًا أنه لا تصالح ولا تنازل أو مهادنة ولا مصافحة مع من وصفهم بالمجرمين

المتاريس.. رمز العصيان المدني

قبل فض اعتصام القيادة العامة بالقوة، كانت المتاريس المبنية من الطوب والمعادن والخشب في مداخل أبواب الاعتصام لحمايته من بطش العسكر والميليشيات التابعة له، ولمنع أي اختراق لصفوف المعتصمين، لكن فض الاعتصام حول مكان تلك "المتاريس"، حيث أصبحت في كل شوارع الخرطوم.

يرى السودانيون أن من حقهم العيش في ظل دولة ديمقراطية يحكمها مدنيون يتم انتخاباهم عن طريق الشعب بصفة شفافة وطوعية

لكن بعد أن فرقت القوات السودانية الاعتصام بالقوة، تحولت المتاريس إلى رمز للعصيان المدني الذي بدأته الحركة الاحتجاجية أمس الأحد ضد المجلس العسكري الانتقالي، وقال تجمع المهنيين في إحدى تغريداته إن الحراك سيستمر في "تتريس" كل الشوارع الرئيسية والفرعية والكباري دون حراستها، ولكن مع الإصرار على إعادتها مرة ثانية إذا قامت من وصفوها "بالجنجويد ومليشيات المجلس العسكري الانقلابي" برفعها وإزالتها.

تحول المتاريس على الطرق الرئيسية والفرعية في إحياء ولاية الخرطوم دون تحرك حافلات النقل العام وعربات الأمن والجيش، دفع دوريات من الشرطة وقوات الدعم السريع إلى إزالتها من وسط الطريق بأيديهم وبواسطة جرافات، وإضرام النار في كل ما يمكن إحراقه من مخلفات لتفادي استخدامه من المحتجين.

إصرار على تحقيق مطالبهم

لجوء السودانيين إلى العصيان المدني، رغم التحذيرات الصادرة على المجلس العسكري بمعاقبة أي شخص يعطل السير العادي لمؤسسات الدولة، يؤكد إصرار السودانيين على تحقيق مطالبهم كاملة التي يتحفظ عليها العسكر.

يصر المحتجون في السودان على تسليم السلطة للمدنيين

يرى السودانيون أن من حقهم العيش في ظل دولة ديمقراطية يحكمها مدنيون يتم انتخاباهم عن طريق الشعب بصفة شفافة وطوعية، دولة تضمن حقوقهم ويتمتعون بخيراتها الكثيرة التي نهب نظام عمر البشير جزءًا كبيرًا منها.

يؤكد تجمع المهنيين السودانيين الذي يقود الحراك الشعبي في البلاد أن حملة العصيان المدني ستتواصل إلى حين تسليم السلطة لحكومة مدنية، واكتفاء العسكر بالمهام التي يحددها لهم دستور البلاد، وهي حماية الدولة من أي خطر خارجي.