من الشائع جدًا أن تشعر النساء بالقلق من الحمل والمخاض والولادة بسبب آلام الانقباضات وعدم اليقين من تطورات ومضاعفات هذه المرحلة وما يتبعها من مسؤوليات والتزامات، لا سيما بالنسبة للحوامل اللواتي اقترب موعد ولادتهن أو ليس لديهن تجربة سابقة، ولكن في بعض الحالات الأخرى يتحول هذا الخوف إلى ذعر وهلع يتجاوز الشعور الاعتيادي، ما يؤثر بدرجة هائلة على مواقف وأفكار بعض النساء تجاه هذه التجربة.

تُعرف هذه الحالة علميًا بـ"توكوفوبيا" أو"رهاب الولادة"، وتشير الدراسات إلى أن انتشار الخوف بدرجة معقولة يرافق ما بين 18-31% من النساء الحوامل، أما الخوف الشديد (المرضي) ينتشر بنسبة 2-11% بين النساء ويسبب لهن أفكارًا سوداوية بشأن فكرة الإنجاب، فما الأعراض؟ وكيف يمكن التعامل معها؟

حين يسيطر الخوف على النساء

في البداية علينا الاتفاق بأن الحمل حدث نفسي واجتماعي وجسدي كبير في حياة كل امرأة، وبدلًا من أن تكون هذه التجربة سعيدة، قد تكون للبعض الآخر حدثًا مثيرًا للقلق والخوف وقد تأخذ هذه المشاعر منحى مرضيًا وتصبح الحامل بحاجة إلى العلاج والمساعدة الطبية، إلى جانب الدعم الذاتي والاجتماعي، لا سيما لو ظهرت عليها أعراض مثل الصعوبة في النوم ونوبات الهلع والكوابيس وصعوبة الارتباط والتعامل مع رضيعها.

تم وصف هذا الرهاب لأول مرة عام 1897، ووجد الباحثون أن هذا الخوف قد يبدأ من مرحلة المراهقة أو البلوغ المبكر، وبسببه قد تتجه النساء إلى خيارات بديلة عن الحمل مثل التبني أو حتى إلغاء فكرة الإنجاب من الأساس، وفي بعض الأحيان الأخرى، قد ينمو هذا الخوف نتيجة لتجارب حمل سابقة لم تكن ناجحة، أي أنها انتهت بالإجهاض أو بسبب خوض بعض الحوامل لتجارب سابقة مؤلمة جدًا في أثناء عملية التوليد أو ما بعدها.

قد تدفع هذه المخاوف بعض النساء إلى تجنب الاتصال الجنسي بالكامل لانعدام ثقتهن بموانع الحمل وخوفهن الشديد من هذه المرحلة، ما قد يؤثر تدريجيًا على الحياة اليومية والحالة المزاجية

كما تشمل الفرضيات المطروحة لتفسير هذا الاضطراب، وجود خلل في التوازن المعوي الهرموني العصبي المسؤول عن التحكم في القلق، أو بسبب المخاوف المتعلقة بالرعاية الطبية مثل عدم السيطرة على الألم والمضاعفات المخيفة مثل إنجاب جنين مشوه أو تغير شكل الجسم أو التعرض لمخاطر تسمم الحمل والتمزق المهبلي وحتى الخوف من الوفاة، أما الجانب النفسي، فقد ينتج عن ذكريات الطفولة المؤلمة أو الاضطرابات النفسية الشائعة مثل الاكتئاب أو تعرضهن لاعتداء جنسي تسبب بحملهن.

في الحالات الأكثر تعقيدًا، قد تدفع هذه المخاوف بعض النساء إلى تجنب الاتصال الجنسي بالكامل لانعدام ثقتهن بموانع الحمل وخوفهن الشديد من هذه المرحلة، ما قد يؤثر تدريجيًا على الحياة اليومية والحالة المزاجية وينمي مشاعر اليأس والعجز لدى المريضة ويصيبها بنوبات البكاء وفقدان الشهية والتفكير في الانتحار، وغالبًا ما تستدعي هذه الحالات تدخلاً طبيًا وعلاجًا دوائيًا لفترة لا تقل عن 3 شهور.

جدير بالذكر، أن بعض الأطباء يعتقدون أن رهاب الولادة هو سبب من أسباب طلب الحوامل المتزايد على عملية الولادة القيصرية بدلًا من الولادة الطبيعية أو المهبلية، ففي إحدى الدراسات التي أجريت في إيران، بلغت نسبة الولادة القيصرية الاختيارية نحو 72% ومنها 22% تم إجراؤها بناءً على طلب الأم.

ما الحل؟

لكي تعيش المرأة تجربة سارة، ينبغي أن تتجنب قصص الرعب عن الحمل والولادة والتركيز في المقابل على التجارب الإيجابية التي تهدف إلى إيصال معلومات طبية جيدة وتعليمية يمكنها أن تفيد المرأة في إدارة آلام المخاض، إذ يمكن اللجوء إلى اختصاصي لتقديم المشورة والمساعدة الطبية والنفسية اللازمة، من أجل سد جميع الفجوات المعرفية التي قد تثير بعض القلق، فلقد أثبتت إحدى الدراسات أن النساء اللواتي شعرن بأنهن يسيطرن على أجسادهن ومطلعات جيدًا على تفاصيل هذه المرحلة، كن أكثر نجاحًا في التخلص من الخوف والقلق وأعراضهما.

الأكثر أهمية في هذا الجانب، إيجاد مصادر مختلفة من الدعم الاجتماعي، فبالنسبة للكثيرين يعتبر وجود آخرين بجانبهم لمساعدتهم أمرًا مريحًا ويبعث الطمأنينة، ويمكن أن يحدث الدعم على أساس فردي أو من خلال مجموعات مثل الأصدقاء والأقارب وأفراد الأسرة أو الأطباء وعلماء النفس والمستشارين، يضاف إلى ذلك، العلاج الدوائي الذي يجري بناءً على إرشادات الطبيب أيضًا.

وجد الباحثون أن الرجال غالبًا ما ينمو لديهم شعور بالخوف الشديد فيما يتعلق بصحة وسلامة شريكهم وطفلهم، وتزداد حدة هذه المخاوف في الأمور التي ترتبط بالعلاجات الطبية والالتزامات المادية والقدرات الأبوية على التربية

وغالبًا ما تكون المرأة لم ترغب بالحمل من الأساس أو تعاني من تجارب جنسية مريرة وتفتقر للدعم النفسي والمعنوي من الشريك، ففي هذا الخصوص وجدت دراسة حديثة أن دعم النساء في هذه المرحلة يخفف من ذعرهن بنسبة 50%، وهي طريقة مثلى للوقاية من رهاب الولادة.

في النهاية، لا بد أن نشير إلى أن هذا الرهاب يصيب الرجال أيضًا، فلقد وجد الباحثون أن الرجال غالبًا ما ينمو لديهم شعور بالخوف الشديد فيما يتعلق بصحة وسلامة شريكهم وطفلهم، وتزداد حدة هذه المخاوف في الأمور التي ترتبط بالعلاجات الطبية والالتزامات المادية والقدرات الأبوية على التربية والتنشئة السليمة، بصفة عامة، في حين أن الخوف من الولادة يرافق كل امرأة حامل، فمن المهم دعم النساء خلال هذه الفترة وتوعيتهم بخياراتهن حتى لا تتطور الهواجس إلى صدمات واضطرابات مرضية في نهاية المطاف.