استجابة كبيرة لدعوات العصيان المدني

أعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير في السودان، الثلاثاء، تعليق العصيان المدني والإضراب السياسي "حتى إشعار آخر"، مؤكدة أنه "نجح بصورة باهرة" وذلك بعدما استمر قرابة 3 أيام كاملة نجح خلالها في إصابة الشارع العام بالشلل التام في معظم القطاعات الحياتية.

القوى وفي بيان نشرته، مساء أمس، على صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" قالت: "قررنا في قوى إعلان الحرية والتغيير دعوة جماهير شعبنا لتعليق العصيان المدني ورفع الإضراب السياسي حتى إشعار آخر، وذلك بنهاية اليوم الثلاثاء 11 يونيو 2019 ليزاول الناس أعمالهم اعتبارًا من يوم غدٍ الأربعاء".

وأضافت أن العصيان المدني يشكل "تجربة بارزة في تاريخ المقاومة السلمية تؤكد عظمة وخبرة الشعب السوداني في فرض إرادته الشعبية والإمساك بزمام أمره"، مشيرة إلى أنه "خلال ثلاثة أيام من الصمود التاريخي تم تنفيذ العصيان بنسبة مرتفعة جدًا وعلى جميع المستويات الحيوية في جميع المدن السودانية".

كما أعادت التأكيد أن "وحدتنا وسلميتنا هما طريقنا نحو الخلاص وأن هذا الطريق طويل"، معتبرة أن "إزالة سلطة مكثت على صدورنا لثلاثين عامًا تتطلب عبور جبال من المشاق سنتجاوزها بإرادة لن تنكسر"، لافتة إلى "تعليق العصيان المدني والإضراب السياسي مؤقتًا لإعادة ترتيب هذه الأوضاع، بحيث تستمر المقاومة بشكل أقوى وأكبر".

تزامن قرار تعليق الاعتصام مع تصريحات أدلى بها المبعوث الإثيوبي محمود درير، للصحفيين قال فيها إن قادة الاحتجاجات وافقوا على استئناف المحادثات مع المجلس العسكري الانتقالي، فيما وافق الأخير على إطلاق سراح سجناء سياسيين، الأمر الذي اعتبره درير - الذي كان يبذل محاولات للوساطة بين الجانبين منذ زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الأسبوع الماضي -  إجراء لبناء الثقة.

استجابة شعبية كبيرة

قوى المعارضة أشارت إلى أن "هذا الإجماع المدني غير المسبوق هو بمثابة رسالة واضحة للمجلس العسكري بشأن مكامن قوة وجبروت الشعب السوداني.. لقد تكبد المجلس العسكري خسائر سياسية جمة بما لا يُقاس، وتكشفت له حقيقة أن مقاليد الحكم هي بيد أهل الشأن، الشعب السوداني العظيم" وذلك حسبما ذكر البيان.

وفي السياق ذاته أورد "تجمع المهنيين السودانيين" تقريرًا ميدانيًا قيًم من خلاله مدى نجاح الإضراب والعصيان الشامل في القطاعات المهنية والحرفية والخدمية والشعبية خلال الأيام (9 و10و11 من يونيو الحاليّ)، الذي يرى أنه أبرز قوة شكيمة الشعب وقدرته على هزيمة كل طاغٍ متجبر.

التقرير المنشور على صفحة التجمع على "فيسبوك" كشف أن حجم الإضراب في قطاع التعليم الثانوي بلغ 92% فيما تجاوز في الأساسي 60%، أما في المدارس فقد امتنع المعلمون عن النزول للمدارس بنسبة 95% في العاصمة فيما بلغت النسبة في الأقاليم قرابة 90%. 

في قطاع الصحافة والإعلام، بلغت نسبة نجاح العصيان في الصحف السياسية والرياضية 100% في اليوم الأول، أما في اليوم الثاني فكانت النسبة في الصحف السياسية 60% حيث صدرت 6 صحف فقط، فيما لم تصدر 9 صحف يومية بجانب 3 صحف غير يومية

وفي قطاع النقل والمواصلات بلغت نسبة الإضراب في الميناء البري 86% و90% في شعبي أم درمان، بينما بلغت في سوق أبو حمامة وأبو أدم 93% أما السفريات الداخلية في الولايات بلغت نسبة الإضراب بها قرابة 67%، وفيما يتعلق بالنقل الجوي فقط وصلت في مطار الخرطوم إلى 84% و99% في بقية الولايات.

هذا بخلاف النقل البحري، إذ بلغ حجم الإضراب في الميناء الشمالي والجنوبي بورتسودان 85%، وفي السكة الحديد بلغت في عطبرة 98% وفي الأوسط والشرقي 100% وفي الولايات الغربية قرابة 90%، فيما تجاوزت في النقل الداخلي 80% في العاصمة و71% في الأقاليم.

وفي القطاع المصرفي بلغت نسبة تنفيذ العصيان في البنك المركزي 64%، فيما تجاوزت في البنوك الأخرى 72%، أما في الأسواق التجارية الكبرى في العاصمة والأقاليم - التي تحوي أسواق المواد الغذائية والملبوسات والأدوات المنزلية ومعارض بيع السيارات والمغالق ومحلات الصاغة (أسواق الذهب) - فقد بلغت نسبة العصيان المدني 86.3%.

وفي قطاع الصحافة والإعلام، بلغت نسبة نجاح العصيان في الصحف السياسية والرياضية 100% في اليوم الأول، أما في اليوم الثاني فكانت النسبة في الصحف السياسية 60%، حيث صدرت 6 صحف فقط، فيما لم تصدر 9 صحف يومية بجانب 3 صحف غير يومية، وفي اليوم الثالث بلغت نحو 57% حيث صدرت 7 صحف مقابل 8 صحف لم تصدر.

وفي قطاع الخدمات الصحية، فقد تم تقديم الخدمة العلاجية المجانية بأقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية بعد توفير المستهلكات الطبية والعقاقير من منظمات إقليمية ودولية بعد مناشدة محلية قُدمت لها، كما أن هناك مستشفيات خاصة درجت على تقديم الخدمة العلاجية المجانية لمصابي الثورة.

إلا أن ذلك لم يمنع من المشاركة في الإضراب الذي بلغت نسبته داخل العاصمة في المؤسسات الحكومية 93% والخاصة 62%، أما في الأقاليم فبلغت 90% داخل المؤسسات الحكومية و47% داخل المؤسسات الخاصة، الأمر ذاته تكرر في القطاع القانوني وإن كانت النسب أعلى بصورة أكبر، إذ بلغت نسبة تنفيذ العصيان بين القضاة والمحامين 100% فيما وصلت بين منسوبي النيابة العامة 90%. 

لجنة مشتركة للتحقيق

وفي الإطار ذاته أعلن المجلس العسكري مساء الإثنين توقيف "عدد من منسوبي القوات النظامية"، بسبب محاولة فض الاعتصام الأسبوع الماضي، تلك العملية التي قتل فيها عشرات المحتجين فضلاً عن أضعافهم من الجرحى والمصابين، الأمر الذي ردت عليه قوى المعارضة بالعصيان المدني. 

المجلس في بيان نشرته وكالة الأنباء السودانية الرسمية قال: "لجنة تحقيق مشتركة، باشرت مهامها فور تكوينها (...) وتوصّلت إلى بيّنات مبدئية في مواجهة عدد من منسوبي القوات النظامية، الذين وضعوا قيد التحفّظ توطئة لتقديمهم للجهات العدلية بصورة عاجلة".

قرار تعليق العصيان جاء بالتوازي مع إعلان قوى المعارضة ترشيح ثمانية أسماء لعضوية المجلس السيادي الانتقالي، من بينهم3 نساء، هذا بخلاف ترشيح عبد الله حمدوك الأمين التنفيذي السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، رئيسًا للوزراء.

ورغم أن العسكري لم يحدد في بيانه عدد العسكريين الموقوفين، ولا الجهاز الذي ينتمون إليه، ولا التهم الموجّهة إليهم، فقد أوضح أنه "لن يتوانى عن محاكمة كلّ من تثبت إدانته وفقًا للوائح والقوانين"، الخطوة التي تزامنت مع الإفراج عن عدد من المعتقلين من قوى المعارضة، ما اعتبرها المندوب الإثيوبي خطوة لاستعادة الثقة المفقودة بين الجانبين.

دوليًا.. قالت الأمم المتحدة إنها تتابع "بقلق بالغ التطورات على الأرض في العاصمة السودانية الخرطوم"، داعية المجلس العسكري إلى "الكف عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين".

من جانبه قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوغريك، خلال مؤتمر صحافي، أمس الثلاثاء: "نريد أن نرى نهاية فورية للاستخدام المفرط للقوة ونطلب من السلطات المعنية التوقف عن اعتقال الأشخاص المدنيين الذين لديهم دور مهم في عملية المفاوضات بين المعارضة والمجلس العسكري"، مضيفًا "نواصل بقلق بالغ متابعة الموقف على الأرض في الخرطوم حيث يتعين العمل على عملية انتقال سلمي للسلطة إلى المدنيين".

استجابة كبيرة للقطاع المصرفي في الإضراب

استئناف الحوار بوساطة إثيوبية

قرار تعليق العصيان جاء بالتوازي مع إعلان قوى المعارضة ترشيح ثمانية أسماء لعضوية المجلس السيادي الانتقالي، من بينهم 3 نساء، هذا بخلاف ترشيح عبد الله حمدوك الأمين التنفيذي السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، رئيسًا للوزراء.

تاتي هذه الخطوة استجابة للمقترح الذي تقدم به رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، خلال زيارته الأخيرة للخرطوم، بشأن تأسيس مجلس انتقالي مكون من 15 عضوًا، منهم ثمانية مدنيين وسبعة من ضباط الجيش، لقيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، فيما تشير بعض المصادر إلى نجاح الوساطة الإثيوبية في استعادة الحوار مرة أخرى.

 وفي هذا الشأن قال المبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي للسودان، محمود درير، إن المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير توصلًا إلى أن لا عودة فيما تم الاتفاق عليه، مضيفًا في مؤتمر صحافي عقده مساء أمس بمقر السفارة الإثيوبية بالخرطوم إن الطرفين سيتباحثان بشأن المجلس السيادي بنية حسنة، وتابع بقوله "اتفقا على أن لا يكون هنالك ما يسيء لهما من بيانات تصعيدية تعيق المبادرة".

كما ذكر أن العسكري وافق على بناء الثقة بإطلاق سراح المعتقلين، كما وافقت قوى إعلان الحرية والتغيير على إيقاف العصيان، وفيما يتعلق بعودة الطرفين للتفاوض قال "سيعودان قريبًا"، مضيفًا أنهم سيتقدمون بأفكار لتجاوز معضلة المجلس السيادي، مشيرًا "نحن نسعى لأن تتجنب الأطراف التصعيد والاتهامات المتبادلة"، مردفًا بالقول: "نريد أن نمضي قدمًا في المبادرة".

بين التأييد والرفض

رغم الالتفاف الشعبي الواضح حول قرارات قوى إعلان الحرية والتغيير كونها الممثل الرسمي للمعارضة في هذا الحراك، فإن حالة من تباين الآراء فرضت نفسها بشأن قرار تعليق العصيان، فهناك من اعتبرها خطوة ذكية تستهدف التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى فيما وصفها آخرون بالمتسرعة خاصة بعدما شكلت ضغطًا كبيرًا على العسكري.

الناشط السوداني أحمد عبد القادر، أشار إلى أن تعليق الاعتصام جاء في الوقت المناسب بعدما نجحت المعارضة في توصيل رسالتها التي تؤكد أن غالبية قوى الشعب مع هذا الحراك، مشيرًا أن التمادي في هذه الخطوة ربما يأتي بنتيجة عكسية خاصة بعد حالة من الشلل التام في القطاعات كافة.

عبد القادر لـ"نون بوست" أوضح أن نسبة كبيرة من السودانيين تضرروا بالفعل من وراء العصيان، الأمر الذي يتطلب هدنة من أجل التقاط الأنفاس وتوفير الأجواء المناسبة للحياة، بما يمهد الطريق نحو تكرار هذه الخطوة مرة أخرى حال عدم استجابة المجلس الانتقالي للمطالب المرفوعة.

كما كشف أن الاستمرار في العصيان ربما يأتي بنتائج عكسية، فليس من المضمون تحمل السودانيين أكثر من ذلك، وهو ما كان يراهن عليه العسكري وأنصار الثورة المضادة، معتبرًا التعليق قرار سياسي ينم عن ذكاء سياسي من القائمين على أمور المعارضة ويعكس نضج الوعي بالنسبة لهم.

وفي الجهة المقابلة هناك من يرى أن قرار تعليق الاعتصام جاء متسرعًا، خاصة بعدما حققه من نجاح واضح ومشاركة واسعة النطاق في الأيام الثلاث الأولى، معتبرين أنه في حال استمراره ربما حقق نتائج أفضل فيما يتعلق برضوخ المجلس العسكري للضغوط وتسليمه السلطة لمدنيين.

أنصار هذا الرأي يميلون إلى أن قرارات وتحركات المجلس الانتقالي خلال فترة الاعتصام تكشف مدى هشاشته وضعفه مقارنة بالإرادة الشعبية، معتبرين أن قطع الاتصالات وفصل الإنترنت والضغط على أفراد أمن للنزول للشارع من أجل رسم صورة إعلامية لفشل الاعتصام، ومن بعدها الإفراج عن بعض المعتقلين يعكس نجاح الحراك الذي كان من الممكن أن يحقق أهدافه كاملة حال استمراره وفق ما يعتقد الداعمون لهذه الرؤية.