يواصل المجلس العسكري السوداني خطاه الحثيثة للسيطرة على الوضع في البلاد ووضع يده على الحكم دون إيلاء أي أهمية لملايين السودانيين الذين يطالبون بدولة مدنية. خطى حثيثة ارتكزت على العديد من الجوانب والمؤسسات، من بينها الإدارات الأهلية التي عادت إلى البروز على الساحة مؤخرًا لتأدية مهمة محددة، وهي إضفاء الشرعية الشعبية والسياسية للقوى العسكرية.

ريادة فتهميش

تتمتع الإدارات الأهلية التي تعد مجالس قبلية في السودان، بمكانة كبيرة في صفوف السودانيين، فهي تقوم بمهام محلية عجزت الحكومة المركزية على القيام بها في عموم البلاد، ما مكنها من الانتشار الكبير بين الأهالي.

يعود إنشاء هذه الإدارات ما بين عامي 1937 و1942، أي في أثناء الحكم الثنائي المصري - البريطاني للسودان، وتتمتع هذه الهياكل بسلطات لتوفير الخدمات الاجتماعية في المناطق داخل نطاق الإدارة المحلية، لمعاضدة مجالس المحافظات المشرفة على أنشطة خارج نطاق الإدارة المحلية.

منذ تلك الفترة، اعتمد السودان على نظام الإدارة الأهلية التقليدي المكوّن من شيوخ العشائر وغيرهم من كبار الشخصيات. وبموجب هذا النظام، يتمتع زعماء القبائل المحليين بسلطات قضائية وإدارية ومالية، وعليه انتشرت المحاكم الأهلية التي تعرف بـ"محاكم النُظار والعُمد"، ودعمت الأنظمة المتعاقبة على البلاد، هذه الهياكل التي تهدف إلى تنظيم سبل التعايش السلمي ومراقبة الخدمات وحلحلة النزاعات ورعاية العلاقات الودية بين مناطق التماس القبلي.

خلال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، انحصر دورها في العمل السياسي ودعم سياسات حزب البشير وحراسته

تدرج النظام الأهلي في السودان من المستوى الأدنى "المشايخ" ثم الوسط "العمد" ثم المستوى الأعلى "النظار"، وتختلف مسميات قيادات الإدارة الأهلية من مكان إلى آخر، ففي غرب السودان وخاصة ولايات دارفور تستخدم القبائل العربية نفس المسميات المستخدمة بشمال السودان، أما قبائل الفور، فنجد ألقاب "الشرتاي" و"الدمنقاوي" و"الفرشة"، وقبائل المساليت تستخدم لقب "السلطان" الذي تستخدمه أيضًا قبائل "جنوب السودان".

استمد رجال الإدارة الأهلية السلطة "الروحية" من رجال الطرق الصوفية حيث النزعة "الصوفية" هي السمة الغالبة على سلوك المجتمعات القبلية. تواصل هذا النظام إلى ما بعد الاستقلال، إلا أنه تم توقيف العمل به بعد ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964، التي أسقطت حكومة الجنرال إبراهيم عبود، قبل أن يعود العمل بها سنة 1987، لكنها لم تعد كما السابق ما جعل بريقها يتراجع.

العسكر يعيد إحياءهم

خلال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، انحصر دورها في العمل السياسي ودعم سياسات حزب البشير وحراسته، فلم يعودوا بذلك معنيين بحفظ الأمن والنظام وسط مواطنيهم وبينهم وبين المجموعات الأخرى، ما أدى إلى ذهاب شرعية رجال الإدارات الأهلية في مجتمعاتهم.

هذه الإدارات، عادت للظهور مجددًا بفضل المجلس العسكري الانتقالي، فهو يسعى لإضفاء شرعية شعبية لخططه الرامية إلى السيطرة على الحكم وإقصاء المدنيين الذين يطالبون بدولة مدنية يكون الجيش فيها في الثكنات.

يسعى المجلس العسكري لإحكام قبضته على السودان

هذا الكيان القبلي الذي لم يعد له أثر يُذكر على أحداث السياسة السودانية منذ عشرات السنين، عاد مجددًا لتصدر المشهد السياسي في البلاد، بعد أن تجمع الآلاف من قياداته حول نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".

أفرز هذا الاجتماع تفويض "الإدارات الأهلية" للمجلس العسكري لتشكيل حكومة مدنية بالاتفاق مع قوى التغيير أو دونه إلى حين إجراء انتخابات، وهو ما قبله العسكر السوداني، داعين "الإدارات الأهلية" للقيام بالدور التشريعي في ظل غياب المجالس.

من وسيط إلى شريك في الانقلاب

هذا الحشد الكبير لقيادات الإدارات المحلية في ضاحية بُرِي بالعاصمة الخرطوم، كان السودانيون ينتظرون أن يفرز وساطة تهدف إلى إيجاد حل بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تقوده الإدارات المحلية، لكن ذلك لم يحصل كما أشرنا سابقًا.

ما حدث أن تلك القيادات المجتمعة بعد غياب طويل عن الفعل، أعلنت مساندتها لنظام العسكر ولعسكرة الدولة، وهو ما يرفضه الشعب السوداني والمجتمع الدولي والإقليمي، فهم بذلك أضحوا شركاء يضفون على المجلس العسكري شرعية ويفوضونه للقيام بكل ما يريده دون استشارة أحد.

يفسر إقدام قيادات المجلس العسكري على إنشاء حزب سياسي بهذه السرعة الكبيرة، إلى حاجتهم الملحة لكيان سياسي يكون سندًا شعبيًا لهم للبقاء في السلطة

عقب هذا الاجتماع، أصبحت الإدارات الأهلية بمثابة صدى للمجلس العسكري، فهي تسبح بحمد العسكر وترى فيه السفينة التي يمكن أن تقلها إلى المكانة التي تسعى لشغلها بعد التهميش الذي شهدته طوال حكم عمر البشير.

ويرى العسكر في السودان أهمية الاستفادة من الهيكل الإداري للإدارة الأهلية ومن الأعراف والتقاليد التي تتمتع بها الإدارة الأهلية في البلاد، لمعاضدته في مجهوداته الرامية إلى حكم السودان بقبضة من حديد بعيدًا عن المدنيين.

حزب سياسي لإضفاء البُعد الشعبي

صدر التفويض وقبل به المجلس العسكري، لكن المهمة لم تنته بعد، فالطريق ما زال شاقًا وهو ما يستدعي نفسًا طويلاً وحزبًا سياسيًا يعاضد العسكر في مخططاته، وهو ما يفسر سعي قيادات الجيش الماسكة بزمام الأمور في البلاد لتشكيل كيان سياسي يعملون من خلاله على إدارة الدولة وشؤون الحكم بعد تباطؤه في تسليم السلطة للمدنيين.

هذا السعي ترجم بالإعلان عن تأسيس "الحزب الأهلي السوداني" وهو حزب يتكون من الإدارات الأهلية، وعبر العسكر السوداني عن ترحيبه بالكيان الجديد، فهم يعولون عليه لشرعنة وجودهم والسيطرة على كامل البلاد.

ويعتبر غالبية مؤسسي هذا الحزب الجديد من ذوي الولاء القديم لحزبي الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، أي أنهم أنصار النظام القديم، وهو ما يؤكد أن العسكري السوداني يواصل نفس نهج الأنظمة السابقة في البلاد في كسب الولاءات.

يعمل المجلس العسكري على إضفاء الشرعية الشعبية لحكمه

يفسر إقدام قيادات المجلس العسكري على إنشاء حزب سياسي بهذه السرعة الكبيرة، إلى حاجتهم الملحة لكيان سياسي يكون سندًا شعبيًا لهم للبقاء في السلطة، رغم يقينهم أن هذا الأمر سيزيد من إرباك الساحة السياسية في البلاد.

ويسعى العسكر السوداني إلى تشتيت جهود مختلف الأطراف في البلاد، خاصة قوى إعلان الحرية والتغيير التي تطالب بنقل السلطة للمدنيين، حتى ينفرد بحكم السودان خدمة لأجنداته وأجندات القوى الإقليمية الداعمة له.

هذه الخطوات التي يقوم بها المجلس العسكري الانتقالي، يراها العديد من السودانيين متوقعة خاصة بعد تخلي العسكر عن الثورة وقتل المحتجين بدم بارد في اعتصام القيادة العامة، متوقعين قيام العسكر باستمالة جميع قوى الثورة المضادة الذين تضرروا من عزل عمر البشير، ما يؤكد أنهم يسعون للبقاء في السلطة إلى ما لا نهاية.