ترجمة حفصة جودة

يستعد الكونغرس مرة أخرى لمعركة كبيرة مع إدارة ترامب، حيث يسعى الرئيس الأمريكي لإرسال شحنة من الأسلحة قيمتها مليارات الدولارات إلى المملكة العربية السعودية دون إشراف الكونغرس، كانت الانتقادات قد ازدادت نتيجة دعم ترامب المستمر للمملكة خاصة فيما يتعلق بمبيعات السلاح للحكومة السعودية على وجه الخصوص.

لكن مع إصرار ترامب على أن صفقات السلاح جزء أساسي من خطة إدارته للحفاظ على علاقات قوية بين واشنطن والرياض، فإن أي تحول كبير يبدو غير ممكن، تقول جودي فيتوري الباحثة في مؤسسة كارنيغي في برنامج الديموقراطية والصراع والحكم: "حجتنا أن مبيعات السلاح تشتري تأثير أمريكا على أشياء مثل حقوق الإنسان، فسجل حقوق الإنسان السعودي يتجه للأسوأ".

علاقات طويلة المدى

لكي نفهم كيف ترسخت العلاقات السعودية الأمريكية وكيف تجرأ الحكام في الرياض تحت رعاية أمريكا، يجب العودة لبدايات الدولة السعودية الحديثة، ففي عام 1933 بعد أقل من عام من تأسيس البلاد منحت المملكة تصريح اكتشاف النفط لعدة جيولوجيين أمريكيين من شركة "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا" (تسمى حاليًّا شركة شيفرون العملاقة للنفط).

مع استمرار المهمة الاستكشافية لخمس سنوات، تعززت العلاقات السعودية الأمريكية لعقود قادمة حيث نشأت شراكة بين السعودية والشركة الأمريكية تحت اسم شركة النفط العربية الأمريكية "أرامكو".

وفي خضم الحرب العالمية الثانية أعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفيلت - وفقًا للعلاقات بين البلدين - أن دفاع السعودية ضروري لدفاع الولايات المتحدة، وبدأ روزفيلت في إرسال المساعدات العسكرية الأمريكية للبلاد عام 1943 وذلك من خلال برنامج الإقراض الأمريكي الذي قدم معدات عسكرية بمبلغ 50 مليار دولار لـ30 دولة مختلفة.

وفي المقابل منحت السعودية أمريكا الحق في بناء مطارات على أراضيها، ففي عام 1951 وقعت الرياض وواشنطن اتفاقية المساعدة الدفاعية المشتركة التي أصبحت أساس مبيعات السلاح الأمريكية للمملكة وأسست مهمة تدريب عسكري أمريكي دائم في السعودية.

مع انسحاب بريطانيا من الخليج في خطوة سمحت للبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعمان لإعلان الاستقلال، وجدت الولايات المتحدة الفرصة لمضاعفة مصالحها في المنطقة

وخلال الخمسينيات والستينيات استمرت العلاقات في التوسع وكذلك تدفق الأسحلة أمريكية الصنع للمملكة، فبين عامي 1950 و1969 قدمت الولايات المتحدة ما مجموعه 218 مليون دولار من المبيعات العسكرية الأجنبية للسعودية وفقًا لتقرير وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكي "DSCA".

في بدايات السبعينيات مع انسحاب بريطانيا من الخليج في خطوة سمحت للبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعمان بإعلان الاستقلال، وجدت الولايات المتحدة الفرصة لمضاعفة مصالحها في المنطقة.

وبين عامي 1970 و1972 ارتفع إجمالي قيمة مبيعات السلاح الأمريكية للرياض من 14.8 مليون دولار إلى 296.3 مليون دولار، تزامنت تلك الزيادة في مبيعات السلاح مع زيادة هائلة في عائدات النفط للحكومة السعودية التي وصلت إلى 25.7 مليار دولار عام 1975 بعد أن كانت 1.2 مليار دولار عام 1970.

اليوم توفر السعودية نحو 9% فقط من صادرات النفط الخام للولايات المتحدة، حيث تركز واشنطن على الموارد الملحية، لكن مبيعات السلاح الأمريكية ما زالت تتدفق ببساطة للمملكة، فبين عامي 2013 و2017 اشترت السعودية نحو 18% من إجمالي مبيعات السلاح الأمريكية بمبلغ يصل إلى 9 مليارات دولار، وفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الذي يتابع تدفق الأسلحة في جميع أنحاء العالم.

يتساوى هذا المبلغ تقريبًا مع مبيعات السلاح للسعودية والإمارات - بقيمة 8.1 مليار دولار - التي دعمتها إدارة ترامب رغم معارضات الكونغرس.

ضغط الكونغرس

يأتي قرار الرئيس الأمريكي بالدفع بعملية البيع - متحججًا بحالة الطوارئ - في الوقت الذي تخضع فيه السعودية للتحقيق في الكونغرس وذلك بسبب الحرب المدمرة التي تقودها السعودية في اليمن ومقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وخلال العامين الماضيين حاول الكونغرس استخدام سلطاته للضغط على الرياض لإنهاء الحرب في اليمن من خلال عدة طرق مختلفة.

من بين تلك الطرق تجميد مبيعات السلاح الأمريكية للمملكة والإمارات التي تعد شريكًا رئيسيًا في التحالف السعودي لحرب اليمن، لكن الرئيس الأمريكي أصرّ على استمرار دعم واشنطن للرياض وتحدى قرار ترامب الأخير الكونغرس الذي قدم منذ ذلك الحين 22 طعنًا لتحدي خطة نقل السلاح.

يبدو أن السعودية تشعر بالراحة تحت حماية إدارة ترامب، فإعلان الطوارئ مثال واضح على كيفية حماية الرئيس الأمريكي للسعودية من الخضوع للمساءلة

يقول سيث بيندر مسؤول دفاعي في مشروع الديموقراطية في الشرق الأوسط: "بغض النظر عن نجاح المشرعين في منع صفقة السلاح لإدارة ترامب، يجب الضغط على السعودية لتتماشى مع السلوك الأمريكي، لكن لا شيء في أفعال السعودية يشير إلى تغير ممارساتها بشأن حقوق الإنسان".

ورغم احتجاجات المشرعين الأمريكين الحديثة، يقول بيندر إن قبول إدارة ترامب لسلوك السعودية الأخير يعد علامة مثيرة للقلق بشأن ثبات الوضع الراهن، ويضيف: "رغم ذلك فالكثير والكثير من أعضاء الكونغرس يتجهون للمعارضة مما يعني أن هناك زخمًا متزايدًا، مما يعني أن الوضع الراهن قد لا يستمر للأبد خاصة إذا استمرت الأفعال الوقحة للسعودية".

سباق التسليح من جانب واحد

في الوقت الحاليّ يبدو أن السعودية تشعر بالراحة تحت حماية إدارة ترامب حسب ما يقوله بيندر، فإعلان الطوارئ مثال واضح على كيفية حماية الرئيس الأمريكي للسعودية من الخضوع للمساءلة، ويتفق مع ذلك جيف أبرامسون الزميل في جمعية مراقبة السلاح وهي جمعية غير حزبية تركز على سياسات مراقبة الأسلحة الفعالة.

يقول أبرامسون: "من الواضح أن الولايات المتحدة لا تحصل على النفوذ الذي تعتقده وفقًا لسلوك السعودية في اليمن"، تمتلك السعودية خيارات أخرى فيما يتعلق بشراء السلاح وهو ما يستخدمه ترامب كمبرر لمواصلة نقل السلاح حتى بعد جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل السفارة السعودية في إسطنبول، فقد قال ترامب بعد أسبوع من مقتل خاشقجي: "سوف يأخذون المال وينفقونه في روسيا أو الصين أو أي مكان آخر".

كما تقدم الدول الأخرى أسلحة لا تستطيع الولايات المتحدة بيعها مثل تقنية الصواريخ الباليستية التي يحظر بيعها في الولايات المتحدة وفقًا للائحة التي تمنع بيع الصواريخ القادرة على حمل أسلحة دمار شامل.

ومن جانبها أوضحت السعودية أنها تنظر إلى برنامج السلاح كوسيلة للحفاظ على السيطرة على المواطنين ولتحدي أعدائها في المنطقة وتحديدًا إيران، قال ولي العهد محمد بن سلمان العام الماضي في مقابلة مع محطة "سي بي إس": "لا ترغب المملكة العربية السعودية في امتلاك أي قنبلة نووية، لكن بلا شك إذا طورت إيران قنبلة نووية فسوف نتبعها في أسرع وقت ممكن".

والآن بينما تشق مليارات الدولارات من السلاح الأمريكي طريقها للسعودية، يبدو أن سباق التسليح سوف يتصاعد، يقول أبرامسون: "يتسلح مجلس التعاون الخليجي الآن كإجراء مضاد لمواجهة إيران، لكن إيران في الحقيقة ليست هنا فيما يتعلق بالسلاح، إنه سباق تسليح من جانب واحد وهناك خلل واضح في توازن القوى".

المصدر: ميدل إيست آي