اقترب العد التنازلي لانتهاء مهلة مجلس السلم والأمن الإفريقي للسودان، لتسليم السلطة إلى حكومة انتقالية بقيادة مدنيين، نهاية الشهر الحاليّ الذي لم يتبق منه إلا ما يقرب من أسبوعين، وكلما مر الوقت، عاد الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي وبين وسائل الإعلام المؤيدة والمعارضة للمجلس العسكري، عن قوة الاتحاد وما الذي يمكن أن يقدمه لتعزيز اتجاهاته الموالية للمدنيين وماذا بجعبته للضغط على المجلس العسكري الحاكم وما خياراته أمام الرفض المتوقع لهذه الرؤية التي لا تتسق مع النظام الإقليمي الجديد وإشكاليات تطبيق الديمقراطية على الأرض في القارة الإفريقية.  

تعهدات مجلس السلم الإفريقي

المجلس ومنذ بداية تصاعد نبرة التعدد والعنف، وهو يهدد بفرض تدابير عقابية على الأفراد والكيانات التي تعرقل إنشاء سلطة انتقالية بقيادة مدنية، وسارع على الفور بإعطاء المجلس العسكري الانتقالي السوداني الذي أطاح بعمر البشير في أبريل الماضي، مهلة 60 يومًا للقيام بذلك، ولم يترك له المسؤولية كاملة، خاصة بعد ظهور معارضة بنيوية بين الفكر العسكري والمدني المتمثل في تجمع قوى الحرية والتغيير، وهو التحالف الذي يقود حراك الثورة السودانية منذ اندلاع الغضب ضد البشير والمطالبة بالإطاحة به، على إدارة الفترة الإنتقالية.

بدا الاتحاد الإفريقي متشددًا مع المجلس العسكري عندما أعطاه مهلة أسبوعين فقط فور إسقاط البشير، لإنشاء سلطة انتقالية بقيادة مدنية، ومع وساطات مصرية وعدد من الضغوط الإقليمية، أعطى الاتحاد السودان فرصة لحسم الخلافات مع القوى المدنية، تمتد حتى 60 يومًا، في الوقت الذي أعلن فيه الاتحاد، اعتماد نتائج الفوران الشعبي باقتلاع حكم البشير، ولكن عبر شرعية الاحتجاجات الشعبية وليس التدخل العسكري.

تصاعد العنف وتلاشت فرص التوحد بين الفرقاء السودانيين على أجندة انتقالية واحدة، واكب ذلك فض اعتصامات القيادة العامة الذي أسفر عن مقتل أكثر من 100 متظاهر، مع تصعيد وتصعيد متبادل غير مسبوق بين العسكري الانتقالي الذي أعلن إلغاء جميع الاتفاقات المبدئية مع قوى الحرية والتغيير، والتحالف الذي بات يصف المجلس العسكري بالانقلابي، ويدعو لإجراء تحقيق دولي مستقل، ما يشير إلى عدم إحراز أي تقدم مأمول في عملية الانتقال الديمقراطي، وتسليم الحكم لحكومة انتقالية بقيادة مدنية، وهو شرط مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، لتأخير تعليق عضوية السودان بشكل كامل، رغم أنه عادة ما يكون فوريًا.

ويسرع الصراع المشتعل من بطش الاتحاد الإفريقي بالسودان، ليضعه على قائمة ضحايا الانقلابات التي تعاملت معها المنظمة الإفريقية وفقًا لإعلان لومي الصادر عام 2000، وكان لها صدى كبير في إنهاء أزمات عدة مثل الجيش البوركيني الذي استولى على السلطة عام 2014، وأجبرته الضغوط الإفريقية على تسليم السلطة للمدنيين، وكذلك زيمبابوي عام 2017، وإن كان السودان، أو أي قطر عربي بشكل عام، لا يمكن وضعه تحت هذه اللافتة، فالقضية جزء من صراع إقليمي ودولي واسع، وليس سهلاً حلها على هذا النحو، وهي الإشكالية التي يبدو أن المجلس يعلمها جيدًا، لذا طالب بوقف التدخل الخارجي في القضية سواء على المستوى الإقليمي أم الدولي.

الاتحاد الإفريقي يقرر تعليق عضوية السودان إلى حين إقامة سلطة انتقالية مدنية

ماذا بجعبة الإفريقي للتحرك؟

قد يكون من باب التفاؤل الديمقراطي، البناء على ما قام به مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بتعليق مشاركة جمهورية السودان في جميع أنشطة الاتحاد، كرهن لإنشاء سلطة انتقالية مدنية والتهديد بفرض تدابير عقابية على الأفراد والكيانات وكل من يثبت تورطه في عرقة إنشاء السلطة بمواصفات تتبناها لوائح الاتحاد وقوانينه، مرورًا بتهديد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي محمد، بضرورة إجراء تحقيق فوري وشفاف في عمليات القتل البشعة خلال فض اعتصام القيادة، إلا أن التساؤلات المنطقية تفرض البحث خلف سر إبراز العضلات السياسية التي يظهرها الاتحاد الإفريقي منذ اندلاع الأزمة وحتى الآن، ومعرفة مدى القوة التي يتمتع بها، لإعادة المسار المدني المعروف إلى المرحلة الانتقالية.

يعرف القاصي والداني أن الاتحاد الإفريقي، لا تعترف أغلب دوله بسعيه إلى النهج الديمقراطي، إذ يعاني أصلاً من ندرة التجارب الديمقراطية بالمعنى الليبرالي المعروف في الغرب، أو بحسب مؤشر الديمقراطية في وحدة إيكونوميست للمعلومات الذي يحدد أربع فئات للنظم السياسية: الديمقراطية الكاملة والمعيبة والهجين والسلطوية، وهو نفس المؤشر الذي رصد تقدمًا متفاوتًا بجنوب الصحراء الكبرى لإفريقيا نحو الديمقراطية، رغم تفشي الانقلابات العسكرية في دول القارة منذ عام 2000.

كما يرصد تقرير مؤسسة فريدوم هاوس الصادر عام 2016، تقدم بلدان مثل نيجيريا وليبيريا وساحل العاج في الحقوق السياسية والحريات المدنية، وكذلك تسير على الدرب بتوتسوانا وغانا والرأس الأخضر وبنين، كأمثلة تخطو بشكل حقيقي نحو تطبيقات الديمقراطية، ولكنها تفتقر في الوقت نفسه إلى الوعي والمشاركة الشعبية، ما يعزز من تحول هذه البلدان من جديد إلى محور الشمولية الأكثر رسوخًا في القارة ويسيطر على أجزاء واسعة منها.

الضغط الإفريقي لتحويل دفة بعض بلدانه إلى الديمقراطية، ميزة لا تعوض، إذ يعتبر منصة مهمة للغاية في استقطاب الضغوط الدولية على أطراف العملية السياسية في البلدان التي خرجت للتو من أزمات سياسية

ويضم الاتحاد بين بلدانه قادة يمكثون في السلطة منذ أكثر من 20 عامًا، وبعضهم تجاوز الـ30 عامًا والبعض الآخر مرشح لترسيخ قبضته على الحكم أو توريثه لأحد رجاله أو أبنائه بسبب الطريقة التي استولى بها على الحكم، وكل هذه الإشكاليات تجعل البعض يشعر أحيانًا بالسخرية من فتونة الاتحاد الإفريقي وحديثه المتصلب عن ضرورة الديمقراطية دون تردد، والسعي لتغليب كفتها فقط على البلدان التي خرجت للتو من صراعات على الحكم ولا توجد فيها قيادة قوية تستطيع مواجهة الاتحاد والرد عليه، دون أن يضغط بنفس القوة لتطبيقها على جميع بلدانه.

ورغم هذه التناقضات فإن الضغط الإفريقي لتحويل دفة بعض بلدانه إلى الديمقراطية، ميزة لا تعوض، إذ يعتبر منصة مهمة للغاية في استقطاب الضغوط الدولية على أطراف العملية السياسية في البلدان التي خرجت للتو من أزمات سياسية، وتعيش ولادة مدنية متعسرة في تشكيل أنظمة الحكم الجديدة، فلا يعني تجميد مشاركة دولة ما في أنشطة الاتحاد إلا رفع رعايته وحمايته عنها، ما يجعل البلد عرضة للعقوبات الدولية من الجهات الفاعلة والقوية مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وغيرهم.

هل يفتح الاتحاد الباب للتفاوض على الديمقراطية؟

يمكن القول إن الاتحاد منح قيمًا معنوية وسياسية في الحالة السودانية الأخيرة، وطعم بها الأجواء حالكة السواد، فالدستور الانتقالي المعمول به في البلاد منذ عام 2005 تم تعطيله بعد الانقلاب العسكري في 2019، ورغم إصدار المجلس العسكري الانتقالي وثيقة دستورية لبناء أساس دستوري يستند عليه في تعيين حكومة انتقالية، فإن تصاعد العنف وتعطل مسارات الحوار مع القوى المدنية يعطي الفرصة للاتحاد الإفريقي، لدفع البلاد لعمل إصلاح دستوري من خلال مجلس السلام والأمن التابع له.

كما أن الدعوة لوقف العنف ومحاسبة الأطراف الداعية له والمحرضة عليه والمتورطة فيه، يقوي موقف الاتحاد الإفريقي المدعوم أوروبيًا وأمريكيًا، لوضع حد فوري للعنف وإجراء تحقيق موثق في الأحداث الإجرامية التي وقعت في الأيام الأخيرة وأوقعت هذا الرقم المفجع من الضحايا، الأمر الذي يؤكد أن هناك كروت قوة ما زالت بجعبة الاتحاد، لتمكين المدنيين من الحكم وفرض نتائج المفاوضات بين العسكري وقوى الحرية والتغيير على الساحة العالمية، لتبنيها من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (IGAD) التي تحدد معايير تحقيق نظام حكم شرعي بقيادة مدنية.

ويبقى القول الفصل، إن تدخل الاتحاد الإفريقي في مجريات الأزمة السودانية يعيد توازن القوى في مواجهة الدور الخليجي المتصاعد داخل السودان، ويضع أمل توجه دفة السلطة إلى أيدي أصحاب المصلحة الحقيقية وأصحاب الفضل الحقيقيين في عزل البشير وتمرير هواء الحرية النقي من جديد إلى المنطقة "السودانيين".