يعيش السودان تصعيد وتصعيد مضاد، أزمة سياسة خانقة تستحوذ على العلامة الكاملة في المشهد بأكمله، صمود المعارضة وتزايد رقعة التأييد الجماهيري لها، والإصرار على إقامة حكم مدني ديمقراطي حقيقي، مهما كلف البلاد من تضحيات، يتجاوز التوقعات في العالم أجمع، ولكن هناك بطولات منسية، لا تراها أعين الكاميرات، إذ تتفاقم أزمات معيشية ومخاطر متعددة كانت تهدد حياة المواطنين وتجبرهم دون غيرها على التذمر والعصيان في الماضي، ولا زالت، ولكنها تتوارى في الخليفة، ولا تزاحم المطالب السياسية حتى الآن.   

تزايد معدلات الفقر في السودان

منذ اندلاع الثورة وقيمة العملة في تذبذب مستمر، التضخم يتفشى ويؤثر على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية، في الوقت الذي تنخفض فيه القوة الشرائية بشكل ملحوظ بجانب النقص في الخبز وإمدادات الوقود، لبلد من أكثر دول العالم فقراً، رغم كثرة موارده، ويحتل المركز 167 من أصل 189 في تقرير الأمم المتحدة لعام 2018، ولا يتوقع له صندوق النقد الدولي معدل نمو أكثر من 2.3% للعام الحالي.

بحسب آخر دراسة لبرنامج الأغذية العالمي، يعاني حوالي 5.8 مليون سوداني من انعدام الأمن الغذائي، منهم 1.9 مليون شخص في دارفور، ومتوقع أن يتزايد هذا العدد بشدة، بعد دخول البلاد موسم الجفاف في مايو الماضي، وسبق للواء إبراهيم جابر، عضو اللجنة الاقتصادية في المجلس العسكري الانتقالي، الحديث عن بعض تفاصيل هذه المأساة، قبل شهر من الآن، وأكد أن السودان البالغ عدد سكانه 40 مليون نسمة، ليس لديه إمدادات من الدقيق أو الطحين، إلا ما يكفي حاجة البلاد حتى نهاية يونيو فقط.

التصريحات التي نقلها التلفزيون الرسمي عن جابر، وهو يحاول طمأنة المواطنين وتنبيهم في الوقت نفسه لما هو قادم، قبل احتدام الصراع مع قوى المعارضة بالطبع، قال فيها، أن المجلس استطاع تأمين الوقود لكل السودان، وتم نقله مباشرة إلى المحطات، وخاصة محطات التوليد الحراري التي عادت للعمل، ورغم ذلك تعاني معظم المناطق السكنية في العاصمة من انقطاعات شبه يومية في الكهرباء لساعات، ويزيد الانقطاع في الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة بالخرطوم إلى 47 درجة مئوية، ما جعل المجلس يدرس إصدار بطاقات خاصة للمواطنين لشراء الوقود كوسيلة لمواجهة نقص السيولة الذي تعاني منه البلاد منذ شهور، لتقليل حركة النقود خارج الجهاز المصرفي.

تدابير التقشف التي اتخذت في نهاية 2018 للسيطرة على ارتفاع تضخم يبلغ 73 %، ساهمت بشدة في الارتفاع الكبير بأسعار السلع الأساسية

في بداية الثورة السودانية، كانت مطالب توفير الخبز والسيطرة على غلاء المعيشة، حاضرة بقوة في العديد من المدن السودانية، على حساب المطالبة بالإصلاحات السياسية الحداثية كالدولة المدنية والديمقرطية، كما هو الحادث الآن، وكانت جل الرغبات تتخلص في ضرورة عمل حزمة إصلاحات اقتصادية، تمكن البلاد من وقف تدهور مستوى معيشة الغالبية العظمى من السكان، وهو ما رد عليه الرئيس الأسبق عمر البشر، بالتعهد بإجراء إصلاحات حقيقية، للسيطرة على الصدمة الأولى التي تعرض لها، بفعل عصيان لم يتعوده في سنوات حكمه الثلاثين.

البشير الذي لم يعلن إصلاحات واضحة، ومجدولة زمنيًا، لم تصل حكومته إلى أي حلول سحرية لتنفيذ تعهداته، وحل الأزمات الطاحنة التي تسببوا فيها، إلا بالإعلان عن برنامج تقشف طارئ، مقابل توفير السلع الأساسية، في الوقت الذي تراكمت فيه الديون على السودان، من جراء عبء دين خارجي يفوق الـ50 مليار دولار، معظمه مستحقات متأخرة، جعل من الخمسة أشهر الماضية، وهي عمر الاحتجاجات الشعبية، جحيم مستمر، وييدو أنه سيتطور أكثر، بعد الإصرار الصدام القاتل مع المجلس العسكري الحالي.  

تدابير التقشف التي اتخذت في نهاية 2018 للسيطرة على ارتفاع تضخم يبلغ 73 %، ساهمت بشدة في الارتفاع الكبير بأسعار السلع الأساسية والأدوية، ونقص الوقود والنقد في جميع أنحاء البلاد حاليًا، وهو ما انعكس بدوره على تآكل القوة الشرائية للأسر، وأصبح الكثير من السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية، في الوقت الذي يشتكى فيه المزارعون من ارتفاع تكاليف البذور والأسمدة والوقود، ما ينذر بكارثة على مستوى الأمن الغذائي للأسر خلال الأسابيع القليلة القادمة.

تناقص أوراق النقد، يشكل أزمة مرعبة للسكان، خصوصًا مع تفاقم ظاهرة وقوف العملاء في طوابير لساعات أمام البنوك وماكينات صرف النقد، سواء بسبب تعطل مطبعة الأوراق النقدية الوحيدة في البلاد منذ أوائل 2018 وحتى الآن، الأمر الذي دفع البنك المركزي إلى المسارعة في طلب أوراق نقدية من الخارج، أو لقيام كبار العملاء بإفراغ حساباتهم من البنوك، والبحث عن استثمار آخر بالخارج، بعد تعقد الأزمة السياسية، نهاية بالتزام البنوك السودانية، بالسير وفق قواعد التمويل الإسلامي، التي تحظر الفائدة، ولكنها في المقابل تقيد حجم الأموال التي يمكن للحكومة أن تجمعها محلياً من خلال أذون الخزانة والسندات التقليدية، وهي ادوات تمكن الدول المتعثرة من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، للحصول على الدعم، مقابل إصلاحات مؤلمة للصندوق لتصويب الأوضاع المالية.

ما الذي يحدث الأن ؟

أزمات لا حصر لها تعيشها الآن جميع الولايات السودانية، من نقص في مياه الشرب والري، إلى ندرة استمرار التيار الكهربي، بجميع أحياء العاصمة الخرطوم، ما فتح الباب لاحتجاجات واسعة من الأهالي، ووصل بهم ضيق الحال، إلى التنفيس عن غضبهم بالاعتداء على موظفي الكهرباء، الذين دعوا لإضراب عن العمل، وأغلقوا شارع جامعة الخرطوم بعربات معالجة البلاغات، للالتفات إليهم وحمايتهم من الاعتداءات المتكررة عليهم.

أما مياة الشرب، فتصاعدت أزمتها على جميع المستويات، باغلب المدن والولايات، وعلى رأسهم مدينة كوستي، كبرى محليات ولاية النيل الأبيض، التي تعيش أزمة كبرى، بسبب قطع المياة بشكل دائم، وبحسب تقدير الحكومة بناء على تقرير للأمانة الفنية للأمن الغذائي التابعة لها، يتعرضون حوالي 5.7 مليون من إجمالي أبناء السودان لأزمات كبيرة في المياة ولايحصلون عليها بشكل ميسور.

عيش 52 % من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، في تسع ولايات غير متأثرة بالصراع حاليا

وفقًا للتقرير الحكومي، لا تستطيع البلاد حاليًا، تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، أو معالجة سوء التغذية الحاد للأطفال من دون سن الخامسة، في ظل معاناة الطفل السوداني على مدار سنوات كثيرة مضت، جعلت 4 ملايين طفل لهذه الحقبة العمرية، يتعرضون للهزال سنويًا، منهم ما يقرب من 700 ألف طفل، يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم «SAM».

ولا تقتصر مستويات سوء التغذية المرتفعة فقط على المناطق المتأثرة بالصراع، إذ يعيش 52 % من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، في تسع ولايات غير متأثرة بالصراع حاليًا، من الجزيرة إلى البحر الأحمر وكسالا، علاوة على ذلك تتفشى الكثير من الأمراض دائمة الظهور في البلاد، مثل الحصبة والتهاب السحايا والإسهال المائي الحاد «AWD» ومؤخرًا الشيكونغونيا وحمى الضنك.
 

أطفال السودان في ازمة كبرى

إلى جانب ذلك، يعيش النازحون الذين يبلغ عددهم ما بين 90 إلى 45 ألف شخص، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وهم ثمار حكم البشير، جرائمه ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتكبها هو ونظامه ضد المدنيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور وأماكن أخرى، نفس الأزمات الإنسانية السابق ذكرها، والأسوأ تعرض المكاتب الإنسانية التي تدعمهم للنهب، وخاصة مخيم كالما للنازحين في نيالا، وجنوب دارفور.

إن الشعب السوداني وصل إلى حالة كبيرة من النضج، وأصبح على وعي تام بأزماته وأسبابها،

المخيمات مساحة إنسانية، هكذا تقول الأعراف والافتاقات الدولية، ومن المفترض أن تكون خارج مسببات التوتر السياسي، ولكن في السودان الأمر يختلف، فالنازحون الذي تشاركوا مع غيرهم في الهموم السياسية، وتحدثوا أمام الكاميرا عن أزماتهم، يتعرضون الآن للمضايقة والأذى، ما يهدد استمرار مجال الإغاثة والمساعدات الذي ينفذ حياة حوالي 4.4 مليون شخص في السودان.

تجاهل كل هذه المشكلات، والاستمرار في المطالبة بالإصلاحات السياسية، يعني أن الشعب السوداني وصل إلى حالة كبيرة من النضج، وأصبح على وعي تام بأزماته وأسبابها، وكيفية الخروج منها، فكما الصراخ يكون دائما على قدر الألم، لا تمطر السماء ذهبًا ولا فضة، ولا حرية أو كرامة ستمنح بالمجان، بل تطلب هذه الفضائل دفع الثمن مقدمًا، وهو ما يحدث الآن في السودان.