عرفت الجزائر خلال حراكها المتواصل منذ قرابة الأربعة أشهر، بروز العديد من المدن التي ظلت لسنوات تحت التهميش، وتحوّلهم إلى مركز للقرار والفعل، منها مدينة "خراطة"، مهد هذا الحراك، التي ينشد أهلها نيل نصيبهم من التنمية وثروات البلاد المنهوبة.

مهد الحراك الشعبي

في الـ16 من شهر فبراير/شباط الماضي، شهدت مدينة خراطة بمحافظة بجاية شرقي الجزائر التي تعد معقلاً لأحزاب معارضة، مظاهرة ضخمة، حيث خرج المئات من المتظاهرين، رافعين أعلامًا سوداء تعبر عن الألم ورفضهم الكبير لإصرار السلطات الحاكمة على فرض عبد العزيز بوتفليقة "القعيد" لخمس سنوات أخرى على كرسي الرئاسة.

ورفعت في التظاهرة لافتة كبيرة كتب عليها باللغة الفرنسية "لا للإهانة، ولا للولاية الرئاسية الخامسة"، كما ردد المتظاهرون شعار "السلطة مجرمة" و"الشعب يريد إسكات النظام" و"الولاية الخامسة.. ولاية العار" و"نعم لإسقاط النظام".

ينشد أهالي هذه المدينة الجبلية التغيير والتنمية ونصيبهم من ثروات بلادهم الهائلة التي ينعم بها قلة قليلة من المسؤولين

مظاهرة كانت الشرارة الأولى لمظاهرات أخرى ستشهدها مدن الجزائر المختلفة، ما أربك سلطات البلاد التي اتهمت منظميها والمشاركين فيها بتهديد الأمن العام واستقرار البلاد، رغبة منها في محاصرتها، حتى لا تسمح بتوسعها وانتشارها، الأمر الذي من شأنه إدخال البلاد في أتون "المجهول"، وفق تصور القائمين على النظام.

لم يهدأ بال سكان خراطة ولم يعودوا إلى بيوتهم ولم تُخفهم تهديدات السلطة، بل واصلوا الاحتجاجات بمعية باقي سكان البلاد، إلى أن تمكنوا من إحباط مخططات السلطة ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة.

لم يتوقفوا أيضًا عند هذا الحد، بل واصلوا الاحتجاجات والتظاهر، فالمطالب ارتفعت والإرادة قويت وهاجس الخوف رحل بلا عودة، حتى تمكنوا من الضغط على الرئيس المريض وأجبروه على الاستقالة من منصبه والرحيل عن قصر المرادية دون رجعة.

بعد المطالب السياسية.. الالتفات إلى المطالب الاقتصادية

تحققت المطالب الواحدة تلوى الأخرى، في انتظار رحيل رموز نظام عبد العزيز بوتفليقة ومحاسبتهم على ما اقترفوه في حق الجزائر وأبنائها لعقود عدة، فقد تفننوا في إيذاء الشعب والنيل من حريته والحط من كرامته.

في غضون ذلك، بدأ سكان مدينة خراطة التاريخية كغيرهم من سكان الجزائر في تنويع مطالبهم، فإلى جانب المطالب السياسية، برزت مطالب اقتصادية واجتماعية، فأهل هذه المدينة ينتظرون منذ عقود عدة نصيبهم من التنمية وثروات البلاد التي أفلح النظام السابق في تبديدها خدمة لمصالحه.

هذه المدينة التاريخية التابعة لمنطقة القبائل الصغرى الجزائرية (أمازيغ) على الطريق الرابط بين مدينتي بجاية وسطيف، تطمح أن تتطور وتقطع مع سياسة التهميش التي عرفتها طيلة عقود عدة، حتى يشهد أبناؤها تقدمًا ملحوظًا.

وتعاني هذه المدينة، مثل العديد من المناطق الجزائرية، من ارتفاع نسب البطالة، وبصرف النظر عن العدد القليل من برامج السكن الاجتماعي لم تستفد المدينة من مشاريع تنموية تذكر، حيث لم يظهر أي مشروع صناعي أو سياحي في هذه المنطقة منذ عدة سنوات. 

يؤكد سكان هذه المدينة البالغ عددهم 40 ألف نسمة، تهميش النظام لهم، فطيلة أيام السنة لا يتذكر مدينتهم أحد من الساسة، وما إن يأتي يوم الـ8 من مايو/آذار حتى تبدأ في كل لسان ويشد الجميع الرحال إليها لتأكيد وطنيتهم في ذكرى مجازر 8 من مايو/آذار 1945 التي ارتكبها المستعمر الفرنسي في حق سكان المدينة ومدن جزائرية أخرى راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء العزل.

ينشد أهالي هذه المدينة الجبلية التغيير والتنمية ونصيبهم من ثروات بلادهم الهائلة التي ينعم بها قلة قليلة من المسؤولين، ذلك أن مدينتهم تعاني الكثير من المشاكل في ظل التهميش الممارس حيالها من السلطات.

تتصدر قائمة مشاكل المواطنين، انعدام المياه، فرغم سد "إيغيل أمدة" الذي تمتلكه المدينة، فإن سكانها ما زالوا يتخبطون في رحلات البحث عن المياه الصالحة للشرب، وجلبها من مناطق بعيدة على ظهورهم أو حيواناتهم أو مركباتهم أو شراء صهاريج غير مهيأة للعملية على حسابهم.

كما تعاني المدينة وقراها من ضعف البنية التحتية، فأغلب الطرقات مثلاً في حالة يرثى لها كونها غير صالحة للاستعمال كالطريق الرابط بين خراطة مركز وقرى سبوكة وأيت لعزيز وإعفار، بالإضافة إلى الطرق الفرعية التي لم تعبد بعد، وتشهد إهمالاً كبيرًا من طرف القائمين عليها.

حال خراطة لا يختلف كثيرًا عن باقي مدن الجزائر، فمعظم مدن الجزائر تعيش تحت التهميش

يشتكي الأهالي أيضًا من عدم وجود قنوات للصرف الصحي في العديد من القرى على غرار قرى آيت لعزيز وبويلفان وإعفار وثاقمة وسبوكة والمنشار وبوشرطيوة، وإن وجدت فهي جزئية لا تمس جميع المناطق، كما هو الحال في بعض الأحياء الحضرية.

مشاكل المدينة لا تتوقف هنا فغيرها كثير، من ذلك تدهور قطاع النقل العمومي والصحة العمومية، فالمستشفيات هناك "مريضة" وتنتظر العلاج أكثر من المرضى في حد ذاتهم، كما يعاني الأهالي من الفقر وارتفاع نسب الانقطاع عن الدراسة.

إمكانات كبرى تنتظر التثمين

ما زاد من سخط الأهالي في خراطة أن مدينتهم تضم إمكانات طبيعية مهمة تخول لها أن تتحول إلى قطب سياحي مهم في شرق الجزائر، من ذلك الجبال التي تحيط بها من كل مكان، كأنها تحرس المدينة من أي خطر قادم.

وتتمتع المدينة أيضًا بغطاء غابي كثيف، تغلب عليه أشجار الرماد والصنوبر بنوعيه الحلبي والبحري والبلوط الأخضر والفليني والسنديان والفلين والأوكالبتوس، بالإضافة إلى الأرز الأطلسي وفستق الأطلس والشجيرات الكبيرة الناشئة وسط المياه التي غالبًا ما تتبع مسارات واضحة من نضارة الحياة.

كما تتميز المدينة بممرات "شعبة الآخرة" التي يعود إنجازها إلى سنة 1863 من طرف السلطات الاستعمارية وانتهت بها الأشغال سنة 1870، وهي عبارة عن طرق منحوتة في الجبال على شكل كورنيش على امتداد 8 كيلومترات وتطل على الواد والغابات.

رغم هذه الإمكانات المهمة، لم تعر السلطات أي اهتمام للمدينة، ما جعل الأهالي يخرجون إلى الشوارع للمطالبة بتنمية المدينة حتى تخرج من الوضع الصعب الذي تعيش فيه، الذي كان سببًا في نزوح العديد من الأهالي من هناك وتوجههم إلى مدن أخرى، علهم يجدون قوت يومهم.

حال خراطة لا يختلف كثيرًا عن باقي مدن الجزائر، فمعظم مدن الجزائر تعيش تحت التهميش، فالنظام توجه طيلة العقود السابقة إلى زيادة مكتسباته والترفيع في عدد معاملاته وإضافة الأصفار إلى حساباته في البنوك الأجنبية، دون أن يولي أي اهتمام لمشاغل الشعب ومتطلباته، وهو ما سرع بالانتفاض ضده وإجباره على الرحيل.