ترجمة وتحرير: نون بوست

إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين مُنظمة إرهابية أجنبية قد يؤدي إلى ظهور ردّ فعل عنيف من شأنه أن يدفع أولئك الذين يعتمدون على الخدمات الاجتماعية المُقدّمة من قبل جماعة الإخوان المسلمين إلى اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية عدوًا.

لقد أعلن الرئيس دونالد ترامب في نيسان/ أبريل الماضي عن دعمه لقرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية دولية بارزة، منظمةً إرهابية أجنبية. لكن أثار هذا القرار جدلا واسعا بسبب غياب مبرر قانوني لهذا التصنيف، إلى جانب تداعياته على المصالح الإقليمية للولايات المتحدة، ناهيك عن افتقار هذه السياسة إلى أي مكاسب استراتيجية.

في هذا السياق، تحدّث كل من الأستاذ المساعد بجامعة لويفيل ستيفن بروك، وأحد كبار الزملاء في مركز التقدم الأمريكي براين كاتوليس، مطولا، عن تأثيرات هذا القرار خلال مأدبة غداء استضافها مركز مجلة "ناشيونال إنترست" في السادس من حزيران/ يونيو الجاري. وقد تمحور النقاش حول موضوعين رئيسيين أحدها الدور الرئيسي الذي يضطلع به الإخوان المسلمون في البلدان التي ينشطون فيها، والثاني العواقب المنجرة عن هذا التصنيف على السياسة الخارجية الأمريكية.

تكمن المشكلة المستمرة التي يواجهها صناع القرار الأمريكيين في افتقارهم إلى الفهم الاستراتيجي للمجموعات الإسلامية السياسية وحقيقة أنها تعد عاملا من عوامل سياسات القوة الإقليمية

في الواقع، من شأن إدراج هذه الجماعة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية أن يتسبب في فرض عقوبات اقتصادية وجزاءات حظر سفر واسعة النطاق على كل من الشركات والأفراد الذين يتعاملون معها. كما يخشى صناع القرار من احتمال استخدام الحكومات التي تعارض جماعة الإخوان، كما هو الحال في مصر، هذا القرار بهدف تبرير سياساتها القمعية ضد الجماعة من خلال مصادرة أصولها ودفعها إلى العمل السري.

لقد أجمع المشاركون في المناقشة على أن جهود إدارة ترامب الرامية لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية تعتبر مضللة، وقد تكون نتائجها عكسية. ومن جهة أخرى، كشف هذا القرار عن جهل الإدارة الحالية بمدى تأثير التصنيف على السياسة الإقليمية للولايات المتحدة.

أوضح كاتوليس أنه خلال السنوات الخمس أو الست الماضية احتدت المنافسة متعددة الأقطاب بين الجهات الإقليمية الفاعلة في الشرق الأوسط، حيث مثّلت جماعة الإخوان المسلمين جزءا أساسيا من هذه المنافسة. وعلى هذا الأساس، يجب أن تأخذ أي سياسة تتبناها الحكومة الأمريكية بعين الاعتبار هذا التنافس المستمر من أجل الظفر بالهيمنة الإقليمية والشرعية السياسية. وقد عكس النجاح السياسي للإخوان المصريين وإزاحتهم من السلطة في إطار انقلاب عسكري سنة 2013 دور الهوية والتمثيل السياسي في البلاد.

حاولت إدارة أوباما تغيير المسار وإشراك الجماعات السياسية الإسلامية على غرار جماعة الإخوان المسلمين في الأطر السياسية القائمة، لجأت استراتيجية إدارة ترامب المدعومة من قبل متشددين مثل وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون إلى محاربة الجماعات الإسلامية بقطع النظر عما إذا كانت تنبذ العنف

تكمن المشكلة المستمرة التي يواجهها صناع القرار الأمريكيين في افتقارهم إلى الفهم الاستراتيجي للمجموعات الإسلامية السياسية وحقيقة أنها تعد عاملا من عوامل سياسات القوة الإقليمية. ويعزى ذلك في المقام الأول إلى الصدمة الناجمة عن هجوم 11 أيلول/ سبتمبر التي دفعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ نهج متشدد تجاه جميع الجماعات الإسلامية. لكن عملية تطوير استراتيجية أمريكية فعالة في الشرق الأوسط تستدعي فهما لأيديولوجيات هذه المجموعات.

فعلى سبيل المثال، شهدت منطقة الشرق الأوسط الكبير نشأة ثلاث كتل. وتعتبر الكتلة الأولى مؤيدة للإسلاميين بقيادة قطرية تسعى إلى استيعاب الجماعات الإسلامية ضمن أنظمتها السياسية، على غرار تركيا والأردن والكويت. وتتولى إيران قيادة الكتلة الثانية إذ تهدف إلى توسيع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط والخليج الفارسي. في المقابل، يقود السعوديون والإماراتيون والمصريون الكتلة الثالثة التي تعمل على تقليص نفوذ جماعة الإخوان المسلمين واحتواء نفوذ إيران في آن واحد. وعلى خلفية ظهور هذه الشبكة المعقدة من الخصومات، عرفت المنطقة حالة من الانقسام السياسي فضلا عن غياب الإجماع حول مسألة الهيمنة الإقليمية ودور الإخوان المسلمين.

في حين حاولت إدارة أوباما تغيير المسار وإشراك الجماعات السياسية الإسلامية على غرار جماعة الإخوان المسلمين في الأطر السياسية القائمة، لجأت استراتيجية إدارة ترامب المدعومة من قبل متشددين مثل وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون إلى محاربة الجماعات الإسلامية بقطع النظر عما إذا كانت تنبذ العنف.

لعل أكثر ما زاد الأمر تعقيدا هو تأثير "المسار السياسي الإسلاموفوبي المتطرّف"، على حد تعبير كاتوليس، الذي اكتسب زخما في السياسة الأمريكية

لقد اتسمت هذه السياسة بالإذعان لمواقف أكثر تشددًا من قبل حلفاء حكومة ترامب الإقليميين والمناهضين للإخوان لاسيما في الكتلة التي تقودها السعودية. وفي حال قام ترامب رسميا بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين على أنها منظمة إرهابية أجنبية، فمن المحتمل أن يعكس ذلك الطموحات الإقليمية للكتلة بقيادة السعودية بدلا من السعي إلى خدمة الضرورة الاستراتيجية.

لعل أكثر ما زاد الأمر تعقيدا هو تأثير "المسار السياسي الإسلاموفوبي المتطرّف"، على حد تعبير كاتوليس، الذي اكتسب زخما في السياسة الأمريكية، فضلا عن الضغط المستمر الذي تمارسه الجهات الفاعلة المناهضة للإخوان في منطقة الشرق الأوسط. وقد يساهم هذا التصنيف في تسريع عملية تفكيك المنطقة وتشديد سياسات الكتلة المعادية لحركة الإخوان المسلمين. ومع ذلك، يعد النهج الحالي منفصلا عن حقيقة عمل هذه الحركة.

جادل كل من بروك وكاتوليس بأن هذه المنظمة تفتقر إلى بنية مركزية واضحة، حيث تحولت إلى سلسلة من الجماعات المستقلة التي بقيت مرتبطة بها وغيّرت استراتيجياتها وفقا للظروف الوطنية في البلدان التي تنشط فيها. كما أكّد كاتوليس أنه على الرغم من أن نفوذ جماعة الإخوان المسلمين شهد تراجعا في جميع أنحاء المنطقة، إلا أنه كان من المفترض أن يُفرض حظرا شاملا على فروعها التي تمارس أعمال العنف على غرار حركة حماس.

في حال أُغلقت هذه المنشآت، سيكون هناك تبعات سلبية ستلقي بظلالها على الفقراء الذين يعتمدون على الخدمات التي تقدمها حركة الإخوان المسلمين

في الكويت والأردن وتونس والمغرب وتركيا والعراق، وبنطاق محدود في البحرين، تعد الأحزاب السياسية المرتبطة بحركة الإخوان من المشاركين الفاعلين في الأنظمة السياسية. وفي كل الأحوال، اتفق علماء القانون على أن جماعة الإخوان المسلمين لا يمكن تصنيفها على أنها جماعة إرهابية نظرا لكونها تخلّت عن ممارسة العنف منذ عقود من الزمن وشاركت بشكل فعّال في العملية الديمقراطية. واستنادا لكل هذه العوامل، لا يبدو منطقيا بالنسبة للولايات المتحدة أن تُصنّف الحركة بأكملها منظمة إرهابية.

تجدر الإشارة إلى أن هناك جانبًا إنسانيًا في كل هذا ينبغي أخذه بعين الاعتبار. فوفقا لبروك، هناك تصور خاطئ شائع يشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تتلقى تمويلا من قبل أطراف خارجية ثريّة أو من خلال وسائل أخرى على غرار الزكاة، ولكن هذا الأمر عار من الصحة. عوضا عن ذلك، تكسب هذه الحركة جزءا كبيرا من عائداتها المالية من خلال توفير الخدمات الاجتماعية، على غرار الرعاية الطبية والتعليم الخاص. وتقدّم هذه الخدمات إلى أي شخص يرغب في الاستفادة منها، بغض النظر عن انتماءاته الدينية أو السياسية.

بالإضافة إلى توفير الخدمات، تقدّم هذه المنظمة خدمات رعاية عالية الجودة، والتي تُعتبر غير فاسدة، وتحظى باحترام للمعاملة الإنسانية والمهنية التي تقدمها لمرضاها وحرفائها. وفي هذا الصدد، شدّد بروك على هذه النقطة من خلال الإشارة إلى أن 95 بالمئة من المرضى في المستشفيات المصرية الذين يستخدمون المنشآت الطبية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين يدفعون مقابل التمتع بهذه الخدمات، والتي توفر بدورها للمنظمة العائدات المالية التي تحتاجها لدعم عملياتها على الرغم من أن الحكومة المصرية قد صادرت أصولها وحساباتها.

إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في مواجهة أيديولوجيا الإخوان الرجعية، فعليها بدلا من ذلك التركيز على استراتيجية مواجهة الإخوان من خلال تبادل الأفكار في البلدان والمجتمعات التي يكون فيها نفوذ الإخوان بارزا، بينما تواجه الجماعات الإرهابية عسكريا في الآن ذاته

في حال أُغلقت هذه المنشآت، سيكون هناك تبعات سلبية ستلقي بظلالها على الفقراء الذين يعتمدون على الخدمات التي تقدمها حركة الإخوان المسلمين. وفي هذا الإطار، اتفق كلا الفريقين على أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية يمكن أن يؤدي إلى رد فعل عنيف وقوي ضد الولايات المتحدة الأمريكية، كما من شأنه أن يدفع أولئك الذين يعتمدون على خدمات جماعة الإخوان المسلمين الاجتماعية إلى اعتبار الولايات المتحدة عدوًا لهم. فبالنسبة لهم، قد يبدو تصنيفها بمثابة أداة مصممة لمساعدة الحكومة المصرية على مزيد حرمانهم من حقوقهم.

إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في مواجهة أيديولوجيا الإخوان الرجعية، فعليها بدلا من ذلك التركيز على استراتيجية مواجهة الإخوان من خلال تبادل الأفكار في البلدان والمجتمعات التي يكون فيها نفوذ الإخوان بارزا، بينما تواجه الجماعات الإرهابية عسكريا في الآن ذاته. لكن سيكون ذلك صعبا بسبب الافتقار إلى حرية التعبير والحراك المدني في المنطقة، بغض النظر عن الطرف المسؤول. ومع ذلك، وفي الوقت الحالي، كان الإجماع بين المتحدثين على أنه لا توجد فوائد تذكر لهذا الإجراء المقترح، فضلا عن كونه ينطوي على قدر كبير من المخاطر. وخلصوا بالتالي إلى أن ترامب يجب ألا يسعى لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية.

المصدر: ناشيونال إنترست