ملصقات الانتخابات في ضاحية أريانة في تونس خلال انتخابات 2014

ترجمة وتحرير: نون بوست

قال نواب تونسيون ورواد المجتمع المدني إن تعديل القانون الانتخابي التونسي الذي أقرّه البرلمان هذا الأسبوع والذي يمنع بعض الأفراد من الترشح للانتخابات المقبلة سيكون له عواقب على المدى البعيد. لكن تتباين الآراء حول ما ستؤول إليه هذه العواقب، إذ يعتقد البعض أن هذه التغييرات ستحمي الديمقراطية التونسية، بينما يرى آخرون أنها تذكرهم بسياسة الحزب الواحد التي سادت قبل الثورة.

مع القليل من النقاش حول التعديلات التي تجعل القانون مثيرًا للجدل، صوّت النواب التونسيون بأغلبية 128 صوتًا مقابل 30 صوتًا معارضًا، مع امتناع 14 منهم عن التصويت، لتمرير التغييرات التي تحظر على الأفراد الذين تلقوا أو قدموا تبرعات خيرية للتونسيين خلال العام الماضي من الترشح للانتخابات.

من المتوقع أن تقصي التعديلات ألفة ترّاس رامبورغ، وهي راعية وعضو في جمعية خيرية تدعى "عيش تونسي". وينطبق الأمر ذاته على عبير موسي، التي عملت لصالح حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي تزعّمه الرئيس السابق بن علي، ورجل الأعمال نبيل القروي، وبذلك لن يشاركا في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقرر إجراؤها خلال فصل الخريف.

من جهته، أثار نبيل القروي، الذي كان يتصدر استطلاعات الرأي، أكبر قدر من الاهتمام في أعقاب التصويت. واعتبر قدر كبير من التقارير تعديل القانون الانتخابي بمثابة عائق صريح أمام ترشح عملاق الساحة الإعلامية البالغ من العمر 55 عامًا للانتخابات.

 نبيل القروي يتحدث خلال مقابلة صحفية مع وكالة فرانس برس في العاصمة تونس الأسبوع الماضي

لقد اتُهِم نبيل القروي، الذي كان مؤيدًا سابقًا للرئيس الباجي قائد السبسي، باستخدام قناته التليفزيونية قناة "نسمة" لممارسة أعماله الخيرية بينما كان يجري حملات ليحل محل الرئيس. وقد صوّت النائب المستقل ياسين العيّاري، الذي يمثل التونسيين الذين يعيشون في ألمانيا، ضد التعديل القانوني الذي قال إنه تم دفعه من قبل الأحزاب الحاكمة المهدَدة من قبل شعبية القروي.

حيال هذا الشأن، قال ياسين العيّاري إن القروي كان يظهر بانتظام على قناة "نسمة" بينما كان عضوًا في اللجنة المركزية لحزب نداء تونس، حزب السبسي العلماني، الذي يحكم ضمن ائتلاف سياسي مع حزب النهضة الإسلامي منذ سنة 2015. وأضاف العيّاري: "في ذلك الوقت لم تكن لدى الحكومة مشكلة معه. كان صديقهم. لكن عندما أعلن نفسه مرشحا رئاسيا، أصبح بمثابة مشكلة".

في سياق متصل، أكد العيّاري أن التعديلات ستقصي أيضا المشرّعين الذين كانوا ضمن أكبر الفائزين في الانتخابات الماضية، مشيرا إلى أن "من فاز في الانتخابات البلدية لعام 2018 هم المستقلون. وكيف يتم إقصاء المستقلين؟ عن طريق تحديد حد أدنى يبلغ ثلاثة في المئة من الأصوات لقوائم المرشحين ليتم قبولهم".

حسب العيّاري إن الأمل الوحيد في عدم دخول القانون حيز التنفيذ هو إثبات أنه غير دستوري. كما قال هذا النائب المستقل: "لدينا اليوم 33 نائبا وقّعوا رسالة يقولون فيها إن هذا القانون لا يحترم الدستور. لقد أرسلناها إلى اللجنة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين. ونحن ننتظر حاليا الرد عليها".

سدّ الثغرات

مباشرة عبر قاعة البرلمان من مكتب العيّاري، أيدت خولة بن عائشة، وهي نائبة تمثل التونسيين في فرنسا مع حزب مشروع تونس، التغييرات التي تقول إنها ستحمي الديمقراطية التونسية وتصحح المشكلة القائمة منذ الأيام الأولى للثورة. وأشارت بن عائشة إلى أن قانون الانتخابات الصادر سنة 2011 استبعد مرشحين من حزب التجمع الدستوري الديمقراطي لبن علي. وعندما تم تبني الدستور التونسي الجديد في سنة 2014، أصبح هذا القانون غير دستوري ولكنه ظل ساري المفعول مع إجراء انتخابات تاريخية.

تماما مثل بن عائشة، قال سمير ديلو، وهو عضو في حزب النهضة، إن المنطق وراء إحداث التغييرات هو حماية العملية الانتخابية من الأموال الفاسدة وسدّ الثغرة القانونية

تركز بن عائشة تحديدًا على القانون الذي يستثني أعضاء حزب التجمع الدستوري الديمقراطي السابقين من إدارة مراكز الاقتراع. وقد أوضحت بن عائشة: "نحن ضد اعتبار هذا القانون بمثابة قانون إقصاء، لأننا كنا نحارب ضد إقصاء الناس. وقد استهدفنا هذه المادة لأنها مخالفة للدستور، وحتى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات طالبت بإزالته".

في نفس الوقت، قالت بن عائشة إن القروي وترّاس هما مرشحين إشكاليين، مبيّنة أن القروي ظهر على قناته التلفزيونية لأكثر من 150 ساعة العام الماضي، بينما تساءلت عن سبب إنفاق "عيش تونسي" خمسة ملايين دينار تونسي (1.7 مليون دولار) على الإعلانات التلفزيونية، وهو أمر محظور على الأحزاب السياسية القيام به. وأضافت بن عائشة "لذلك لا يمكنك أن تقوم بذلك في السنة التي تسبق الانتخابات، وتأتي قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات وتقول "حسنًا، أنا مرشح الآن"".

تمامًا مثل بن عائشة، قال سمير ديلو، وهو عضو في حزب النهضة، إن المنطق وراء إحداث التغييرات هو حماية العملية الانتخابية من الأموال الفاسدة وسدّ الثغرة القانونية. وقد كان حذرا من وصف الإصلاحات بمثابة قانون إقصائي، كما أطلق عليه منتقدوه.

تساءل عدنان الحاجي، الذي كان نائبا مستقلا الى حين مشاركته في تأسيس حزب حركة تونس إلى الأمام في آذار/ مارس، عن توقيت العملية والطريقة التي تطورت بها

في هذا الصدد، كتب ديلو في رسالة "هذا يعتمد على الزاوية التي ننظر من خلالها. وسيكون كل قانون بالضرورة إقصائيا لمن لا يحترمون شروطه". وأضاف ديلو: "من غير المعقول قبول التنافس غير المتكافئ بين أولئك الذين يحترمون القانون تحت طائلة العقوبات وأولئك الذين يستغلون ثغرات القانون لممارسة الخداع، مستفيدين من الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون بسبب المصاعب المنجرة عن الانتقال الديمقراطي".

المرشحون خارج الائتلاف الحاكم هم المستهدفون

في المقابل، هناك آخرون لا يزالون ينتقدون التغييرات القانونية. فمن جهته، تساءل عدنان الحاجي، الذي كان نائبًا مستقلًا الى حين مشاركته في تأسيس حزب حركة تونس إلى الأمام في آذار/ مارس، عن توقيت العملية والطريقة التي تطورت بها. وقال الحاجي، إنه في البداية، كانت التعديلات تتعلق بضمان حد انتخابي، مما يتطلب من المرشحين تحقيق ثلاثة بالمائة من الأصوات الانتخابية لدخول البرلمان. ثم تم إضافة بنود إضافية لاحقًا وتم دفع حزمة التعديلات بأكملها.

محتجون من الرديّف يتظاهرون في العاصمة تونس في سنة 2013

إلى جانب ذلك، أشار الحاجي إلى أنه تم إجراء التصويت قبل شهر واحد فقط من تعيين اللجنة الانتخابية للبدء في قبول طلبات المرشحين الذين يخططون لخوض الانتخابات التشريعية. وفي إشارة إلى الوقت الذي شغل فيه النواب الحاليون مقاعدهم في أوائل سنة 2015، ذكر الحاجي "كان بإمكانهم وضع هذا القانون في بداية فترة التفويض البرلمانية". وأضاف الحاجي: "كان بالإمكان أن نناقش هذا القانون، حيث يكون كل شخص في البرلمان واضحًا وعلى نفس الصفحة. كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق".

إن ناخبيه في الرديف، وهي مدينة فقيرة في المناطق الداخلية من البلاد حيث الثقة في المشرعين منخفضة بعد سنوات من التهميش، يريدون قادة بديلين غير أولئك الموجودين في النظام الحالي، وبالتالي هم "ليسوا سعداء" بالتعديلات الانتخابية. وقال الحاجي: "لقد كذبت الأحزاب الحاكمة الحالية في برامجها الانتخابية، وأعطت الناس الكثير من الوعود، ولكن لم يثمر منها شيء"، مضيفا: "وعد أعضاء حزب النهضة سنة 2014 بخلص فرص عمل لـ 400 ألف تونسي. أين هذا؟ مستوى البطالة آخذ في الارتفاع".

فضلا عن ذلك، أكد الحاجي: "هم يبحثون عن تحسن في وضعهم المادي. يسألونني، 'هل هناك أي مشاريع تنمية جديدة؟ هل هناك أي استثمارات قادمة؟ هل هناك أي حملات توظيف؟ هل هناك مشاريع جديدة في مجال الصحة، وهل سيتم توفير النقل؟'".

في شأن ذي صلة، صرح سليم الخراط، رئيس منظمة المراقبة المستقلة في تونس "البوصلة"، بأن المستفيدين الحقيقيين من القانون هم ليسوا المواطنين التونسيين بل المشرعين الحاكمين الحاليين الذين دفعوا للتغيير. وقال الخراط إنه تم تمرير التشريع بسرعة، مع إعطاء بعض النواب القليل من الوقت لمراجعة التعديلات المقترحة.

أورد الخراط أن "مهمة النهضة تتمثل في ضمان بقاء أعضائها في السلطة. هذه أفضل حماية لهم من العودة إلى السجن"

كما أضاف الخراط: "نعلم أنه كان للبرلمان متسع من الوقت لمناقشة هذه التغييرات، لكننا في "البوصلة" علمنا أن بعض النواب تلقوا فقط الورقة التي تحدد التعديلات قبل ساعة واحدة من التصويت"، مشيرًا إلى أنه في حين نوقش القانون منذ ثلاث أشهر، لم تتم مناقشة التعديلات الإضافية". ويعتقد الخراط أن الأحزاب الحاكمة، ولا سيما نداء تونس، تخشى من فقدان السلطة لصالح مرشحين من خارج تحالفها السياسي، لأنها ستعرّضهم للمساءلة، وهو ما يتجنبه أعضاء هذا التحالف حتى الآن.

حسب الخراط فإن "من تنتابهم مخاوف هم أولئك الذين لديهم السلطة. عندما يكون هناك قضايا فساد وملفات قانونية مفتوحة وعالقة (ضد بعض أعضاء التحالف السياسي الحاكم)، فإنهم يحاولون بناء الجدران لمنع أي شخص غريب عن التحالف من الوصول إلى الرئاسة. إنه تهديد وجودي". وأضاف الخراط أنه قد لا يكون أعضاء حزب النهضة في مواجهة قضايا الفساد، لكن زعماءهم الأكثر خبرة لديهم خوف من أن الاضطهاد الذي عانوا منه لعقود قبل ثورة 2011 سيعيد نفسه.

إلى جانب ذلك، أورد الخراط أن "مهمة النهضة تتمثل في ضمان بقاء أعضائها في السلطة. هذه أفضل حماية لهم من العودة إلى السجن"، حيث تم إرسال العديد من نشطاء حركة النهضة تحت القيادة الاستبدادية للرؤساء السابقين بورقيبة وبن علي. وتجدر الإشارة إلى أنه على الرئيس التوقيع على التعديل قبل أن يدخل حيز التنفيذ.

المصدر: ميدل إيست آي