يبدو أن ويلات الحرب التي دفعتهم لترك أموالهم وأهلهم والهروب من أوطانهم لم تكن وحدها شفيعة للتعاطف معهم وتقديم يد العون لهم، إذ إن التضييق عليهم وملاحقتهم في الدول التي هرعوا إليها بات السيناريو الآخر الذي ينتظر اللاجئين السوريين في الخارج.

حملة ممنهجة تشن ضد السوريين في مصر، ظاهرها حماية الوطن من الأموال المشبوهة وباطنها عنصرية فجة عززها القلق من النجاح الساحق الذي حققوه بعدما باتوا رقمًا صعبًا في الاقتصاد المصري، واستطاعوا سحب البساط من تحت أقدام الكثير من رجال الأعمال المصريين.

البداية كانت بمنشور كتبه نبيل نعيم القيادى السابق في تنظيم "الجهاد" وأحد مؤسسي التنظيم في مصر، على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" يقول: "النشاط الاقتصادي للسوريين في مصر من أموال التنظيم الدولي للإخوان وغسيل أموال".

ثم جاءت المذكرة التي رفعها المحامي المتخصص في تقديم البلاغات ضد معارضي النظام الحاليّ سمير صبري، إلى النائب العام السبت الماضي التي طالب فيها بمراقبة أموال السوريين في مصر، و"بضرورة وضع أطر قانونية تتيح لأصحاب الأموال السوريين العمل وفق قوانين واضحة وبيئة استثمار صحيحة من دون أن يعني ذلك أن يكون من قام بتمويل الإرهاب ومعاداة بلده ضمن هؤلاء أيضًا، مؤكدًا ضرورة أن تلجأ كل هذه الأموال إلى الرقابة المالية".

حملة قوبلت بتظاهرة حب كبيرة من المصريين على منصات التواصل الاجتماعي، أعربوا فيها عن رفضهم الكامل لتلك العنصرية التي رغم عدم معرفة من يقف خلفها بشكل واضح إلا أن العديد من المؤشرات تذهب في تفسيراتها لعدد من السيناريوهات المحتملة، ليبقى السؤال الأكثر حضورًا لدى الشارع المصري الآن: لماذا في هذا التوقيت؟

32 مليار دولار استثمارات

المحامي المصري استهل دعواه بقصيدة مدح في السوريين "الذين يواجهون زبائنهم بوجه بشوش وكلمة حلوة وابتسامة مع كرم حاتمي"، تلك المزايا التي اعتبرها بمثابة "جواز المرور" لبقائهم على أرض المحروسة، ورغم ظروف الحرب والهجرة واللجوء، فإنهم فرضوا أنفسهم وحققوا ذاتهم بين العمالة المصرية، وفي كثير من الأحيان تفوقوا عليهم كذلك.

وأشار كذلك إلى أن أموال السوريين دخلت السوق المصرية عبر مجالات كثيرة، منها طهي وبيع الطعام السوري والحلويات السورية وإنشاء فرق للإنشاد الديني وفتحت ورشًا للخياطة بل ومصانع للنسيج والسجاد، هذا بخلاف غزوهم المناطق التجارية في مختلف المحافظات، واشتروا وأجروا المحلات التجارية بأسعار باهظة وفي مواقع مميزة واشتروا كذلك الشقق والفيلات، وأصبحت مدينة السادس من أكتوبر كأنها مدينة سورية، على حد قوله.

بحسب تقرير صدر العام الماضي 2018 عن الحكومة المصرية، فإن تدفقات رأسمالية بلغت قيمتها قرابة الـ70 مليون دولار نتجت عن تأسيس شركات جديدة لمستثمرين سوريين في مصر خلال الفترة المذكورة

صبري كشف أن الإحصاءات قدرت حجم استثمارات رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال السوريين في مصر بـ23 مليار دولار معظمها في عقارات وأراضٍ ومصانع ومطاعم ومحلات تجارية وغيرها وبات السوريون يملكون أهم مصانع الألبسة والنسيج، كما سيطر بعضهم على مناطق تطوير عقاري في أهم وأرقى المناطق المصرية، لافتًا إلى أن "الأموال التي في أيدي السوريين باتت حائرة في مصر ما بين الاستثمار في العقارات أو البورصة أو القطاع الصناعي، في حين فضل العديد من السوريين المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتجارة التجزئة لاستثمار أموالهم".

وتساءل المحامي المثير للجدل عن كيفية دخول تلك الأموال إلى الأراضي المصرية وكيفية إعادة الأرباح وتصديرها مرة أخرى وهل تخضع هذه الأموال لقوانين الضرائب في مصر، ويعامل المستثمر السوري أيًا كان نشاطه وأيًا كانت استثماراته معاملة المصري أمام الجهات الرقابية المالية، مدعيًا أن أسئلته هذه تهدف إلى حماية هؤلاء جميعًا وحماية الوطن من أي أموال مشبوهة مغرضة.

يذكر أنه بحسب تقرير صدر العام الماضي 2018 عن الحكومة المصرية، فإن تدفقات رأسمالية بلغت قيمتها قرابة الـ70 مليون دولار نتجت عن تأسيس شركات جديدة لمستثمرين سوريين في مصر خلال الفترة المذكورة، وذلك من خلال 818 شركة في تسعة أشهر فقط، بما شكل زيادة بلغت أكثر من 30% عن المعدلات السابقة وبقيمة نحو 54 مليون دولار عن نفس فترة المقارنة من العام الماضي.

المحامي سمير صبري

حملة ممنهجة

بعد ساعات قليلة من الدعوة التي قدمها المحامي ضد السوريين انتشرت اللجان الإلكترونية بكثافة على منصات السوشيال ميديا في محاولة لخلق ظهير شعبي لتلك الخطوة بزعم الدفاع عن أمن الوطن واستقراره وتتبع مسار الأموال التي تدخل وتخرج من الدولة عن طريق الأجانب المقيمين فيها.

الحملة عزفت على أوتار شتى بعضها اعتمد على أن الأموال التي يعمل بها السوريون هي في الأصل أموال جماعة الإخوان المسلمين وأن ما يحدث هو إعادة تدوير للجماعة اقتصاديًا بعد التضييق الذي تعرضوا له منذ عزل الرئيس محمد مرسي في 2013، فيما ذهب آخرون إلى أن نجاح السوريين بهذا الشكل فيه تهديد واضح للاقتصاد المصري.

إلا أن الوتر الأكثر حضورًا على منصات التواصل الاجتماعي تعلق بالتحذير من غزو السوريين لمصر باعتبارهم "هكسوس جدد" يخططون لإحكام السيطرة على الأرض وفرض أنفسهم بقوة المال والاقتصاد، مستندين في ذلك إلى أن غالبية السوريين الموجودين فوق أرض المحروسة من المعارضين لنظام بشار الأسد ومن ثم لهم ميول إسلامية في إشارة إلى جماعة الإخوان.

ورغم افتقاد جل هذه الأوتار للمنطق، فإنها حققت انتشارًا كثيفًا بفضل نشاط اللجان الإلكترونية المكثف الذي يجيد التعامل مع مثل هذه المواقف، مستغلاً القوة الكبيرة لتلك النوافذ في خلق رأي عام جديد أو إعادة تشكيله بما يتلاءم مع مصالح النظام وأذرعه، وهو ما ثبت يقينًا في كثير من المواقف السابقة.

احتواء شعبي كبير للسوريين في مصر

لماذا الآن؟

أسئلة عدة فرضت نفسها مع بدء تلك الحملة الممنهجة ضد السوريين في مصر على رأسها: ما الدافع الحقيقي وراءها؟ ولماذا في هذا التوقيت على وجه الخصوص؟ ومن يقف خلفها؟ فليس من المنطقي أن يتحرك محامٍ عُرف عنه تنفيذه لأجندات النظام الحاليّ من بنات أفكاره دون توجيه واضح.

حالة من اليقين استقرت في مخيلة الجميع أن خطوة كهذه لا بد أن تأتي "من فوق" أي من سلطات عليا في الدولة وليس تحركًا فرديًا من محامٍ يبحث عن الشهرة، وهو ما دفع الكثير من المراقبين للوضع عن كثب لوضع حزمة من السيناريوهات التي تحاول جاهدة الإجابة عن تلك الأسئلة قدر الإمكان.

إلهاء عن قرارات أخرى.. السيناريو الأول الذي ذهب البعض لترجيحه تفسيرًا لهذه الخطوة تعلق بمحاولة الإلهاء عن قرارات أخرى أكثر كارثية على المصريين، في إشارة إلى موجة ارتفاع الأسعار المرتقبة التي بدأت بفواتير الكهرباء مرورًا بالوقود المرجح زيادته خلال الساعات القليلة القادمة.

أنصار هذا السيناريو يميلون في تفسيرهم إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها النظام الحاليّ إلى هذا الأسلوب الذي يعتمد على سياسة "بص للعصفورة" لغض الطرف عن كوارث وإجراءات أخرى مثيرة للجدل وغضب الشارع في آن واحد، ومن ثم كان لا بد من خلق قضية مفتعلة تذهب معها أنظار المصريين عن تحركات أخرى.

في نوفمبر 2018 ألمح السيسي خلال كلمته ضمن فعاليات منتدى شباب العالم الذي عقد بمدينة شرم الشيخ إلى الكلفة العالية لإعادة إعمار سوريا، لافتًا إلى أنها تحتاج ما بين 300 مليار إلى تريليون دولار، موضحًا "محدش هيديك فلوس تصلح بلدك اللي أنت كسرتها وخربتها" في إشارة إلى النظام السوري

فرض ضرائب جديدة.. فيما ذهب آخرون إلى أن النجاح الذي حققه السوريون في مصر أثار حفيظة الحكومة، ومن ثم سال لعابها على الأرباح التي حُققت في السنوات الأخيرة، التي بلغت وفق ما ذكره المحامي في عريضته "23 مليار دولار" الأمر الذي دفع إلى محاولة اقتسام هذه الثروات عبر مزيد من الضغوط لفرض ضرائب جديدة.

تشير التقارير إلى أن المورد الأكبر لإنعاش الخزينة المصرية خلال الفترة الأخيرة هو الضرائب المفروضة على المواطنين التي تضاعفت بشكل غير مسبوق خلال السنوات الماضية، ومن ثم فإن الأزمة التي يواجهها الاقتصاد المصري مؤخرًا تستدعي المزيد من القرارات والإجراءات التي تزيد من حجم الموارد، عن طريق زيادة الرسوم وفرض المزيد من الضرائب، وليس هناك أفضل من الأجانب الموجودين في مصر لتعزيز تلك الموارد لا سيما السوريين الناجحين بالفعل والمضطرين إلى الاستجابة لمثل هذه الضغوط حفاظًا على هذا النجاح.

نجاح واسع للمطاعم السورية في مصر

الدعم الدولي.. سيناريو آخر لجأ إليه البعض ممن ربطوا بين مصر وتركيا في هذا الشأن، إذ ذهبوا إلى أن هناك محاولات مصرية للحصول على دعم  من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية نظير استضافة اللاجئين في مصر، وهي المساعي التي طالما عبرت عنها السلطات المصرية أكثر من مرة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وبعض أعضاء حكومته لوحوا في أكثر من حديث لهم إلى تحملهم الكثير من الأعباء جراء وجود عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين واليمنيين والعراقيين فوق التراب المصري، محذرين من المخاطر الناجمة عن تضييق الخناق عليهم وإجبارهم على مغادرة البلاد، ما يهدد أمن واستقرار الكثير من مناطق العالم على رأسها أوروبا التي تعاني من تبعات الهجرة، الأمر الذي يتطلب الحصول على دعم دولي للمساعدة في تحمل أعباء الاستضافة كما هو الحال في تركيا ولبنان وغيرهما.

إعادة الإعمار السوري.. في نوفمبر 2018 ألمح السيسي خلال كلمته ضمن فعاليات منتدى شباب العالم الذي عقد بمدينة شرم الشيخ إلى الكلفة العالية لإعادة إعمار سوريا، لافتًا إلى أنها تحتاج ما بين 300 مليار إلى تريليون دولار، موضحًا "محدش هيديك فلوس تصلح بلدك اللي أنت كسرتها وخربتها" في إشارة إلى النظام السوري.

فُسرت تلك التصريحات آنذاك بأنها تأتي في سياق الغضب المصري من استبعاده نسبيًا من كعكة إعادة الإعمار، في ظل استئثار كل من الروس والإيرانيين بالنصيب الأكبر كونهما الحليفين الأكثر دعمًا لنظام الأسد، ومن ثم ذهب البعض إلى أن التحرك ضد السوريين في مصر استمرار لهذا الحراك الذي يستهدف الضغط للحصول على جزء من كعكة الإعمار.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" تطرق إلى نجاح ما يقرب من 500 ألف لاجئ سوري في مصر خلال السنوات القليلة الماضية في بناء إمبراطورية اقتصادية ومجتمعية غير متوقعة، استطاعت أن تؤصل لمفاهيم جديدة في الاستثمار وتدشين المشروعات الصغيرة، إلى الحد الذي باتوا هم أنفسهم أرباب عمل لبعض أبناء البلد أنفسهم، هذا في الوقت الذي يعاني فيه الشباب المصري من بطالة زائدة دفعت الكثير منهم إلى الهجرة والبقية في انتظار الفرصة.

السوريين منورين مصر

في الوقت الذي كثفت اللجان الإلكترونية هجومها الشديد ضد السوريين كان الشعب المصري على الجانب الآخر له رأي مختلف، حيث جاء الرد سريعًا، عبر تدشين آلاف المصريين هاشتاغ #السوريين_منورين_ مصر الذي تصدر موقع تويتر منذ ظهوره ظهر أول أمس الأحد للترحيب باللاجئين السوريين في مصر.

الهاشتاغ جاء للإشادة بالنشاط الاقتصادي للسوريين، فيما تساءل عشرات النشطاء عن أسباب إثارة قضية اللاجئين السوريين الآن والتحريض عليهم؟ ومن يقف وراء ذلك؟ ولصالح من؟ ولماذا يغضب البعض من تفوقهم الاقتصادي في مصر؟ وتنوعت الآراء بين جماعات مصالح وجهات رسمية ورجال أعمال.

عدد من الحقوقيين والمثقفين أبدوا دهشتهم من هذه الحملة العنصرية، مذكرين بلعب المثقفين والمفكرين المهاجرين من سوريا لمصر "دور ديناميكي في تجسيد العصر الذهبي لنهضتها الفكرية والثقافية والفنية وكيف كانت مصر يومًا ملاذًا لكل المضطهدين أو أصحاب المواهب".

رب ضارة نافعة.. وبدلاً من أن تثير تلك الحملة العنصرية الضغينة ضد السوريين إذ بها تكشف حجم الحب والاحتواء الذي يكنه المصريون لأشقائهم، وهو ما جسدته التغريدات التي عكست قوة العلاقة وعمقها بين الشعبين الشقيقين، وفي المقابل لاقت ترحيبًا كبيرًا من الكثير من السوريين في مصر ممن عبروا عن سعادتهم البالغة لحفاوة الاستقبال وحسن الضيافة وكرم المصريين، مؤكدين أنهم لم يشعروا مطلقًا بأي غربة في وطنهم الثاني الذي فتح لهم ذراعه فما كان منهم إلا رد الجميل عبر العمل والكد والنجاح الذي يعود بالنفع على الجميع.