تشارك القوات الروسية في معركة ريف حماة بقوات كبيرة

منذ بدء التدخل الروسي في سوريا ضد المعارضة التي تقاتل نظام بشار الأسد، تغيرت الكثير من المعادلات وأصبحت المتغيرات متلاحقة يومًا بعد يوم، عدا عن تغير الخريطة الجغرافية في السيطرة على المناطق لصالح النظام، بدءًا بالمناطق المحيطة بدمشق وليس نهايةً بتهجير حلب والغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، إذ كانت روسيا طرفًا أساسيًا في رسم هذه الاتفاقيات والتسويات وخلق الواقع الجديد على الأرض السوريّة.

اليوم وبعد سنوات من هذا التدخل والاستحكام، تدخل روسيا بالمعركة الكبيرة التي تعتبرها مصيرية لإبقاء وترسيخ حكم بشار الأسد وأجهزته الأمنية، تلك المعركة التي تخوضها في ريف حماة الذي يعتبر مدخلاً للسيطرة على مناطق الشمال السوري، وهو خط الدفاع الأول عن إدلب وما حولها، ويعتبر دخول القوات الروسية في هذه المعركة بشكل فاعل ترسيخًا لوجودهم وحماية لمصالحهم وقواعدهم العسكرية الأساسية وأهمها قاعدة حميميم القريبة من هذه المناطق.

وفي عودةٍ إلى الأيام الأولى من التدخل الروسي في الصراع السوري، دخلت موسكو أولى معاركها إلى جانب قوات النظام السوري، وليس مصادفةً أن المعركة الأولى كانت في كفرنبودة بريف حماة وهي ذات المدينة التي يصارع النظام بدعم روسي هائل لإبقائها تحت سيطرته، حينها تدخلت موسكو بشكل مباشر في الهجوم العسكري للسيطرة على تلك المناطق، واستخدمت طائراتها بوتيرة مكثفة مع إنشاء خطط جديدة واستخدام وقودها البشري من قوات الأسد.

وفيما لم تفلح القوات الروسية وخططها حينها في النجاح بإجراء تغيرات على الأرض، لتتريث بعدها بوضع خطط جديدة وتنفذها على كامل التراب السوري بشكل متأنٍ مستخدمةً ميليشيات من النظام السوري بمناطق مختلفة، وتعود بإستراتيجية جديدة للمناطق التي بدأت منها معاركها، بوتيرة جديدة وأسلحة مختلفة، مع استخدامها لسياستها المعهودة وهي سياسة الأرض المحروقة التي تعتمد على تدمير وحرق كبير للمناطق التي تريد السيطرة عليها، مع قصف للمناطق الآهلة بالسكان لإحداث ارتباك بقوات المعارضة السورية.

معركة كفرنبودة عام 2015

معركة قاسية

في هذا السياق، نشرت مواقع وصحف روسيّة صورًا للقوات التي تشارك في عملياتها ضد المعارضة السورية في معارك ريف حماة الحالية، وتظهر الصور الجنود الروس يشاركون بسلاح المدفعية، فيما تبين صور أخرى جنودًا يستخدمون أجهزة وضباط يضعون خرائط برفقة المليشيات التابعة لنظام الأسد، إضافة إلى بعض الجنود الذين نُشرت صورهم في عمليات اقتحام مباشر.

إلا أنه وبحسب مواقع وقنوات مقربة من المعارضة السورية ذكرت أن القوات الروسية تقود المعركة الحاليّة بشكل كامل بمعزل عن قوات النظام التي تتخذها فقط في سد نقص الجنود، وهذا ما يُبين أهمية المعركة الحاليّة بالنسبة لموسكو، ويستخدم الجيش الروسي حاليًّا في هجومه فرقة تسمى "الناس المهذبة" وتشتهر هذه المليشيا بمشاركتها الواسعة بعملية احتلال وسقوط جزيرة القرم بيد الروس.

وفي حديثه لـ"نون بوست"، يقول النقيب ناجي المصطفى المتحدث باسم الجبهة الوطنية للتحرير المعارضة: "الوجود الفعلي الروسي على الأرض يأتي من خلال قوات خاصة، وأيضًا قوات تستخدم المدفعية ورماة الصواريخ بالإضافة لسلاح الجو الروسي"، مضيفًا أن التدخل الروسي حصل "من أجل وقف الانهيارات المتتالية بصفوف قوات الأسد".

ضباط روس يشاركون بالإشراف على المعارك

وتصل تعزيزات مستمرة بشكل شبه يومي للقوات الموجودة في هذا المحور، إلا أن القوات الروسية تعمل في محور آخر وهو محور الكبينة بريف اللاذقية، تلك المنطقة الجبلية التي استعصت عليها، فيما تقوم بشن غارات مكثفة وقصف مدفعي بشكل متكرر للسيطرة على المنطقة الإستراتيجية المطلة على جسر الشغور بريف إدلب، وفي بيان لها قالت "هيئة تحرير الشام"، إن روسيا تحاول فرض واقع جديد في الملف السوري عن طريق التقدم على أجزاء واسعة من المنطقة، معتبرةً أن محاولات إحداث خرق أمني عبر ملف المصالحات أو عبر زعزعة أمن المحرر باءت بالفشل.

إخفاق واضح

ظهر جليًا بعد الحشد العسكري الروسي الكبير في المعركة المستمرة منذ قرابة الشهرين، الإخفاق الذي منيت به هذه القوات على الرغم من قضمها بعض المناطق التي لا تعتبر مساحة كبيرة من الأرض التي تريد السيطرة عليها، ففي قرية الكبينة بريف اللاذقية منيت موسكو بهزيمة ساحقة، حيث تصدت قوات المعارضة لعشرات الهجمات البرية المدعمّة بغطاء جوي كبير.

وكانت تركيا، قد استأنفت تزويد المعارضة بالأسلحة والذخائر منذ بداية المعركة، لما تعتبره خرقا لاتفاقية سوتشي بشأن المنطقة المنزوعة السلاح في إدلب، وبدا ذلك واضحًا من استخدام المعارضة لصواريخ التارو المضادة للدروع، وتدمير الكثير من آليات النظام وروسيا.

من جهته، قال الناطق باسم الجبهة الوطنية للتحرير لـ"نون بوست": "التضحيات الكبيرة من مقاتلي الثوار هي ما تصدت للهجمات الروسية، بوجود تكتيكات عسكرية جديدة استخدمتها المعارضة في المعارك"، مضيفًا "وجود وسائل جعلتهم يحتمون من القصف الجوي الكبير، وهو الشيء الذي جعل روسيا تقف عاجزة عن التقدم".

ومنذ بدء المعركة تصدر يوميًا مقاطع مصورة للمعارضة السورية يتضح من خلالها استهداف القوات المهاجمة لها، فيما تُبين المقاطع تدمير ناقلات ودبابات ومدافع تستخدمها روسيا وقوات النظام، وفي مدونته قال الإعلامي السوري هادي العبد الله: "تمكن الثوار من شن عدة عمليات نوعية استطاعوا على إثرها التقدم على عدة محاور لم تكن واردة أصلاً في حساب نظام الأسد وحليفه".

ومن خلال حديثه لـ"نون بوست ذكر محمد رشيد الناطق الإعلامي لجيش النصر، أحد فصائل الجبهة الوطنية للتحرير أن "روسيا والنظام السوري خسروا عتادًا كبيرًا، إضافةً لمقتل أكثر من 600 عنصر من عناصر النظام السوري التي تستخدمهم روسيا في عملياتها"، مضيفاً أنه وفي أحد المعارك التي أجرتها القوات المعارضة أجبرت أحد "القواعد الروسية للانسحاب من مواقعها".

وبعد الهزائم المتتالية أعلنت روسيا في أيام ماضية، بعض الهدن من طرف واحد فقط، لم تقبل بها المعارضة، وبالأصل لم يلتزم بها سلاح الجو الروسي والسوري، فكان يستمر بقصف المناطق الآهلة بالسكان وارتكاب المجازر، وليس واضحًا بعد هذه الإخفاقات المتكررة إن كانت القوات الروسية ستستمر بهجومها لتحقيق مبتغاها أم أنها ستقف عند هذه الحدود المتفق عليها مع تركيا.