عندما يدور الحديث عن الأمور المالية، فإن قلة ممن يشاركون آرائهم قد تصيب معلوماتهم، خاصةً فيما يتعلق بالانضباط والإدارة، وهما شرطان أساسيان في بناء مواقف ناجحة مع عالم المال، وما يحتويه من مسؤوليات والتزامات لا سيما في الوقت الذي أصبحت فيه الحياة تدور حول المادة، فمع هذا النظام أصبح الإنسان فردًا استهلاكيًا ومهووسًا باقتناء المزيد من الأشياء، وكأنه في سباق بلا نهاية مع العالم المادي.

لا شك أن نمط الحياة هذا يزيد علينا أثقالاً مادية تبدو في ظاهرها أساسية وضرورية ولكنها في الحقيقة واحدة من الكماليات التي يمكن تجاوزها والاستغناء عنها، ولذلك يعتقد خبراء الاقتصاد أن الخبرة والحكمة المالية لا بد أن تكون واحدة من أهم المهارات التي ينبغي تعلمها في القرن الواحد والعشرين، وافتقار الأجيال الناشئة إلى المبادئ المالية الأساسية يهدد استقرارهم المادي ويمنعهم من قيادة حياة شخصية ومهنية مستقرة، كما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات مالية خاطئة قد تكون في بعض الأحيان تكلفتها ثقيلة.

هل تجلس دول العالم فوق بركان ديون؟

طرح المصرفي الاستثماري جورج أوجو، هذا السؤال في كتابه "جولات مالية" حين حذر بشدة من الارتفاع المستمر للديون، قائلًا: "الدين التراكمي للدول يصل إلى أكثر من 60 ألف مليار يورو، ليبلغ ضعف ما كان عليه في سنة 2008، ويثبت ذلك من خلال تقديرات معهد التمويل الدولي الذي كشف ارتفاع ديون العالم الإجمالية إلى مستوى قياسي ببلوغها نحو 248 تريليون دولار لعام 2018، مقارنة مع 239 تريليون دولار في العام السابق".

وتشمل هذه الأرقام المفزعة البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وتتجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي لأكبر 100 اقتصاد في العالم، كما لا تقتصر فقط على الحكومات وإنما الشركات أيضًا، والأهم من ذلك بأنها تخص الديون الأسرية التي بلغت عام 2017 نحو 44 تريليون دولار

أما فيما يخص المنطقة العربية تحديدًا، فلقد شهدت القروض الشخصية زيادة كبيرة في منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت بنسبة 30% بين عامي 2013 و2014، ومثال على ذلك ما كشفته بيانات إحصائية لوزارة المالية الكويتية، أن صندوق دعم الأسرة اشترى قروض نحو 16 ألف مواطن كويتي بقيمة 1.3 مليار دولار تقريبًا في بداية عام 2016، وأشار ذلك إلى زيادة بنسبة 37% مقارنة بذات الفترة من العام الماضي.

تعاني تونس من الوضع نفسه، فبحسب التقارير المتوافرة تبلغ قيمة ديون التونسيين للبنوك نحو 8 ملايين دولار، ويمثل القرض العقاري وتمويل شراء سيارة عائلية وقروض الاستهلاك نحو 70% من إجمالي الديون البنكية للأفراد. يفسر الخبراء هذا التضخم في منظمة الديون بضعف الأجور وتصاعد الأسعار وظهور أنواع جديدة من القروض البنكية التي يلجأ إليها المواطن التونسي لتغطية نفقات مناسبات سنوية عديدة مثل الأعياد وموسم المدارس والصيف.

 يضاف إلى ذلك، النتائج التي كشفها المعهد الوطني للشغل والدراسات الاجتماعية في تونس، التي تضم المصاريف الصحية كواحدة من الالتزامات التي قد تؤثر على استقرار الأسرة التونسية المادي وتجعلها ضحية للدين الأسري، لا سيما أن العائلات التونسية تخصص 37.5% من مصاريفها للرعاية الصحية، بينما تشير المعايير الدولية إلى ضرورة عدم تجاوز هذه النسبة 20%.

دول مجلس التعاون الخليجي اقترضت 40 مليار دولار عام 2015، بينها 26 مليار دولار اقترضتها السعودية

ومع انضمام مصر ولبنان والمغرب والأردن وغيرها من الدول العربية إلى هذه القائمة، يحذر صندوق النقد الدولي من انعكاسات هذه الكارثة ليس فقط على الأسرة، وإنما على الاقتصاد ككل، عبر قوله: "ارتفاع دين الأسر يعطي دفعة للنمو الاقتصادي على المدى القصير، ولكن هذه الآثار تتخذ مسارًا معاكسًا في غضون 3 إلى 5 سنوات، حيث يصبح النمو أبطأ من المتوقع وتزداد احتمالات وقوع أزمة مالية، لأن الأسر المثقلة بالديون ستضطر إلى خفض الإنفاق لسداد القروض، وكما بينت أزمة 2008، يمكن أن يؤدي حدوث صدمة اقتصادية مفاجئة، كهبوط أسعار المساكن، إلى خلق دوامة من حالات العجز عن السداد تهتز لها دعائم النظام المالي".

جدير بالذكر هنا أن العديد من الدول لا سيما النفطية الغنية لم تعد مستعدة في الوقت الحاليّ لنجدة غيرها، فبحسب تقرير نُشر على فرانس 24، فإن دول مجلس التعاون الخليجي اقترضت 40 مليار دولار عام 2015، بينها 26 مليار دولار اقترضتها السعودية، ووفقًا لتحليلات أخرى، فلقد بلغ إجمالي قيمة القروض الشخصية الممنوحة للأفراد في المنطقة 303.2 مليار دولار، واستحوذت السعودية وحدها على 30%، تلتها الإمارات بنسبة 29.3%، ثم الكويت 17.2%، وقطر 11.5%، وسلطنة عمان 8.5%، والبحرين 3.6%.

وهي أرقام هائلة ومثير للقلق، لا سيما فيما يتعلق بالقروض الشخصية والديون الأسرية، إذ تشير إلى وجود خلل أو صعوبة في كيفية تخطيط وإدارة ميزانية الأسرة، ما يبقيها عرضة للصدمات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، وتجنبًا لذلك، يوصي الخبراء بمجموعة من الإستراتيجيات والخطوات التي من شأنها تقليل المصاريف وهدر الأموال وادخار بعضها للأوقات الصعبة.

بعيدًا عن العشوائية والمفاجآت.. هكذا تخطط ميزانية أسرتك

في ظل اتساع دائرة الاحتياجات مقابل ارتفاع أسعار السلع والخدمات وسعي شرائح عريضة من المجتمعات الحاليّة لمسايرة الموضة والمغريات العصرية وعيش نمط حياة مرفه، يصعب على الأسر النجاة من المصاريف الفجائية والعشوائية، ولذلك تظل بعيدة عن أسلوب الحياة المتوازنة ورهينة للاختناقات المالية والقروض التي تسبب فيما بعد مشاكل اجتماعية ونفسية.

ومن هذا الجانب، يوصي الخبراء بالنظر إلى هذه المسألة بجدية واعتبارها عنصرًا أساسيًا من عناصر تنظيم الحياة الأسرية، إذ يمكن ضمان ذلك من خلال اتباع الإرشادات التالية:

أولًا: يبدأ التخطيط بين الشريكين في المراحل الأولى من الزواج أو حتى قبل الزواج، لكي يتم الاتفاق على الأهداف والرغبات المشتركة والأدوار المتداولة، دون أن يحطم أحدهم توقعات الآخر أو يخل بمسؤوليته تجاه التزاماته وواجباته المادية، ومنعًا لتعارض الأولويات.

ثانيًا: الخطوة الثانية، تتبع دخل أسرتك ونفقاتك لمدة شهر، اجمع كل الفواتير الخاصة بك، بدايةً من فواتير الكهرباء والمياه وحتى فواتير المطاعم، وحين تقوم بذلك، حدد قيمة الأموال التي اكتسبتها وأنفقتها، وابدأ بتحديد التكاليف غير الضرورية، واكتب ميزانية تخفض من مصروفاتك وتوفر لك بعض هذه الأموال.

ثالثًا: حدد أهدافك المالية، فأنت لا تريد أن تقضي حياتك وأنت تركض من شهر لشهر لكي تسد فواتيرك فقط، ولذلك فكر في توفير المال كهدف طويل الأجل وبعيد المنال، سواء من أجل التقاعد أو إدخال أبنائك الجامعة، وربما لأهداف استثمارية لتوليد موارد جديدة.

رابعًا: ابتعد عن الديون والقروض، فحين تكون مديونًا، لن يفارقك الشعور بالإرهاق والتوتر والقلق، ولذلك لا بد أن تتبع مصروفاتك من بطاقات الائتمان شهريًا، حتى لا تتراكم عليك الديون والفوائد، وإن كنت أساسًا تعاني من هذا الأمر، فيمكنك إنشاء خطة واقعية للعمل على سدادها، بواسطة تخفيض بعض النفقات غير الضرورية وتحديد الأماكن التي تذهب إليها أموالك.

عدم المبالغة في مجاراة الضغوط الاجتماعية والمتطلبات العصرية وعدم الاستعجال في اتخاذ قرارات الشراء والإنفاق، وخاصةً على الكماليات والمنتجات التي تنتهي صلاحيتها خلال شهور فقط

خامسًا: خطط للحالات الطارئة والمفاجآت المالية، فلا شك أن كل أسرة تمر بمنحة أو أزمة مالية، بسبب الطرد من العمل أو حدوث طارئ عرضي، ولذلك يساعدك إنشاء صندوق الطوارئ على توفير مبالغ من المال لتغطية النفقات غير المتوقعة.

سادسًا: حدد ميزانية السفر، إذ تعتقد الكثير من العائلات أن الإجازة عبارة عن متنفس ومهرب من المسؤوليات المالية، وعلى ذلك يرى الخبراء أن توفير المال في هذه الجزئية لا بد أن يكون جزءًا من الميزانية أيضًا، لا سيما أن إيجاد البدائل في هذا الوقت بات خيارًا متوافرًا لجميع الأسر.

وذلك كله يقع تحت مجموعة من القناعات والسلوكيات الاجتماعية، مثل عدم المبالغة في مجاراة الضغوط الاجتماعية والمتطلبات العصرية، وعدم الاستعجال في اتخاذ قرارات الشراء والإنفاق، وخاصةً على الكماليات والمنتجات التي تنتهي صلاحيتها خلال شهور فقط، وأهم نقطة تكمن في استخدام النقد، فإن التسوق باستخدام البطاقات البنكية يسهل عليك عملية الدفع والصرف وينسيك الالتزام بميزانيتك.