ترجمة وتحرير نون بوست

على الحافة الشرقية لبحر العرب، يتواجد ميناءان يقعان على بعد 160 كيلومترا (أي حوالي 100 ميل) في قلب صراع متعدد الأوجه من أجل السلطة بين القوى الإقليمية في جنوب آسيا. وفي هذا الإطار، زاد ميناء كوادار، الذي تموله الصين في باكستان، من مخاوف الهند بشأن تعرّضها للحصار في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية. وقد دفع هذا الأمر بنيودلهي إلى تأمين مشاريع البنية التحتية الخاصة بها عبر المحيط الهندي، بما في ذلك ميناء تشابهار الإيراني. وفي الوقت ذاته، يغذي الوجود المتزايد للهند في إيران القريبة مخاوف باكستان الخاصة بشأن الحصار.

وفي هذا السياق، طرحت إيران، التي تَعتبر الهند وباكستان والصين شركاء لها، فكرة ربط الميناءين، إلا أنه من غير المرجح أن يتحقّق مثل هذا المخطّط بسبب الاستراتيجيات العالمية المتنافسة. وفي المقابل، ستستمر الرؤى العظيمة لتحقيق أكبر قدر من الرخاء الاقتصادي في تعزيز تطوير الميناءين لسنوات قادمة، حتى في حال مواجهة كلا المشروعين لبعض العقبات الرئيسية.

الهند تراهن على ميناء تشابهار الإيراني

كانت مشاركة الهند في تطوير تشابهار بمثابة خطوة أساسية لتطوير الميناء، الذي يقع على ساحل مقاطعة سيستان وبلوشستان الإيرانية بالقرب من الحدود الباكستانية. وعموما، ناقشت كل من إيران والهند مسألة التعاون في مشروع التنمية لأوّل مرّة في سنة 2003، على الرغم من أن الدولتين لم تشرعا في تنفيذ خطّتهما إلا عندما رفعت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على إيران في سنة 2015. وفي سنة 2016، تعهّدت الهند باستثمار 500 مليون دولار لتطوير الميناء، قبل المضي قدما في توقيع اتفاقية مدتها 18 شهرا للإشراف على عمليات الميناء في كانون الأول/ديسمبر.

تمثّل إيران بالنسبة للهند المورد الرئيسي للنفط وشريكها في الشرق الأوسط، إلا أن العقوبات الأمريكية الجديدة أجبرت الهند على وقف مشترياتها من النفط الإيراني

دوافع إيران

في الوقت الراهن، يستطيع الميناء استيعاب 8.5 مليون طن من الحمولات سنويًا، وهو عدد تسعى خطة التطوير الإيرانية لمضاعفته إلى حدود العشر مرات بحلول سنة 2024، بالإضافة إلى جعله ميناء المياه العميقة. ومن خلال تحقيق ذلك، تأمل إيران في أن يقلل الميناء من اعتماده على ميناء بندر عباس المزدحم، الذي يقع داخل مضيق هرمز ويفتقر إلى منشأة المياه العميقة، مما يجبر السفن الكبيرة على تفريغ حمولتها الأولى على السفن الأصغر في ميناء جبل علي الإماراتي. فضلا عن ذلك، تعتبر إيران تشابهار نقطة اتصال عالمية تربط حركة المرور في المحيط الهندي بأسواق آسيا الوسطى وروسيا وأوروبا عبر ممر النقل الدولي المقترح بين الشمال والجنوب.

دوافع الهند

تمثّل إيران بالنسبة للهند المورد الرئيسي للنفط وشريكها في الشرق الأوسط، إلا أن العقوبات الأمريكية الجديدة أجبرت الهند على وقف مشترياتها من النفط الإيراني. وفي حال اكتمل بناء تشابهار، فإنه سيُمكِّن الهند من بلوغ ما تسميه بأسواق التصدير غير المستغلة واحتياطيات الطاقة في آسيا الوسطى عن طريق بناء طريق تجاري يمتد مباشرة من إيران إلى أفغانستان، ما يمكّنها من اجتناب عدوّتها باكستان. ويتماشى الميناء كذلك مع جهود الهند الرامية لتوسيع علاقاتها مع بعض الدول في جنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا والشرق الأوسط في محاولة لمواجهة التوسع العالمي للصين.

العقبات المحتملة

من جهة أخرى، قد يهدد تجديد العقوبات الأمريكية ضد إيران، تعطيل تقدّم العمل في تشابهار. وحتى الآن، عَفَت العقوبات الأمريكية عن المشروع نظرا لأن الميناء يدعم مصلحة واشنطن الأساسية المتمثّلة في تعزيز تجارة المنطقة مع أفغانستان. لكن الخوف من احتمال التعرض لغضب الولايات المتحدة قد ترك الهند مستعدّة لاحتمال توقف المشروع.

في الواقع، سحبت الهند هذا الشهر مناقصة كانت تسعى لإيجاد مؤسّسة للمشاركة في المشروع، وذلك بسبب عدم وضوح العقوبات الأمريكية. علاوة على ذلك، تمثّل الحرب في أفغانستان أحد العوامل التي من شأنها أن تحبط خطط التنمية، إذ أن أي امكانيّة لبناء ممرات تجارية تمرّ عبر أفغانستان وتتجه نحو آسيا الوسطى ستعتمد إلى حد كبير على حل النزاع في البلاد.

ترى باكستان أن ميناء جوادر يُعتبر عاملا حيويا من شأنه تحويلها من دولة ذات اقتصاد نامي إلى مركز عبور مزدهر عبر بحر العرب

في الأثناء، تراهن الصين على ميناء جوادر الباكستاني

تقع جوادر في مقاطعة بلوشستان الشاسعة في الجنوب الغربي لباكستان على الحدود مع إيران وأفغانستان. ويضم هذا الميناء ثلاثة أرصفة مخصصة لأغراض مختلفة، وبإمكانه في الوقت الراهن شحن حوالي 30 مليون طن من البضائع سنويًا. لكن خطة التنمية الجديدة التي تعتزم كل من الصين وباكستان اعتمادها تهدف إلى زيادة هذا المقدار ليصل إلى 400 مليون طن بمجرد اكتمال المرحلة الثالثة من الميناء سنة 2045.

من جهتها، تحصلت شركة صينية مملوكة للدولة لأول مرة على عقد إيجار مدته 43 سنة في 2013. وبعد مرور سنتين على هذا العقد، غمرت بكين إسلام آباد بحوالي 46 مليار دولار من مرابيح مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، ما أدى إلى جذب جوادر تحت مظلة مبادرة الحزام والطريق. وفي سنة 2017، منحت باكستان عقد إيجار للميناء مدته 40 سنة لصالح شركة صينية مملوكة للدولة.

دوافع باكستان

ترى باكستان أن ميناء جوادر يُعتبر عاملا حيويا من شأنه تحويلها من دولة ذات اقتصاد نامي إلى مركز عبور مزدهر عبر بحر العرب، ما من شأنه أن يكون بمثابة بوابة للعالم. علاوة على ذلك، سيمكن تطوير جوادر باكستان من تنويع اقتصادها خارج موانئها القائمة في كراتشي وقاسم، التي يقف مواقعها عائقا أمام قدرة إسلام أباد على التوسع من أجل تلبية الطلبات التجارية المتزايدة.

دوافع الصين

بالنسبة للصين، الدولة المتاخمة لشمال باكستان والتي تعتبر أقوى حليف لها، يمثل ميناء جوادر المحطة الغربية لمبادرة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني البالغ تكلفتها مليارات الدولارات. كما يمثل هذا الميناء الفرع الأكثر أهمية لمبادرة الحزام والطريق في بكين. أما مدينة جوادر المحيطة به، فتعد كذلك موطنا لبعض من أكثر مشاريع المبادرة طموحًا، بما في ذلك طريق سريع متكون من ستة ممرات يربط الميناء بشبكة الطرق السريعة الوطنية، ومقترح إنجاز أكبر مطار في باكستان.

على الرغم من هذه المخاوف الأمنية، إلا أن علاقة الصين بباكستان لا تزال أقوى بكثير من علاقة الهند بإيران

علاوة على ذلك، من شأن توسيع الميناء أن يقلل من اعتماد الصين على مضيق ملقا من خلال توفير طريق للتجارة والطاقة يربط الشرق الأوسط وأفريقيا بمقاطعة سنجان الغربية. كما يمكن أن يوفر موقع جوادر للصين ميزة عسكرية تخدمها أثناء نشوب نزاع محتمل مع الهند من خلال توفير قاعدة بحرية ناهيك عن الأهمية الاستراتيجية التي يوفرها المشروع.

عقبات محتملة

في الواقع، يهدد المتمردون الانفصاليون في إقليم بلوشستان خطة التطوير. ففي خضم معركتهم المستمرة للانفصال عن حكم إسلام آباد، اختار المقاتلون البلوش استهداف مشاريع مبادرة الممر الاقتصادي. وفي أيار/مايو، أسفر الهجوم الذي شنه متشددو البلوش على فندق فاخر في جوادر عن مقتل خمسة أشخاص، الأمر الذي أثار مخاوف بكين المتعلقة بسلامة عمالها في المشروع. أما بالنسبة لباكستان فقد زاد هذا الهجوم من حاجتها إلى تشكيل فرقة مكونة من 15000 جندي لحراسة مشروع الممر الاقتصادي. ومن جانبها، تشتبه باكستان في وقوف الهند وراء الانفصاليين. ففي سنة 2016، اعتقلت السلطات الباكستانية مواطنا هنديًا في بلوشستان واتهمته بالتجسس لصالح المخابرات الهندية والتنسيق مع الانفصاليين. وفيما بعد اعترفت نيودلهي بأنه مواطن هندي خدم في البحرية الهندية ونفت ضلوعه في عمليات تجسس.

سباق حتى النهاية

على الرغم من هذه المخاوف الأمنية، إلا أن علاقة الصين بباكستان لا تزال أقوى بكثير من علاقة الهند بإيران، ما سيمنح بكين السلطة المطلقة على نيودلهي فيما يتعلق بسرعة ونطاق مشاريع تطوير الموانئ الخاصة بكل منها. في المقابل، لن يمنع ذلك الهند من المضيّ قدما، كما ستستمر مبادرة الحزام والطريق الصينية عبر جنوب آسيا في التوسع. وفي السنوات المقبلة، سيصبح الميناء الإيراني أكثر أهمية بالنسبة للهند، خاصة وأنها ستعمل على مواجهة استراتيجية الصين المنافسة في باكستان.

المصدر: ستراتفور