استهداف ناقلتي نفط في خليج عمان

يبدو أن النار المشتعلة لم تقتصر فقط على ناقلتي بحر عمان، إذ بات من الواضح أن المنفذين يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، نار للحرب في انتظار من يزيدها اشتعالاً، فالمنطقة لا تحتاج لمزيد من نذر المواجهة، فلم تكن تلك النذر أعلى صوتًا منها خلال الأسابيع الماضية، لا سيما بعد تكرار هجمات مماثلة قرب سواحل الإمارات في الخليج أيضًا.

من يتلهف لإشعال المنطقة؟ سؤال بات من الواضح أنه بلا إجابة، إلا أنه الأكثر حضورًا على موائد النقاش السياسي والإعلامي، ليس في أروقة المكتب البيضاوي في واشنطن أو نظيره في طهران فحسب، بل في دوائر الفكر والتحليل في دول الخليج العربي على وجه التحديد، خاصة السعودية والإمارات.

حشود عسكرية أمريكية تتأهب لما يقال بأنها تهديدات إيرانية يصاحبها تحذيرات طهرانية باستهداف المصالح الأمريكية حال المضي قدمًا في أي عمل عدائي، وبين هذا وذاك هناك من يترقب تطورات الوضع بين الساعة والأخرى، إلا أنه وفي المقابل فإن نشوب مواجهة مسلحة ربما يكون أمرًا مستبعدًا.

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يتهم وبشكل مباشر إيران بالمسؤولية عن الحادث، أعقبه الرئيس دونالد ترامب بتغريدة مؤكدًا من خلالها ما ذهب إليه وزيره، وأصدرت القيادة الوسطى للجيش الأمريكي بدورها بيانًا اتهمت فيه طهران لكنها أشارت إلى أنها لا تريد التورط في حرب بالمنطقة وستدافع عن مصالحها دون الدخول في حرب مع إيران.

وعلى الجهة الأخرى تنفي طهران كل الاتهامات الموجهة إليها بالضلوع خلف الحادث، معتبرة الهجوم عليها محاولة ابتزاز لإضعاف موقفها، محذرة في الوقت ذاته من الولوج في هذه المنطقة الخطرة التي من المرجح أنه سيكون لها تداعيات كارثية على المنطقة بأسرها.

ربما تمتلك طهران عناصر لتأكيد روايتها بشأن نفي الوقوف خلف هذا الحادث، ولواشنطن كذلك أسباب لتوجيه الاتهام، في ذلك ما عرضته من مواد فيلمية ربما تزيد من شكوكها، وفي ظل عدم وجود دليل ملموس ومباشر لا يمكن لأحد حسم الحقيقة بشكل رسمي، وبالتالي ستبقى حادثة خليج عمان وسابقتها في بحر العرب تحت تصنيف الهجمات اللقيطة، ورغم ذلك سيكون لها دور كبير في إعادة تشكيل خريطة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران خلال المرحلة المقبلة.

بين الاتهام والنفي

بعد دقائق معدودة من استهداف ناقلتي النفط "فرونت ألتاير" التي ترفع علم جزر المارشال و"كوكوكا كوريجس" التي ترفع علم بنما، اللتان كانتا تستعدان لمغادرة مينائي الجبيل في السعودية والرويس في الإمارات، الأولى باتجاه سنغافورة والثانية إلى تايوان، وجه الأمريكان أصابع الاتهام إلى طهران مباشرة.

الاتهام له ما يبرره من وجهة النظر الأمريكية في إطار سياسة الحرب الباردة التي تشنها ضد طهران، لا سيما بعد التهديدات الإيرانية السابقة بعرقلة تصدير أي نفط في المنطقة حال عدم تصديرها لنفطها وفق ما هددت به واشنطن قبل ذلك بشأن تصفير النفط الإيراني.

وزير الخارجية بومبيو كان الأسرع من حيث توقيت توجيه الاتهام لطهران تلاه ترامب ثم وزير الدفاع بالوكالة باتريك شاناهان الذي أوضح أن الإدارة الأمريكية تركز على بناء إجماع دولي عقب تلك الهجمات التي يصر الجانب الأمريكي على إلقاء اللوم فيها على الإيرانيين.

النفي الإيراني بشأن مسؤوليته عما حدث تزامنًا مع رفض السلطات هناك تبادل الرسائل مع ترامب بهذه الكيفية، في مقابل الإصرار الأمريكي على اتهامه لطهران وإن تراجع عن لغة التهديد رويدًا، لا ينفي حقيقة باتت واضحة خلال الفترة الأخيرة، وهي أن سوق النفط بات في خطر

تعززت تلك الاتهامات عقب نشر الجيش الأمريكي مقطعًا مصورًا قال إنه لعناصر من الحرس الثوري الإيراني وهم يزيلون عبوات ناسفة كانت على هيكل إحدى الناقلتين، هذا بخلاف ما أثير بشأن استهداف طهران لإحدى الطائرات الأمريكية بالقرب من مياه الخليج قبيل ساعات قليلة من الواقعة، وهو ما يجعل إيران متهمة بالوقوف خلف الحادثة، وفق ما ذهب إليه الكثير من المحللين، وذلك رغم عدم وضوح المقطع بصورة واضحة.

وفي الناحية الأخرى كان النفي سلاح طهران الوحيد للرد على تلك الاتهامات، حيث حمَل وزير الخارجية محمد جواد ظريف ما سماه فريق "بي" الذي يضم ولي عهد السعودية محمد بن سلمان ومحمد بن زايد ومستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون ورئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو، المسؤولية عن تأجيج الأوضاع.

ظريف اتهم هذا الفريق بالقيام بعملية استهداف ممنهج للمساعي الدبلوماسية في الوقت الذي يبرر فيه ما وصفه بالإرهاب الاقتصادي الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية بحق إيران، معتبرًا أن ما يحدث ليس إلا محاولة للتغطية على الجرائم الأمريكية بحق الإيرانيين.

هبوط حرارة الأزمة

المتابع للأحداث منذ استهداف الناقلتين أول أمس الخميس كان يتوقع تصعيدًا غير مسبوق، فالمؤشرات جميعها كانت تذهب إلى "رد قاسٍ" من الولايات المتحدة ضد إيران، خاصة بعد تصاعد خطاب العداء المغلف بعبارات الإدانة والاتهامات، ولعل الأجواء التي أحيطت بالمؤتمر الصحفي الذي عقده بومبيو لإلقاء بيان ترامب على الحادث دون قبول أسئلة ينذر بأن هناك تحركًا عاجلاً في هذا الإطار، غير أن حرارة الأزمة بدأت تهدأ رويدًا رويدًا مع الساعات التالية للحادث.

ليست المرة الأولى التي تنحاز فيها واشنطن إلى خيار التهدئة مع كل تصعيد مع طهران، ففي الوقت الذي تذهب فيه التصريحات الرسمية إلى آفاق بعيدة من التصعيد تتزامن مع أخرى تغازل مساعي التسكين، لتدخل الأزمة بعدها مباشرة نفقًا جديدًا من الحرب الكلامية والسجال الإعلامي بشأن استئناف المفاوضات وشروطها.

ترامب وإدارته على يقين تام أن المواجهة في هذا التوقيت ليست مرجحة بالمرة، وهو ما يفسر فقدان الحماس لها داخل البيت الأبيض، هذا بخلاف تحذيرات الكونغرس من التداعيات المترتبة على هذه الخطوة، فهناك العديد من الحسابات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تدفع واشنطن للتفكير ألف مرة قبل اتخاذ قرار كهذا.

فالمناخ العام الأمريكي ليس مع الرد العسكري في تلك الأثناء خشية التورط في مستنقع الإمدادات المكلفة، بجانب عدم ضمان رد الفعل الإيراني حال استهدافها عسكريًا، إضافة إلى عوامل انتخابية أخرى يراعيها ترامب وهو المقبل على معركة تكسير عظام بعد عدة أشهر للفوز بولاية جديدة.

وقبل هذا وذاك فإن غياب الإجماع بخصوص اليقين بمسؤولية طهران عن تلك الحوادث يثير الشكوك في نفس الكثير من صناع القرار الأمريكي، فالحيثيات التي قدمها ترامب وفريقه لم تكن قاطعة بالمرة، كون معظمها جاء عن طريق الاستنتاج وليس الأدلة الواضحة، كما أن السرعة في توجيه الاتهام لإيران كان عاملاً محوريًا في تعزيز حالة الشك.

ونتاجًا لتلك العوامل ورغم الحرب الكلامية المستعرة، فإن الجانب الأمريكي حرص مع كل بيان له على تأكيد استبعاد الدخول في حالة حرب في الوقت الحاليّ، مبررًا هجماته المتواصلة وعتاده العسكري المرسل للمنطقة بأنه دفاع عن مصالحه لا أكثر.. ليبقى السؤال: هل هذا هو الهدف الأمريكي الوحيد من وراء سياسة تأجيج الأوضاع مع إيران بين الحين والآخر؟

رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، في ضيافة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي

خريطة تفاوض جديدة

استهداف ناقلتي النفط في نقطة ميتة من خليج عمان بينما كان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في ضيافة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي لنقل رسالة من الرئيس الأمريكي إليه، ليس بالحادث العابر، إذ يحمل بين طياته العديد من الرسائل والمؤشرات التي تذهب بعيدًا عن النطاق الزمني والجغرافي للحادث.

النفي الإيراني بشأن مسؤوليته عما حدث، تزامنًا مع رفض السلطات هناك بتبادل الرسائل مع ترامب بهذه الكيفية، في مقابل الإصرار الأمريكي على اتهامه لطهران وإن تراجع عن لغة التهديد رويدًا، لا ينفي حقيقة باتت واضحة خلال الفترة الأخيرة، وهي أن سوق النفط بات في خطر.

ليست المرة الأولى التي يواجه فيها ممر مضيق هرمز وفروعه التهديدات التي تؤثر بلا شك على مستقبل ممر الطاقة الأهم في العالم، الذي بات يفتقد للأمن، ما قد يدفع العالم بأسره، مصدري الطاقة ومستورديها، لقراءة دقيقة للمرحلة الحاليّة، الأمر الذي سيلقي بتداعياته على سوق الطاقة دوليًا، ولعل البداية زيادة في أسعار البرميل مع الساعات الأولى لاستهداف الناقلتين لأكثر من 4% ليصل إلى 62.64 دولار للبرميل وفق ما ذهبت صحيفة "الغارديان" البريطانية.

مزيد من العقوبات الأمريكية ربما يكون هو السلاح الأقرب لواشنطن ردًا على اتهاماتها لطهران في مقابل إصرار الأخيرة على التمسك بثوابتها فيما يتعلق بمائدة حوار متكافئة تنطلق أولاً من سياسة التخلي عن تلك العقوبات

ترامب بعقلية التاجر يعرف جيدًا من أين تؤكل الكتف، فتغريدة واحدة يستطيع من خلالها إنعاش خزينة بلاده بالمليارات في ظل ما يعلمه يقينًا بشأن هشاشة بعض النظم الحاكمة في المنطقة العربية التي ترتعد فرائسها من مجرد التلويح بتسخين الأوضاع مع إيران التي تساعد بدورها في تحقيق الرئيس الأمريكي لمراده عبر تبادل التصريحات وتعزيز الحرب الكلامية بين الطرفين.

قبل أقل من شهر تقريبًا وصل التصعيد بين واشنطن وطهران حدودًا اعتبرها البعض إرهاصات حرب عالمية ثالثة، لوحت واشنطن بالعقوبات وجيشت عتادها العسكري في الشرق الأوسط، وأوهمت العالم حينها أن الضغط على زناد الصاروخ الأول بات مسألة وقت، في المقابل أطلقت منصة طهران العديد من التصريحات التي تحذر الأمريكان من أي عمل عدائي ضدها.. هذا الفيلم أسفر حينها عما يقرب من 8 مليارات دولار ذهبت للخزانة الأمريكية في صورة صفقات تسليح مع السعودية والإمارات والأردن.

أمريكا تسعى من وراء هذا التصعيد إلى تحسين موقفها التفاوضي مع طهران التي بدورها تؤكد من خلال رفضها لرسائل ترامب ضرورة تغيير واشنطن لمنطلقاتها في أصل فكرة التفاوض، فما تريده إيران حقيقة هو أن تغيّر أمريكا إستراتيجيتها في طرح الحوار وبالتالي بناء طاولة مفاوضات على أسس مختلفة.

مزيد من العقوبات الأمريكية ربما تكون السلاح الأقرب لواشنطن ردًا على اتهاماتها لطهران في مقابل إصرار الأخيرة على التمسك بثوابتها فيما يتعلق بمائدة حوار متكافئة تنطلق أولاً من سياسة التخلي عن تلك العقوبات، فكلا الطرفين يعتمدان في منطلقاتهما على سياسة النفس الطويل، بينما آخرون في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه تلك الجولة من الحرب الباردة بين البلدين.

وعلى الأرجح فإن التصعيد الأخير ربما يقود إلى مزيد من التوتر ويعطي فرضيات أكبر لصدامات بعضها ربما لم يكن متوقعًا، مع استبعاد فرضية المواجهات العسكرية في الغالب، هذا بخلاف فتح الباب أمام وساطات عدة، الأمر الذي سيزيد الوضع في المنطقة تعقيدًا أكثر مما هو عليه الآن، وسيجد حلفاء واشنطن أنفسهم بين مطرقة الدفع مقابل الحماية وسندان تهديد مستقبل موردهم الأول اقتصاديًا.