يلحظ المتابع لتفاعلات المنافسة الانتخابية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري من خلال مرشحيهما لبلدية إسطنبول فرقًا في تعامل حزب العدالة والتنمية مع الموقف مقارنة بالحملة التي نفذها الحزب قبل 31 من مارس الماضي، وفيما يلي سنذكر أهم ما بدا أن الحزب تعلمه من دروس الانتخابات الملغاة.

عدم إبراز مسألة البقاء

كان لدى حزب العدالة والتنمية هاجس كبير بأن العديد من الناخبين زاهدون في المشاركة بالانتخابات، كما أن كثيرًا مما انتخبوا الحزب سابقًا أصبحوا مستاءين بسبب تراجع الاقتصاد، ومع تحالف عدة أحزاب ضده وخاصة دعم حزب الشعوب ذي الأغلبية الكردية لمرشح حزب الشعب الجمهوري وهي أول مرة تحدث بهذا الشكل المباشر، لم يجد حزب العدالة والتنمية في ظل التوتر على معظم حدوده (سوريا والعراق واليونان وقبرص) إلا أن يوجه للناخب رسالة بأن المشاركة في الانتخابات تمس مسألة بقاء تركيا، وأعطى الحزب زخمًا لهذا العنصر ولكن المعارضة شنت حملة مضادة بأن هذه مجرد انتخابات بلدية لا علاقة لها ببقاء تركيا.

وعلى كل حال ورغم أن بعض أسباب الحديث عن البقاء مبررة، فإن مجمل نتيجتها كان سلبيًا، وبالتالي لم يعطها الحزب هذه المرة أي أهمية، ويتعلق بهذا الخطاب القومي تجاه حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب، فحزب العدالة والتنمية تبنى خطابًا أكثر قومية في 31 من مارس، وقد يفسر هذا بتحالفه مع حزب الحركة القومية، وقد أشار يلدرم إلى هذا الأمر في جانب من مناظرته مع إمام أوغلو.

ركز بن علي يلدرم بشكل كبير على الشباب ووصف نفسه بأنه صديق الشباب

وفي نفس السياق أنه بعد انتهاء انتخابات 31 من مارس خرج الرئيس أردوغان وتحدث عن تحالف وصفه بأنه تحالف تركيا، واستخدم لغة احتضانية واستيعابية، وقد أشار البعض لوجود بعض المقترحات يتم دراستها بشأن التقارب بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري.

الاهتمام بشكل أكبر بالناخب الكردي

أولى حزب العدالة والتنمية للناخب الكردي أهمية في الحملة الماضية، لكنه بعد أن وقف على حقيقة الأرقام وهي أن 4-6% من الأصوات التي حصل عليها أكرم إمام أوغلو جاءته من الناخب الكردي خاصة أن الفرق بين المرشحين أقل من 1% فقد أولى اهتمامًا أكبر هذه المرة بهم وبمناطقهم بل زار عدة مدن ذات كثافة كردية مثل ديار بكر وسواس نظرًا للترابط والتأثير بين العائلات، ويربط البعض هذا التوجه ببعض سياسات الحكومة مثل السماح لعبد الله أوجلان بلقاء المحامين وكذلك يأتي في هذا السياق خبر الإفراج عن صلاح الدين ديمرطاش.

التركيز على الشباب

أحد الانتقادات التي وجهت لحزب العدالة أنه اختار مرشحًا ذا خبرة لكنه لم يراع عامل الشباب فيه مقارنة بمنافسه الذي يظهر شابًا حيويًا، وتكمن أهمية ذلك في أهمية صوت الشباب وتأثيره وكون الشباب لم يشهد على النقلة التي حققها حزب العدالة والتنمية في تركيا ما بعد 2002، مما يعني أن مواليد منتصف التسعينيات وما بعدها لم يشهدوا دور حزب العدالة والتنمية، وبالتالي يحتاج الحزب للتركيز عليهم وإقناعهم بالتصويت له، وقد برز هذه المرة تقديم وعود خاصة للشباب من قبيل حزم الإنترنت وطرق خاصة للدراجات ومنح للمبادرات الشبابية وغيرها، وركز بن علي يلدرم بشكل كبير على الشباب ووصف نفسه بأنه صديق الشباب وحاليًّا يقبل الدعوات التي توجه له من الشباب للقاء بهم.

في الانتخابات الماضية كان لدى كثير من كوادر الحزب شعور بأن بن علي يلدرم رجل ذو تاريخ وخبرة ومن أقوى الشخصيات إنجازًا في تاريخ الحزب  وبالتالي كان هناك تراخ في دعمه وتوقع بفوزه ولو بفارق قليل

الوعود والبرامج

لقد كان برنامج حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الماضية يتحدث عن المدن الذكية والمدن التكنولوجية والحدائق والمكتبات ومراكز قراءة القرآن وخطط إستراتيجية كبيرة اتضح له أنها لم تكن تلامس حاجة المواطن العادي الذي يبحث عن المشكلات المباشرة ويريد الحديث عن حلولها، كما أن المعارضة استغلتها في التحريض على حزب العدالة والتنمية، ولهذا رأينا تركيزًا أكبر على حل مشكلة المواصلات ومشكلة كراجات السيارات وبناء حضانات جديدة وتوفير مئات آلاف فرص العمل لحل مشكلة البطالة وبناء مصانع جديدة.

الكل موحد خلف بن علي يلدرم

في الانتخابات الماضية كان لدى كثير من كوادر الحزب شعور بأن بن علي يلدرم رجل ذو تاريخ وخبرة ومن أقوى الشخصيات إنجازًا في تاريخ الحزب، فهو من طور النقل البحري في إسطنبول ونفذ مشروع المرمراي والجسور الكبيرة وغيرها، وبالتالي كان هناك تراخ في دعمه وتوقع بفوزه ولو بفارق قليل، هذا بالإضافة إلى الركون لجهود الرئيس أردوغان في الحملة الماضية، حيث كان يتحدث يوميًا في أكثر من 10 تجمعات في إسطنبول، ومن جهة ثالثة ربما كان هناك من هم غير مقتنعين بمرشح الحزب، لكن هذه المرة الذي برز ليس الرئيس أردوغان بل المرشح وكل كوادر الحزب تعمل ليل نهار ولا تترك مكانًا إلا وتعمل من خلاله لدعم المرشح.

التركيز على المرشح المعارض وأخطائه

في المرة الماضية لم يعط  حزب العدالة والتنمية أكرم إمام أوغلو أهمية تناسب النسبة التي حصل عليها، حيث اعتبر شخصًا غير معروف وسيحتاج وقتًا طويلاً لتعريف الناس بنفسه، لكن يبدو أن الحسابات لم تكن دقيقة، كما أن إمام أوغلو كان ضابطًا لنفسه وسلوكه حتى الانتخابات، لكن بعد الانتخابات حدثت معه عدة مواقف وجهت له أصابع الاتهام فيها بالكذب والتطاول على المواطنين والتكبر وغيرها، وركز حزب العدالة والتنمية على هذه الأخطاء وسلط الضوء عليها في محاولة للاستفادة مها.

ومن أهم هذه المواقف سبه لوالي مدينة أوردو ثم إنكاره ذلك مع وجود مقطع مصور يثبت ذلك وكذلك نسخه لبيانات بلدية إسطنبول بطريقة سريعة ودون أي حاجة لذلك، وأخيرًا ما ذكر عن لقائه مع مدير المناظرة سرًا في أحد فنادق إسطنبول.

تعتبر هذه التغييرات التي قام بها الحزب تغييرات جوهرية ومن المرجح أن ترفع أسهمه، بالإضافة إلى أن الحزب جهز خطابًا فند فيه دعايا إمام أوغلو القائمة على المظلومية، والآن يبقى القرار للناخب التركي في انتخابات ديمقراطية بينما نشهد الحالة المتردية للديمقراطيات في العالم العربي من حولنا.