الأمير محمد بن سلمان

في غمرة اندفاعه إلى صدارة المشهد السياسي قُبيل تنصيبه وليًا للعهد في بلاده أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوضوح أن التناقض بين المملكة وإيران تناقض جذري وجودي لا يتعلق فقط بمواقف طهران بقدر تعلقه بطبيعة نظامها والأسس التي يقوم عليها.

انطلاقًا من هذه الحقيقة أكد ولي العهد أن محاولات إقامة سلام مع إيران مجرد مضيعة للوقت، ولا سبيل للتعامل مع مثل هذه الأنظمة سوى المواجهة التي هدَّد في ذلك الوقت بنقلها إلى الداخل الإيراني.  

كان ذلك موقفًا ظل يمثل في نظر الكثيرين أساسًا في سياسة الرياض تجاه طهران، إلى أن عاد ولي العهد السعودي مؤخرًا ليؤكد أن بالإمكان قبول إيران والتعامل معها إن التزامت بشروط حددها، وذلك خلافًا لتصريحاته السابقة التي توعد فيها بشن حرب على إيران.

"يد المملكة ممدودة بالسلام مع إيران"

"نعرف أن هدف النظام الإيراني الرئيسي هو الوصول إلى قبلة المسلمين، لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية، سوف نعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران وليس في السعودية"، هذا ما قاله ولي العهد في زمن غير بعيد في مقابلة مع التليفزيون السعودي.  

ويبدو أن ثمة من كان ينتظر هذا القول، فالتقط رسالة ولي العهد السعودي باكرًا وأنتج له حربًا يحسمها وعدوًا يسحقه، بل وشعبًا على الضفة الإيرانية من الخليج يهتف باسمه، لكن ذلك كان في العالم الافتراضي، وأُنتج بتقنيات رسوم توضيحية متقدمة وبلغات عدة بينها العبرية.

الرجل اختار التهدئة على غير عادته وعادة المسؤولين السعوديين الذين يشاطرونه العداء لإيران وأذرعها العسكرية في المنطقة

لكن محاكاة الخيال تظل قاصرة على أن تكون مجرد أمنيات، فالواقع يقول إن السعودية اُستهدفت مرارًا، وقُصفت مطاراتها المرة تلو الأخرى بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وضُربت خطوط نقل النفط بدقة في منطقة الرياض، أي عاصمة البلاد.

كان المتهم معروفًا حينها لدى ولي العهد السعودي، وهو الحوثيون رسميًا، ومن ورائهم إيران التي تتهمهما الرياض بالوقوف إلى جانبهم دعمًا وتسليحًا، وهذا يعني على الأرض أن المعادلة التي جهر بها الرجل القوي في المملكة بنقل الحرب إلى إيران قُلبت رأسًا على عقب، بينما لا تزال إيران كما كانت دولة قوية في الجوار وإن كانت محاصرة، وقادرة على الإيذاء وفق ما تُتهم به.

والحال هذه، ماذا يقول الأمير الشاب وولي العهد ووزير الدفاع في المملكة؟ للوهلة الأولى يذهب الظن إلى أنه سيُصعِّد، وربما يرتدي الزي العسكري ويشرف على خطط الدفاع والهجوم، لكن الرجل اختار التهدئة على غير عادته وعادة المسؤولين السعوديين الذين يشاطرونه العداء لإيران وأذرعها العسكرية في المنطقة.

بالأمس القريب، التقته إحدى الصحف التي تمولها بلاده، وسألته عن موقف المملكة تجاه الاضطرابات الخطيرة التي تهدد أمن المنطقة وكيفية تعاملها مع هذا التصعيد، فأجاب بأن يد المملكة ممدودة بالسلام مع إيران لتجنيب المنطقة وشعوبها ويلات الحروب والدمار، ثم كررها في رده على سؤال آخر وأتبعها بقوله: "بما يحقق أمن المنطقة واستقرارها"، لكنه أضاف أنها "لن تتردد في التعامل مع أي تهديد للشعب وسيادته ومصالحه الحيوية".   

الأمير محمد بن سلمان متحدثًا الى رئيس تحرير الشرق الأوسط غسان شربل

"لا نريد حربًا في المنطقة"، عبارة لخص بها ابن سلمان حوارًا طويلاً مع صحيفة "الشرق الأوسط"، فبدا من خلالها الأمير السعودي الذي وصفته يومًا صحيفة "إندبندنت" البريطانية بـ"العدواني والطموح والرجل الأخطر في العالم"، أكثر مهادنة وبدت عباراته الدبلوماسية أكثر انتقاءً، فأين ذهبت التهديدات السابقة؟

يعني ذلك تعويمًا للموقف ليُفهم كما يريد المستمع أو المتلقي، وليس بأي حال موقفًا حاسمًا من أمير قدَّم نفسه باعتباره "أمير للحسم"، لكن الحسم قد يكون في قوله إن بلاده تؤمن بأن على المجتمع الدولي أن يتخذ موقفًا حازمًا تجاه بما وصفه "النظام الإيراني التوسعي الذي يدعم الإرهاب وينشر القتل والدمار على مر العقود الماضية"، وأن على نظام الأخيرة أن يختار بين أن تكون بلاده دولة طبيعية وتتوقف عن دورها العدائي أو أن تكون دولة مارقة.   

مواجهة إيران.. تجنب السيناريو الأسوأ

هل يرمي ابن سلمان بهذا القول الكرة في ملعب الآخرين وتحديدًا الولايات المتحدة؟ يبدو على الأغلب أن ذلك رهان الرجل وحلفائه في الإقليم، ويتمحور حول التخلص من القوة الإيرانية بالنيران الأمريكية، على أن تكون دول المنطقة وتحديدًا تلك المنضوية في الإستراتيجية الأمريكية مجرد صور في خلفية المشهد، أي أنها ربما تدفع وتموِّل، لكنها لا تريد أن تتصدر المشهد إذا أصبح دمويًا وكارثيًا.

ويبدو أن تجنب السيناريو الأسوأ هو ما خلص إليه الأمير الشاب الذي تُوضع قراراته في خانة التهور، ويعرفه الكثيرون باندفاعه غير المحسوب، فقد ورَّط السعودية في أكثر من مأزق، بدءًا من حرب مستعرة في اليمن وضعت السعودية تحت مرمى الحوثي، وحتى جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي التي لم ينسها العالم بعد.  

رغم أن التصعيد الأخير في مياه الخليج يبدو فرصة سانحة أمام محمد بن سلمان للنيل من إيران، لكنه بدا أكثر ترددًا حتى وهو يحمِّل طهران مسؤولية تفجير محطات النفط أو الاعتداء على الناقلات

ويطرح ذلك وفق كثيرين معضلة أن تعجز الدولة عن الدفاع عن نفسها ومواجهة إيران بشكل مباشر حتى إن تسلحت حتى أسنانها، فالسعودية التي يصفها البعض بـ"القوة العظمى في الشرق الأوسط" أصبحت في أسوأ أوضاعها منذ عقود أمام قوة صغيرة العدد والعتاد تؤكد المملكة أنها مجرد ميليشيا محدودة القدرات.

الحديث هنا عن الحوثيين الذين يتقافزون الآن داخل أراضيها ويغنمون مواقع آليات ثقيلة للجيش السعودي ويقصفون مطارات ومدن، ورغم الضربات التي تعرضت لها مناطق حيوية بالسعودية على أيديهم على مدار الأسابيع القليلة الماضية، طرأ - وبشكل مفاجئ - تغيير في نبرة الوعيد والتهديد التي تبناها ولي العهد تجاه إيران إلى نبرة هادئة تدعو للسلام.

في المقابل، يُختزل السلاح الأكثر تدميرًا للرياض في رؤية ولي العهد وزيارته لجنوده في الحد الجنوبي، حيث يواجه هؤلاء عدوًا اُستهين به أكثر مما يجب فألحق الأذى بما يفوق أكثر التوقعات تشاؤمًا، لكن الأمير الزائر لا يقدم هنا حلولاً بقدر ما يرتجل خطابًا لرفع المعنويات، بينما يبدو الوضع على الأرض أسوأ وأكثر تعقيدًا لو أُضيفت طهران للحوثيين.

ابن سلمان في زيارته للحد الجنوبي للمملكة

ورغم أن التصعيد الأخير في مياه الخليج يبدو فرصة سانحة أمام محمد بن سلمان للنيل من إيران، لكنه بدا أكثر ترددًا حتى وهو يحمِّل طهران مسؤولية تفجير محطات النفط أو الاعتداء على الناقلات قبالة ميناء الفجيرة وفي خليج عُمان، ربما لأن اللعبة هذه المرة مع الكبار، فإي إستراتيجية ستعتمدها الرياض لمواجهة طهران إذا قررت تنفيذ ما هددت به يومًا في حال صحة تورط إيران في مهاجمة ناقلات النفط خليج عُمان وقبله في منطقة مقابلة للفجيرة في الإمارات؟

لا يُعرف بعد أي شيء عن خطط وُضعت أو اُعتمدت إلا ما اُختبر من خطاب إعلامي يتهرب من المواقع بتقنيات الرسوم التوضيحية فلا يقاربه ولا يواجهه، وهو ما راكم الهزائم ولم يحقق أي انتصار يُذكر.

السر وراء تراجع اللهجة العدائية مع إيران

على عكس ما بدا في تصريحات ابن سلمان من تحول جذري في المواقف تجاه إيران، تبارى بعض المؤيدين لسياسات المملكة في قراءة الرسائل التي ترغب السعودية في توجيهها إلى المجتمع الدولي، متجاهلين النبرة المختلفة التي تحدث بها ولي العهد للمرة الأولى منذ ظهوره في المشهد السياسي السعودي.

على سبيل المثال، في مقال لموقع "سي إن إن" بالعربية، اعتبر رجل الأعمال السعودي سلمان الأنصاري، وهو رئيس لجنة العلاقات العامة الأمريكية السعودية  "سابراك"، أول "لوبى" سعودى فى قلب أمريكا، أن حوار ابن سلمان "يمثل صفعة قوية للنظام الإيراني، وإبراز لمدى حزم القيادة السعودية في مواجهة محاولات هذا النظام المستمرة في زعزعة أمن واستقرار المنطقة والعالم".

التغير السريع في اللهجة العدائية الصدامية مع إيران، يراها البعض دليلاً على ارتباكه وتأكيدًا على ضعف موقف الرياض في مواجهة إيران بمفردها

أمَّا وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش فقد أشاد بمقابلة ابن سلمان، وغرد بعيدًا عن ذكر سيرة إيران التي اعتاد توجيه الاتهامات لها، ثم عرج إلى الثناء على دعوة ولي العهد للعمل والإنجاز في منطقة صعبة وظروف حساسة، وكتب على تويتر: "شدني رده التالي: يجب ألا نكون أسرى لأوضاع راهنة مؤقتة تمنعنا من العمل على تحقيق واجبنا.. وهو النهوض بدولنا".

في المقابل وعلى عكس ما يراه هؤلاء من اتساع رقعة رسائل ابن سلمان، تبدو تصريحات ولي العهد السعودي في المقابلة موجهة بالدرجة الأولى للداخل السعودي، وذلك لاعتبارات كثيرة منها الترويج لانتصاراته "الزائفة" بصد هجمات الحوثيين خاصة بعد تعرض بلاده خلال الأيام القليلة الماضية لهجمات بمناطق حيوية مثل مطار أبها وأرامكو.

أمَّا التغير السريع في اللهجة العدائية الصدامية مع إيران، فيراها البعض دليلاً على ارتباكه وتأكيدًا على ضعف موقف الرياض في مواجهة إيران بمفردها، وهو ما دفع ولي العهد السعودي للاستنجاد بالمجتمع الدولي في موقف قريب من آخر دعت فيه الولايات المتحدة المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم من إيران.

وفي استجداء السعودية الآخرين للدفاع عنها ما يدعو للسخرية، خاصة في وقت تهدد وتتوعد فيه بالرد على ما تسميها استفزازات إيران، ويثير التساؤلات عن عجز دفاعات السعودية عن التصدي لهجمات الحوثيين المتكررة والدقيقة، رغم بساطة صواريخهم بالمقارنة مع الأسلحة الحديثة الباهظة التي تمتلكها السعودية.

وفي حين يبدو أن آخر ما تريده المملكة - وفق كلام ابن سلمان الأخير - هو حرب مع إيران وفتح جرح جديد قد لا تقتصر آلامه على منطقة الخليج فقط، فإن ذلك لا ينفصل عن المواقف الأمريكية المتذبذبة أيضًا بشأن العلاقة مع طهران من التهديد بالتصعيد العسكري إلى الحديث عن قبول مبدأ الحوار والتسوية السياسية.

ولعل ما يؤكد الارتباط السعودي بالنبض الأمريكي في هذا الشأن تلك التصريحات التي أدلى بها ترامب منذ أسابيع قليلة في حضرة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في طوكيو، وتبنى فيها لهجة تصالحية بالتوازي مع الحشود العسكرية الأمريكية التي تجوب بر المنطقة وبحرها، بل غازل ترامب إيران حينها بقوله إن طهران تريد إبرام صفقة مع بلاده، وهناك إمكانية لذلك.