"لو كان هناك ما يستحق أوسكار الأسرع في العالم لكانت الأسعار في مصر..." لخص هذا التعليق الصادر عن أحد المصريين حقيقة المشهد العام والمعاناة التي يعانيها ملايين من محدودي ومتوسطي الدخل في المحروسة جراء السرعة الجنونية لقطار الأسعار الذي حطم الأرقام القياسية دون استثناء.

وبينما يؤمل مواطنو العالم أنفسهم كل صباح بمؤشرات تنموية تسهم في تحسين أوضاعهم، إذ بالوضع في مصر يختلف شكلاً ومضمونًا، فالجميع يحبس الأنفاس في انتظار موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، موجة يعتقد الكثيرون أنها ستتزامن مع انطلاق فعاليات بطولة الأمم الإفريقية التي ستقام في مصر خلال الفترة من 21 من يونيو الحاليّ حتى 19 من يوليو القادم.

التحريك المتوقع في الأسعار يأتي استجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي في إطار خطة الإصلاح المقدمة من الحكومة المصرية للحصول على القرض المقدر قيمته بـ12 مليار دولار، تلك الخطة التي تتمحور حول رفع الدعم نهائيًا عن السلع والخدمات المقدمة.

حالة من الترقب تخيم على الشارع المصري الآن ترقبًا لقرار رفع أسعار مواد الطاقة وما يترتب عليه من تداعيات أخرى، يجسدها المزاج العام على منصات السوشيال ميديا، والأخبار المتناقلة بشأن موعد تنفيذ القرار المتخذ سلفًا، وبين التأكيد والنفي ينتظر المصريون الخبر من باب "وقوع البلاء ولا انتظاره".

تذاكر المترو.. البداية

مساء الخميس الماضي فوجئ المصريون بإعلان وزارة النقل، ممثلة في الشركة المصرية لإدارة وتشغيل مترو الأنفاق، زيادة سعر تذكرة مترو أنفاق الخط الثالث إلى 10 جنيهات، بالتزامن مع افتتاح المحطات الجديدة أمام الركاب، اعتبارًا من السبت 15 من يونيو الحاليّ.

القرار غير الممهد له إعلاميًا ويمس الملايين من مستخدمي المترو كوسيلة انتقال رئيسية في شوارع القاهرة الكبرى أثار حالة من السخط لدى الشارع خاصة أن قيمة الزيادة لم تكن مبررة، إذ ارتفعت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة إلى 1000% هذا في الوقت الذي تراجعت فيه قيمة الدخول الثابتة بعد قرار تعويم الجنيه المصري في 2016 ناهيك عن زيادة الرواتب من الأساس.

قرار رفع أسعار الوقود ليس الأول من نوعه، كونه يأتي في إطار خطة تحرير سعر الوقود التي بدأت في الـ3 من نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حين اتخذ البنك المركزي قرارًا بتعويم الجنيه مُقابل العملات الأجنبية

كامل الوزير، وزير النقل الحاليّ والرئيس السابق للجنة الهندسية بالجيش المصري، برر قرار رفع الأسعار بمحاولة تقليص الخسائر التي يواجهها الخط الثالث للمترو، التي قدرها بـ9 ملايين جنيه شهريًا، لافتًا إلى أن رفع أسعار التذاكر سيخفض الخسائر إلى 4 ملايين فقط.

يذكر أن تذاكر المترو الذي يستقله يوميًا أكثر من 5 ملايين راكب، شهدت قفزات متأرجحة في أسعارها منذ تدشين الخط الأول الذي كان يربط بين محطة حلوان ورمسيس (القاهرة) عام 1987، حيث كانت البداية 10 قروش للتذكرة، ارتفعت إلى 25 قرشًا عام 1989 عقب افتتاح الخط الأول بالكامل ثم وصلت إلى 75 قرشًا عام 2002.

عام 2006 تم إلغاء نظام المراحل في سعر التذكرة، وتم تحديد سعر موحد قيمته جنيه واحد، ظل على هذه القيمة حتى عام 2017 حين قرر الدكتور هشام عرفات وزير النقل الأسبق تطبيق زيادة موحدة على التذكرة لتصل إلى جنيهين بدلاً من جنيه واحد، وبعد عام واحد فقط زادت إلى شرائح تتراوح بين 3-5 جنيهات وصولاً إلى المرحلة الأخيرة 10 جنيهات لمن يزيد على 16 محطة.

ارتفاع تذاكر الخط الثالث من مترو الأنفاق إلى 10 جنيهات 

الكهرباء ثم الوقود

أيام قليلة ويستقبل المصريون فواتير الكهرباء بأسعارها الجديدة، بعد الزيادة التي أقرها وزير الكهرباء في الـ20 من مايو الماضي، يبلغ متوسطها نحو 15%، وتطبق من أول يوليو/تموز المقبل، امتثالاً لخطة تحرير أسعار الكهرباء على مدى خمس سنوات وفق إملاءات الصندوق الدولي.

اللافت للنظر في الزيادات الجديدة أنها جاءت بنسب أكبر على محدودي الدخل، إذ وصلت 38.8% للشريحة من صفر حتى 200 كيلووات، وهي الشرائح الأكثر استخدامًا في المنازل المصرية، بينما أصحاب معدلات الاستهلاك العالية لم تتجاوز نسب الزيادة 3% وذلك للشريحة الاستهلاكية بين 651 إلى ألف كليووات شهريًا.

وينتظر المصريون بين الساعة والأخرى قرار رفع أسعار الوقود الذي يباع حاليًّا للمستهلكين بنسبة تتراوح بين 85% و90% من سعر السوق العالمي، ورغم عدم وجود تفاصيل كاملة بشأن نسب الزيادة المقررة فإن جل التوقعات تذهب إلى أن الحكومة تخطط لأن تصبح أسعار الوقود في مصر مماثلة لنظيراتها على المستويات الدولية.

بطولة الأمم الإفريقية التي تحتضنها مصر حاليًّا ربما تكون فرصة جيدة لتطبيق الزيادات الجديدة، حيث استغلال انشغال المصريين الشغوفين بكرة القدم بالبطولة وتمرير القرار مما يقلل من وقعه وردود الفعل بشأنه

قرار رفع أسعار الوقود ليس الأول من نوعه، كونه يأتي في إطار خطة تحرير سعر الوقود التي بدأت في الـ3 من نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حين اتخذ البنك المركزي قرارًا بتعويم الجنيه مُقابل العملات الأجنبية، تلاه اتخاذ الحكومة قرار برفع أسعار الوقود، ليرتفع سعر بنزين (80) من 1.6 إلى 2.35 جنيه بزيادة نحو 46.8%، وارتفع سعر بنزين (92) من 2.6 إلى 3.5 جنيه للتر بزيادة 34.6%، وقبل نهاية يونيو/حزيران 2017، قررت الحكومة تحريك أسعار الوقود للمرة الثانية بعد التعويم بنسب تراوحت بين 43% و55%.

وفي يونيو/حزيران 2018 رفعت السلطات المصرية الوقود للمرة الثالثة بنسب تجاوزت 50%، ليرتفع سعر بنزين (80) إلى 5.5 جنيه للتر الواحد، وارتفع سعر بنزين (92) إلى 6.75 جنيه، في حين ارتفع سعر بنزين (95) الأقل استخدامًا من 6.6 جنيه إلى 7.75 جنيه.

قفزة متوقعة في أسعار الوقود

بطولة الأمم الإفريقية.. التوقيت المناسب

وفق ما تم تسريبه مسبقًا كان من المفترض أن يكون قرار الزيادة في أسعار الوقود منتصف يونيو الحاليّ، إلا أن تأجيله حتى الآن أثار الكثير من التساؤلات عن دوافعه الحقيقية رغم التصديق على القرار والانتهاء من مناقشة تفاصيله داخل أروقة مكاتب وزارة البترول والطاقة ومجلس الوزراء.

البعض ذهب إلى أن بطولة الأمم الإفريقية التي تحتضنها مصر حاليًّا ربما تكون فرصة جيدة لتطبيق الزيادات الجديدة، حيث استغلال انشغال المصريين الشغوفين بكرة القدم بالبطولة وتمرير القرار مما يقلل من وقعه وردود الفعل بشأنه، خاصة في ظل انتشار عشرات الآلاف من عناصر الأمن في الشوارع والميادين تأمينًا للمباريات.

ورغم استجابة المصريين لمثل هذه القرارات دون توقع أي رد فعل مناهض لها فإن آخرين ألمحوا إلى أن ارتفاع أسعار تذاكر المترو والإعلان مسبقًا عن رفع قيمة فواتير الكهرباء ربما كان السبب في تأجيل زيادة الوقود لعدد من الأيام، التقاطًا للأنفاس، خاصة أن الزيادات تأتي جميعها في وقت واحد يتزامن مع نهاية السنة المالية وبداية أخرى جديدة.

نسبة زيادة متوقعة تتراوح بين 10-25% في سعر بعض المنتجات الزراعية على رأسها الطماطم والفاصوليا والبطاطس، مع دخول القرار حيز التنفيذ

ترقب موجة ارتفاع في الأسعار

في الوقت الذي ربما يقلل فيه رفع الدعم عن منتجات الطاقة الضغط على الموازنة، إلا أنه في المقابل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع، بما يزيد من معاناة الأشخاص العاديين، وخاصةً الأكثر فقرًا، ذلك لأن قرار كهذا سينسحب بالتبعية على بقية أسعار السلع والخدمات شديدة الصلة بالمواطنين.

ورغم المساعي التي تبذلها الحكومة المصرية لتقليل العجز في الموازنة عن طريق سياسة الاقتراض فإنها ستكون أمام تحدٍ آخر يتعلق بوجوب سداد 21.6 مليار دولار من أقساط القروض والفوائد للدائنين الدوليين، الأمر الذي يدفعها إلى اقتراض 47 مليار دولار أخرى لتلبية احتياجات الإنفاق في السنة المالية الجديدة، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على قيمة العملة المحلية ومنظومة الأسعار بصفة عامة.

ارتفاع معدلات التضخم بعد زيادة الأسعار

محسن التاجوري رئيس شعبة الأخشاب بغرفة القاهرة التجارية، أبدى تخوفه من ارتفاع أسعار الأخشاب مع الزيادات المرتقبة في أسعار البنزين، مؤكدًا أن هذه الزيادات سوف تؤثر بالسلب على الأخشاب في السوق المحلية وتؤدى إلى ارتفاع أسعارها بعد ارتفاع أسعار النولون.

رئيس شعبة الأخشاب أشار في تصريحات له أن زيادات الأسعار تساهم في ركود السلع في السوق المحلية، موكدًا أن مصر تستورد أغلب الأخشاب من الخارج نظرًا لعدم توافر البيئة المناسبة للأخشاب، وهو ما سيكون له انعكاسات كبيرة على حركة البيع والشراء في هذا القطاع.

الأمر ذاته أكده عبد المنعم جميل، تاجر محاصيل زراعية، لافتًا إلى أنه من الطبيعي حدوث تحريك في أسعار الخضراوات والمحاصيل مع زيادة أسعار الوقود، كون عملية النقل التي تمثل نسبة كبيرة في كلفة المحصول ستتأثر بهذه الزيادات ومن ثم ستنعكس على المنتج النهائي للمواطنين.

التاجر المصري في حديثه لـ"نون بوست" كشف أن نسبة زيادة متوقعة تتراوح بين 10-25% في سعر بعض المنتجات الزراعية على رأسها الطماطم والفاصوليا والبطاطس، مع دخول القرار حيز التنفيذ، هذا بالإضافة إلى ما أبداه من توقع نسبة أكبر في أسعار الدواجن واللحوم وغيرها من السلع التي تمثل عصب البيت المصري.

تحرير أسعار الوقود سيسهم وبشكل كبير في ارتفاع معدلات التضخم، بنسب تتراوح بين 2.5 - 3.5% وفق ما ذهبت إليه عالية ممدوح كبيرة الاقتصاديين ببنك الاستثمار "بلتون"، فيما توقع الخبير الاقتصادي محمد سعيد أن تصل نسبة الزيادة إلى 18%  خاصة أنه سيصاحبها تطبيق الزيادة المقررة في أجور موظفي القطاع العام وأصحاب المعاشات، وذلك بعد إعلان زيادة الحد الأدنى لأجور العاملين من 1200 إلى 2000 جنيه بزيادة قدرها 66% بدءًا من بداية العام المالي الجديد.