ينتظر السودانيون مآل المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، حتى ينطلقوا في بناء دولتهم الديمقراطية الحديثة التي تقطع مع ديكتاتورية الأنظمة السابقة، إلا أن تعدّد الوساطات ساهم في مزيد إحباط السودانيين، ذلك أنهم يخشون أن تكون في هذه الوسطات سببًا في تفاقم أزمة بلادهم وتحكّم القوى الخارجية في شؤونها الداخلية.

وساطة إفريقية

أولى هذه الوساطات، كانت إفريقية قادها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمنظمة "إيغاد"، وهي منظمة إقليمية تابعة للاتحاد الإفريقي، وتتولى شؤون السلام في المنطقة. وكان أحمد قد التقى مع قادة الجيش وقيادات الحراك السلمي السوداني في محاولة منه لإحياء المباحثات بين الطرفين بعد الفض الدموي لاعتصام القيادة العامة وتصاعد الإدانات الدولية للمجلس العسكري.

استعان أحمد في هذه المفاوضات، التي جاءت بناء على توصية من الاتحاد الإفريقي لاستكمال المفاوضات بين العسكر والحراك المدني، بثقله ومكانته الإقليمية للضغط على الأطراف السودانية ودفعها للعودة إلى الحوار، فهو مدعوم بشدة من جانب منظمة (الإيغاد) والاتحاد الإفريقي باعتبار أن إثيوبيا هي مقر الاتحاد.

يسعى الثلاثي العربي إلى استغلال علاقتهم الكبيرة والمميزة بأعضاء المجلس العسكري الانتقالي حتى يتمكّنوا من تنفيذ مخططاهم في السودان والمنطقة

وكانت قوات الدعم السريع (الجنجويد)، مستعينة بعناصر من الجيش وقوات الأمن السودانية، قد اقتحمت قبل أسبوعين، ساحة الاعتصام في العاصمة الخرطوم، حيث يعتصم المحتجون منذ أسابيع، وتم استخدام القوة والرصاص الحي ما أدى إلى مقتل وإصابة الكثير من المحتجين الذين أشعل بعضهم الإطارات محاولين إقامة حواجز لإعاقة فض الاعتصام، ما دفع قوى التغيير إلى وقف المفاوضات مع العسكر والدخول في عصيان مدني استمر لثلاثة أيام.

المتأمل في تطورات الوضع بعد زيارة آبي أحمد للسودان، يرى أن الوساطة قد نجحت نسبيًا، فقد وافقت قوى الحرية والتغيير على إنهاء العصيان والعودة للمفاوضات مع المجلس العسكري شريطة محاسبة المتورطين في "مذبحة فض الاعتصام"، وعودة خدمة الإنترنت التي تم قطعها قبل أسبوع، في انتظار أن يفي العسكر بوعوده.

الولايات المتحدة تعود

قبل عملية فض اعتصام القيادة العامة التي راح ضحيتها أكثر من 100 قتيل، لم تكن واشنطن تكترث بما يحصل في السودان، إلا أنها أعلنت مؤخرًا أن مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الإفريقية تيبور ناجي سيزور السودان هذا الأسبوع لحث المجلس العسكري الانتقالي وقوى المعارضة على استئناف الحوار والتأكيد على ضرورة وقف أي هجمات على المدنيين.

هذه الزيارة المعلن عنها، رافقها تعيين الولايات المتحدة السفير المتقاعد دونالد بوث مبعوثًا للسودان لما له من خبرة طويلة في الشؤون السودانية والإفريقية، وقد رافق بوث، تيبور ناجي، في لقاءاته مع كل من "قوى إعلان الحرية والتغيير"، وهو تحالف المعارضة الرئيسي، والمجلس العسكري الذي يمسك السلطة في البلاد الآن.

تأمل واشنطن في عدم خروج الأوضاع في السودان عن سيطرتها

يقول المسؤولون الأمريكيون إن بلادهم تسعى لوضع حدّ للفوضى في السودان وإنهاء الأزمة بين المحتجين والمجلس العسكري هناك، وذلك بهدف إقامة الدولة المدنية وإيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية بالسودان بما يمكنه من لعب دوره المهم في الإقليم.

ونقلت وكالة الأنباء السودانية عن ناج قوله إن المجتمع الدولي بأسره يريد نجاح المساعي الرامية للاتفاق على ترتيبات الفترة الانتقالية، وتحقيق التحول الديمقراطي في السودان. من جهتها، قالت قوى الحرية والتغيير في السودان إن لقاءها مع الوفد الأميركي الذي يضم ناج والمبعوث الأميركي الخاص دونالد بوث، تناول ضرورة تسليم السلطة للمدنيين.

ثلاثي عربي على الخط

التدخّل الإفريقي والأمريكي كان علنيا، لكن يوجد أيضًا تدخّلا سريّا تمثّل خصوصًا من قبل المحور الثلاثي الذي يضمّ كلًّا من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فهذه الدول الثلاثة تسعى سرًا لا للتفاوض بل لتغليب طرف على حساب آخر.

ويسعى هذا المحور إلى استغلال علاقته الكبيرة والمميزة بأعضاء المجلس العسكري الانتقالي، خاصة بنائب رئيس المجلس الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ "حميدتي"، والذي يتلقى دعمًا مباشرًا من هذه الدول، حتى يتمكّنوا من تنفيذ مخططاتهم في السودان والمنطقة.

يعمل هذا الثلاثي العربي على توفير الغطاء السياسي للمجلس العسكري السوداني، ودعمه خارجيًا، خاصة وأن العديد من القوى الإقليمية غير مطمئنة من عمل المجلس وسعيه للتفرّد بالسلطة في السودان عقب الإطاحة بعمر البشير.

يتأهب المجلس العسكري وقوى التغيير الآن لجولة تفاوض أخرى لتجاوز حالة الانسداد التي يعاني منها السودان حاليا

سبق أن أعلنت كل من السعودية والإمارات في الـ 21 من أبريل/نيسان الماضي، تقديم دعم مالي قيمته ثلاثة مليارات دولار للسودان. وقال بيان مشترك إن حزمة المساعدات تشمل خمسمائة مليون دولار كوديعة في البنك المركزي "لتقوية مركزه المالي، وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني، وتحقيق مزيد من الاستقرار في سعر الصرف"، وأضاف البيان "كما سيتم صرف باقي المبلغ لتلبية الاحتياجات الملحة للشعب السوداني الشقيق، وتشمل الغذاء والدواء والمشتقات النفطية".

تدويل الأزمة السودانية

تعدّد الوساطات سواء كانت علنية أو سرية، سرّع بتدويل الأزمة السودانية، ذلك أن كلّ طرف من الأطراف المتدخلة يسعى إلى فرض توجهه خدمة لمصالحه، وليس خدمة للشعب السوداني الذي يطمح في دولة ديمقراطية تعددية تقطع مع النظام الاستبدادي.

فالثلاثي العربي مثلًا، يسعى لدعم سلطة العسكر في السودان، رغبة منهم لعرقلة الانتقال الديمقراطي في البلاد وتسليم السلطة للمدنيين، وما هذه المساعدات المالية والدعم السياسي إلا وسيلة لتبيض وجه العسكر أمام الجماهير المعتصمة في الساحات والشوارع.

ويرى سودانيون أن هذا المحور يدعم المجلس العسكري وليس الشعب كما يدّعي قادته، ذلك أن دعمهم زاد في تصّلب موقف الجيش خلال المفاوضات التي يجريها مع قوى التغيير والديمقراطية في البلاد. وكانت هذه المفاوضات، قد فشلت في مرات عديدة نتيجة رفض المجلس العسكري الاستجابة لمطالب الجماهير السودانية المعتصمين.

أما في خصوص الولايات المتحدة، فلا يهمها من يمسك السلطة بقدر ما يهمها مصلحة بلادهم في هذه المنطقة الحيوية في إفريقيا، وتخشى واشنطن خسارة نفوذها هناك، لذلك عجّلت بالتدخّل حتى تضمن مصالحها في المنطقة.

يصرّ السودانيون على حقهم في دولة ديمقراطية

تدرك واشنطن أن تواصل غيابها عن السودان، سيؤدي إلى إقصائها نهائيًا، ذلك أن العديد من القوى الإقليمية والدولية مثل روسيا والصين تسعى لوضع يدها على السودان، لذلك قرّرت الرجوع رغبة منها في صنع الملامح السياسية للسلطة المستقبلية وتجاوز الخلافات التاريخية معها.

وكانت واشنطن قد ضمت السودان لقائمة ما تسميها الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993 على خلفية وجود أسامة بن لادن على أراضيه، وسبق أن أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان عن رغبته في إرسال وفد لواشنطن للبحث في إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ضرورة العمل مع كلّ الأطراف

يرى العديد من السودانيين، ضرورة عمل الأطراف التي تسعى للوساطة، مع المجلس العسكري الانتقالي وتجمع المهنيين السودانيين لوضع خطة طريق للانتقال الديمقراطي، عوض الاشتغال مع طرف على حساب طرف أخر فذلك سيزيد من حدّة الأزمة في البلاد وسيطيل موعد حلّها.

ويتأهب المجلس العسكري وقوى التغيير الآن لجولة تفاوض أخرى لتجاوز حالة الانسداد التي يعاني منها السودان حاليًا، التي كانت نتيجة إخلال العسكر بوعوده تجاه السودانيين واختياره نهج العنف والقتل لفض اعتصام القيادة.

يأمل السودانيون أن تضع هذه الجولة الجديدة من المفاوضات حدّا لأزمة بلادهم المتواصلة، فرغم سقوط عمر البشير بقي العسكر ماسكا بزمام الأمور في البلاد، وهو ما يمثّل حاجزا أمام إمكانية الانتقال نحو دولة ديمقراطية.