يتجه الوضع في السودان، يومًا بعد يوم، إلى مزيد من التأزم والضبابية، في ظل إصرار العسكر وقيادة المجلس الانتقالي، على رأسهم أمير الحرب "حميدتي"، على التصعيد وعدم الاستجابة لمطالب الشعب الثائر، رغبة منهم في إحكام قبضتهم على البلاد.

رغبة يستعمل لها حميدتي ومن ورائه الجيش كل الأساليب للوصول إليها وتحقيقها، من ذلك ادعاء امتلاكه "تفويضًا شعبيًا"، وهو ما زاد من مخاوف السودانيين، فما حصل في مصر صيف 2013، حين انقلب الجيش على الرئيس الراحل محمد مرسي، باسم "التفويض" ما زال في الأذهان ولم يمحى بعد.

رغبة في السلطة

تبين تحركات وتصريحات نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" الكثيرة، وجود رغبة كبيرة داخله للتمكن من السلطة وحكم السودان بيد من حديد، وتنفيذ أجنداته وأجندات الدول الخارجية التي يرعاها، العربية منها والغربية.

هذه الرغبة، ما فتئت تتزايد، خاصة أن حميدتي أضحى الرقم الصعب في المعادلة السودانية منذ قراره رفض الانضمام للمجلس العسكري الذي أراد وزير الدفاع السوداني ونائب البشير الفريق عوض بن عوف تشكيله عقب الإطاحة بالبشير في الـ11 من أبريل/نيسان الماضي، من شعبيته في البلاد، وقبلها تخليه عن عمر البشير، فالرجل انتصر للثورة وفق قوله، وغلب مصلحة البلاد على مصلحة النظام.

يستغل القائد السابق للميليشيات التي بثت الرعب في إقليم دارفور"حميدتي"، ضعف باقي مكونات المجلس العسكري لتصدر الساحة في السودان

يسعى حميدتي الذي ينحدر من قبيلة عربية بدوية على الحدود بين تشاد والسودان تسمى "الرزيقات"، إلى استغلال هذه الشعبية المتنامية على أحسن وجه خدمة له ولجماعته، فهي تكفل له وفق تصوره، أن يقود السودان حاليًّا دون الرجوع إلى أي قوة في البلاد مهما كانت قوتها ودرجة قبولها لدى الشعب.

ثبتت هذه الرغبة من خلال حديثه مؤخرًا عن امتلاكه "تفويضًا شعبيًا" بتشكيل حكومة تكنوقراط تقود البلاد في المرحلة القادمة، فخلال تجمع شعبي شمالي العاصمة الخرطوم، قال: "نريد تشكيل حكومة كفاءات وتكنوقراط، و(هذا) الحشد الجماهيري تفويض شعبي".

يعلم حميدتي الذي كان يعمل قبل انضمامه إلى حرس الحدود ومن ثم قوات الدعم السريع تاجرًا في دارفور يبيع الجمال والأغنام في السودان وليبيا وتشاد ومالي، أن غالبية الشعب السوداني يرفض أن يحكم البلاد كل من ينتمي للمؤسسة العسكرية أو المليشيات المسلحة، نظرًا للتجربة المريرة التي عاشها الشعب طوال العقود الثلاث الماضية تحت حكم العسكر، رغم ذلك فإنه يشد الخطى نحو قصر الرئاسة عبر اتباع سياسة فرض الأمر الواقع.

وكان "حميدتي" قد قال في مقابلة مع مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في القاهرة ديكلين وولش، إنه يعتقد أنه لولا وصوله إلى منصبه كنائب لرئيس المجلس العسكري الذي تشكل عقب الإطاحة بعمر البشير لضاع السودان.

ويستغل القائد السابق للميليشيات التي بثت الرعب في إقليم دارفور "حميدتي"، ضعف باقي مكونات المجلس العسكري لتصدر الساحة في السودان، ويرأس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وهو عسكري غير معروف إلى حين وصوله إلى رأس البلاد.

"الإدارات الأهلية" سند حميدتي في الانقلاب

حديث حميدتي عن امتلاكه تفويضًا شعبيًا لإدارة المرحلة المقبلة لم يكن من فراغ، فقد استند في ذلك إلى دعوات ما تسمى "الإدارات الأهلية" له إلى أخذ المشعل وإحكام سيطرته في البلاد، معتمدين على حجج يصفها معارضوهم وقادة الاحتجاجات بـ"الواهية".

هذه "الإدارات الأهلية" التي تعد مجالس قبلية، تقوم بمهام محلية في عموم السودان، نظمت أمس الثلاثاء فعالية شعبية بمعرض الخرطوم الدولي، أعلنت من خلالها تفويض المجلس العسكري للقيام بكل القرارات والتدابير الحاسمة لتشكيل حكومة تكنوقراط من غير حملة الجنسيات الأجنبية، وشددت على ضرورة ملء الفراغ الدستوري في البلاد.

يصر عسكر السودان على وأد الحراك الشعبي الذي خرج عن سيطرتهم بكل الطرق المتاحة

يشار إلى أن "الإدارات الأهلية"، هي مكون من مكونات الحكم المحلي في السودان، وتأسست منذ عقود وساهمت في نيل السودان استقلاله عام 1956، وتم حلها في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري منتصف السبعينيات غير أنها عادت مرة أخرى في عهد الرئيس المعزول عمر البشير.

استجاب الفريق أول محمد حمدان حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري بسرعة لهذه الدعوى، فهو من خطط لها، وأعلن قبول المجلس لتفويض الإدارات الأهلية لتشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية إلى حين إجراء انتخابات.

لم يكتف حميدتي بقبول طلب تشكيل الحكومة، بل دعا أيضًا "الإدارات الأهلية" للقيام بالدور التشريعي في ظل غياب المجالس، حتى يتمكن بذلك من تشريع كل القوانين التي تخدمه وتخدم أجندته وأجندة حلفائه من الداخل والخارج.

السيناريو المصري في البال

هذا التفويض الشعبي الذي يتحدث عنه حميدتي، زاد من مخاوف السودانيين من إمكانية تواصل اختطاف ثورتهم من العسكر إلى وقت أطول، فالسيناريو المصري الذي كان الجيش ركيزته وعموده الأساسي صيف 2013 ما زال في البال.

يرى المحتجون السودانيون أن جيش بلادهم الذي كان عماد نظام الرئيس المعزول عمر البشير وعلى رأسهم حميدتي، يخططون لتكرار ما حدث في مصر، من حيث التفاف الجيش على مطالب الحراك الشعبي وعدم تسليم الحكم إلى سلطة مدنية، رغم وعوده المتكررة بنيته القيام بذلك.

ما زاد من مخاوفهم البطش الكبير الذي أظهرته قوات الدعم السريع التي يعتمد عليها حميدتي للوصول إلى هدفه، في حربها في إقليم دارفور وجرائم الحرب التي ارتكبتها هناك من حرق للبشر والممتلكات وتمثيل بالجثث وترويع للنساء والأطفال والشيوخ وتشريد العائلات، وهو ما قامت به أيضًا خلال عملية فض اعتصام القيادة العامة.

يرفض السودانيون إدارة العسكر للمرحلة الانتقالية

استعانت قوات الدعم السريع (الجنجويد)، بعناصر من الجيش وقوات الأمن السودانية، فقد اقتحمت قبل أسبوعين، ساحة الاعتصام في الخرطوم، حيث يعتصم المحتجون منذ أسابيع، وذبحت كل من يعترضها واغتصبت النساء وروعت الأطفال والشيوخ ونهبت ممتلكات المواطنين وأغراضهم ولحقت الأطباء والمصابين داخل المستشفيات أيضًا، وقتلت بعضهم واغتصبت البعض الآخر دون شفقة ولا رحمة، ما دفع قوى التغيير إلى وقف المفاوضات مع العسكر والدخول في عصيان مدني استمر ثلاثة أيام.

يصر عسكر السودان على وأد الحراك الشعبي الذي خرج عن سيطرتهم بكل الطرق المتاحة، ذلك أنهم يسعون بكل جهدهم إلى عدم خروج السودان عن طوعهم وحكمهم، فذلك يمثل بداية النهاية لهم، لتورطهم في العديد من القضايا، دوليًا ومحليًا.

يحاول العسكر الاستنجاد بأنصار النظام القديم لإضفاء الشرعية الشعبية عليهم، في ظل تشديد الخناق عليهم داخليًا وخارجيًا، فالمحتجون في الداخل يرفضون العودة إلى منازلهم قبل تسلم حكومة مدنية السلطة في البلاد، أما دوليًا فالضغط متواصل لحمل العسكر على تسليم السلطة للمدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم في حق المحتجين العزل.