تنطلق اليوم الثلاثاء فعاليات اليوم الأول من ورشة البحرين الاقتصادية (المثيرة للجدل) المستمرة على مدار يومين لمناقشة الجانب الاقتصادي من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط والمعروفة إعلاميًا باسم "صفقة القرن" في ضوء الورقة التي كشف البيت الأبيض النقاب عنها قبل يومين.

وحتى اللحظات الأخيرة قبيل انطلاق شارة البدء فرضت حالة من الجدل والغموض نفسها على الأجواء فيما يتعلق بالدول المشاركة في هذا المؤتمر، في ظل الرفض الشعبي الذي قوبل به من جانب، والضغوط الصهيوأمريكية الممارسة لتعزيز الحضور من جانب آخر.

جاريد كوشنر مستشار البيت الأبيض وصهر الرئيس الأمريكي ومهندس الصفقة الأول، يسعى بكل قوة لبث الحياة فيها مرة أخرى بعد حالة الموت السريري التي دخلتها في أعقاب حل الكنيست "البرلمان" الإسرائيلي، مستندًا في ذلك إلى خطة اقتصادية تعزف على وتر الإغراءات المالية مستغلاً حاجة الفلسطينيين.

المؤتمر المقرر عقده اليوم وغدًا في العاصمة البحرينية المنامة، في حقيقته جس نبض لاستطلاع ردود الفعل من مختلف وزراء المالية وممثلي مؤسسات الاستثمار المشاركين، ومعرفة التعديلات التي قد تكون لازمة لكسب تأييد أوسع، إلا أن المشاركة الواسعة - حال حدوثها - في حد ذاتها والجلوس للاستماع للخطة انتصار صغير ربما يترتب عليه انتصارات أخرى أكبر، وفق ما أوضح مهندس الصفقة.

رفض فلسطيني

رغم ما يثار بشأن مشاركة فلسطينية في الورشة، فإن رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن أعاد التأكيد مجددًا على رفض المؤتمر وكل ما يخرج عنه، مشيرًا أنه "ضد ما يجري في المنامة وضد صفقة العصر".

أبو مازن وفي كلمة للصحافة الأجنبية نقلتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية قال: "الأموال مهمة والاقتصاد مهم، لكن الحل السياسي أهم، وعندما يتم حل سياسي على أساس الشرعية الدولية ورؤية الدولتين، وقتها نقول مرحبا بكل من يريد أن يساعدنا"، معربًا عن رفضه المطلق أن تحول الولايات المتحدة القضية الفلسطينية من سياسية إلى اقتصادية.

وأضاف "عندما يكون هناك حل سياسي وعندما تطبق رؤية الدولتين، وعندما نرى دولة فلسطين على حدود 67 حسب ما هو وارد بقرارات الشرعية الدولية، عند ذلك نقول أيها العالم تعال لمساعدتنا نحن مستعدون للمساعدة".

الأمر ذاته أكدته حركة حماس حيث قالت: "فلسطين ليست للبيع" لافتة إلى أن"الإدارة الأمريكية تواصل وهمها بأن الشعب الفلسطيني يمكن أن يقايض حقوقه ومقدساته بأي مشاريع وأموال"، فيما أشار حازم قاسم الناطق باسم الحركة في بيان أن "الفلسطينيين سيواصلون نضالهم حتى يُفكك المشروع الصهيوني العنصري على الأرض الفلسطينية مهما بلغت التضحيات".

مظاهرات منددة بالمؤتمر داخل الأراضي الفلسطينية

مقايضة سياسية

الخطة التي تم كشف ملامحها قبل عدة أيام والمتعلقة بجمع 50 مليار دولار في صندوق سيادي، لتمويل عدد من المشروعات في الضفة الغربية وغزة بجانب الدول ذات الصلة (مصر والأردن ولبنان) اعتبرها البعض نوعًا من المقايضة السياسية الأساسية للشعب الفلسطيني بحزمة من مشروعات التنمية وفرص الإنعاش الاقتصادي والمزايا التجارية.

صحيفة القدس الفلسطينية علقت على هذا الأمر بقولها "أي حل للصراع العربي - الإسرائيلي وفي مقدمته الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يمكن أن يتم دون إحقاق الحقوق السياسية والوطنية لشعبنا الفلسطيني وفي مقدمة ذلك حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف".

وأضافت في افتتاحية لها أن ما وصفته بـ"الالتفاف" على هذه الحقوق من خلال خطة اقتصادية هدفها "إنهاء قضية شعبنا واستبدالها بتحسين سبل المعيشة، فهذا أمر لا يمكن أن يمر على شعبنا وقيادته السياسية وجميع فصائلة المناضلة التي قدمت على مذبح القضية مئات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى رغم محاولات تصفية هذه القضية منذ نشوئها، منذ أكثر من قرن من الزمان".

"الدعم الإنساني والاقتصادي للفلسطينيين أمر حاسم لخلق بيئة مواتية لمفاوضات قابلة للحياة، لكن يجب أن أؤكد أنه لا يمكن حل النزاع من خلال التدابير الاقتصادية وحدها".. نيكولاي ميلادينوف المنسق الأممي للسلام

الأمر ذاته أكدته الأمم المتحدة، ففي مؤتمر صحفي عقده نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق بالمقر الدائم للمنظمة الدولية في نيويورك، أكد خلال رده على أحد الأسئلة بشأن موقف المنظمة من الخطة المعلنة "دعونا ننتظر وسنرى.. لكن موقفنا تم التعبير عنه بالفعل من خلال الإفادة التي قدمها نيكولاي ميلادينوف (المنسق الأممي للسلام) لأعضاء مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي".

وكان ميلادينوف قد قال لأعضاء مجلس الأمن الخميس الماضي: "الدعم الإنساني والاقتصادي للفلسطينيين أمر حاسم لخلق بيئة مواتية لمفاوضات قابلة للحياة. لكن يجب أن أؤكد أنه لا يمكن حل النزاع من خلال التدابير الاقتصادية وحدها"، مضيفًا "يمكن أن تكون هذه الخطوات مكملة فقط لعملية سياسية شرعية تنهي الاحتلال، وتعالج جميع مشكلات الوضع النهائي وفقًا للقرارات الدولية ذات الصلة".

لن تمر

الاعتماد على البُعد الاقتصادي فقط في ظل الافتقار إلى حلول سياسية واضحة في طرح الخطة، وما نجم عنها من موجات من الرفض الشعبي لتلك المقايضة، الأمر الذي وضع حكومات الدول المشاركة في الورشة في مأزق سياسي واضح، في حقيقته مقدمة لفشل المؤتمر قبل أن يبدأ.

المحلل الأردني فهد الخيطان، يرى أن "كوشنر وفريقه بلا خبرة في تاريخ الصراع بالشرق الأوسط، وكان بإمكانهم العودة لأرشيف عملية السلام بعد أوسلو ووادي عربة وقبلهما كامب ديفيد، ليدركوا أن الحلول الاقتصادية لم تفلح في حل الصراع، فقد عقدت مؤتمرات اقتصادية وتبنى قادة إسرائيليون خططًا للازدهار الاقتصادي، تحولت كلها لسراب في غياب آفاق الحل السياسي العادل والقائم على ضمان حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني".

السعودية والإمارات ومعهم الدولة المستضيفة لا شك أنهم على قائمة الدول المشاركة، إن لم يكونوا أنفسهم أداة ترامب للضغط على الآخرين للحضور

وأضاف في مقال له أن الأزمات التي تواجهها دول الخليج، المستهدف الأول لتحمل الجانب الأكبر من كلفة الخطة وفق ما ذهب ترامب وصهره، أمر مشكوك فيه في ظل ما تواجهه من تحديات وتذبذب أسعار النفط، وتكاليف هائلة لتمويل الحرب في اليمن ومواجهة التهديدات الإيرانية بصفقات سلاح بمبالغ فلكية، ناهيك عن أزمة دول الخليج الداخلية التي تهدد بتصدع مجلس التعاون الخليجي.

ومن المؤشرات التي تذهب إلى فشل المؤتمر قبل بدايته بحسب ما ذهب إليه المحلل الأردني تخفيض مستوى تمثيل معظم الدول الأوروبية المشاركة في الورشة، هذا في الوقت الذي حرصت فيه دول أخرى منافسة مثل روسيا والصين على مناكفة ترامب بالغياب.

يتعامل كوشنر مع القضية الفلسطينية كـ"سمسار" يسعى لإنهاء الصفقة بأي ثمن، مستخدمًا في ذلك الطرق كافة، القانونية منها وغير القانونية، محترفًا في توزيع الرشاوى على كل المشاركين في الورشة، متحدثًا عن مشاريع استثمارية في الأردن ولبنان ومصر لإغراء حكوماتها بالقبول بهذه الصفقة، مستغلاً أوضاعها المالية الصعبة.

البعض يتحدث عن تدني قيمة الصفقة، فـ50 مليار دولار على مدار عشر سنوات، رقمًا ليس بالمغري لتمرير الخطة على النحو المقدمة به، وهو ما يكشف تدني قيمة العرب وقضاياهم في نظر الإدارة الأمريكية، الأمر الذي أثار موجة من الاستياء داخل الشارع العربي الذي تأكد لديه أن الورشة بجانب أنها مقايضة لتصفية القضية الفلسطينية فإنها منصة للتطبيع الرسمي بين الدول العربية والكيان الصهيوني.

السعودية والإمارات أبرز الداعمين للمؤتمر

مشاركة عربية متأرجحة

رغم الضغوط الأمريكية الممارسة لتعزيز رقعة المشاركة في الورشة، فإن المحصلة النهائية لم تكن على المستوى المطلوب، فبعيدًا عن أصدقاء تل أبيب وحلفائها في المنطقة، ستنحصر المشاركات في عدد قليل من الدول العربية الأخرى من خلال تمثيل متواضع، فيما بات موقف دول أخرى معلقًا حتى كتابة هذه السطور.

السعودية والإمارات ومعهم الدولة المستضيفة لا شك أنهم على قائمة الدول المشاركة، إن لم يكونوا أنفسهم أداة ترامب للضغط على الآخرين للحضور، حيث أعلنت كل من الرياض وأبو ظبي بشكل رسمي مشاركتهما، معتبرة أن "الأهداف التي تنطلق منها الورشة والمتمثلة في السعي نحو إطار عمل يضمن مستقبلاً مزدهرًا للمنطقة، وتشكل هدفًا ساميًا لرفع المعاناة عن الفلسطينيين".

القاهرة كذلك أكدت المشاركة عبر وفد برئاسة نائب وزير المالية، فيما ذكر المتحدث باسم الخارجية المصرية أن المشاركة "تهدف لمتابعة الأفكار التي سيتم عرضها خلال الورشة، وتقييم مدى توافق ما قد تتضمنه من أطروحات مع رؤية السلطة الوطنية الفلسطينية لسبل نيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من خلال إطار سياسي، ووفقًا للمحددات والثوابت الفلسطينية والعربية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة".

وعلى ذات المنوال أعلنت عمّان مشاركتها بوفد ضئيل من وزارة المالية بعد جدل دام طويلاً في ظل ضغوط برلمانية وشعبية طالبت بعدم المشاركة في هذا المؤتمر الذي يهدف وفق ما ذهب إليه الشارع الأردني إلى إجهاض حقوق الفلسطينيين عبر مساومات مالية تهدف إلى سلب حقوقهم السياسية.

كما أعلنت الرباط رسميًا مشاركتها في الورشة، حيث جاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية المغربية أمس الإثنين، أن "مسؤولاً من وزارة الاقتصاد والمالية سيمثل المغرب في المؤتمر"، رغم التظاهرات التي خرجت تندد بالخطة المعلنة، البيان أشار أن المشاركة تأتي "انطلاقًا من الموقف الثابت والدائم للمملكة المغربية من أجل حل دولتين، تتعايشان جنبًا إلى جنب في سلام واستقرار، يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة على حدود 4 من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

اللافت في الموضوع أن الخطة ذاتها لم تنل القبول الكامل إسرائيليًا، فتأجيل إعلان صهر ترامب البنود السياسية لها دفعت بعض الأصوات داخل الكيان الصهيوني للاعتراض عليها

وفي الجهة الأخرى أعلن لبنان على لسان وزير خارجيته جبران باسيل أن بلاده لن تشارك في المؤتمر، مضيفًا في مقابلة مع شبكة "CNN الأمريكية: "نفضل أن تكون لدينا فكرة واضحة عن الخطة المطروحة للسلام، حيث إننا لم نُستشر بشأنها ولم نبلغ بها"، مؤكدًا أن "لبنان لديه أراض محتلة وفيه عدد كبير من اللاجئين منذ عام 1948".

كما انضم العراق إلى قائمة الدول الرافضة، حيث كشفت وزارة الخارجية على لسان المتحدث باسمها أحمد الصحاف، عدم مشاركتها، قائلاً: "لسنا معنيين بهذا المؤتمر ولن نشارك"، مضيفًا "العراق يتمسك بموقفه الثابت والمبدئي تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني".

إجهاض مبكر للخطة

إرهاصات الفشل المبكر للمؤتمر قبيل انطلاقه التي تزامنت مع عدد من المستجدات الإقليمية على رأسها التصعيد بين إيران والولايات المتحدة الذي سحب بدوره البساط الإعلامي والسياسي من تحت أقدام الورشة، ربما تحمل بين ثناياها إجهاضا مبكرًا للخطة الاقتصادية المعلنة التي عنون لها الأمريكان بـ"السلام من أجل الازدهار".

الضغوط الشعبية التي تعرضت لها الحكومات المشاركة وأسفرت عن ضآلة مستوى التمثيل في محاولة لإرضاء الحليف الأمريكي وتجنب غضبه حال عدم المشاركة، هذا بجانب عدم قناعة الكثير من الحلفاء الأوروبيين ورفض العديد من القوى المناوئة لسياسات واشنطن العالمية، عوامل عدة تصب في النهاية في فشل إقناع المجتمع الدولي بالخطة التي بات مستقبلها على المحك.

كوشنر ورفاقه أرادوا من ورشة البحرين أن تكون نقطة انطلاق نحو تسوية الصفقة، إلا أن افتقار الخطة للبعد السياسي الذي لم يتحقق أي نجاح يذكر على صعيده خلال الآونة الأخيرة، كان معول هدم مبكر لهذا الحراك الذي من المتوقع ألا يفضي إلى شيء في ظل كل تلك التحديات.

اللافت في الموضوع أن الخطة ذاتها لم تنل القبول الكامل إسرائيليًا، فتأجيل إعلان صهر ترامب البنود السياسية لها دفعت بعض الأصوات داخل الكيان الصهيوني للاعتراض عليها، على رأسهم زعيم المعارضة بيني غانتس الذي رأى أن "تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين يجب أن يكون جزءًا من مبادرة تتضمن تجريد قطاع غزة من السلاح وعودة الأسرى الإسرائيليين لدى حماس، بل وحتى منع وقوع عمليات في الضفة".

القلق ذاته عبر عنه شريكه يائير لبيد فاعتبر أن من الواجب أن يوضح الإسرائيليون مسبقًا أن كل هذا مشروط بعدم المس بحرية الجيش الإسرائيلي في مناطق الضفة كافة، معتبرًا فكرة الممر بين الضفة وغزة "فضفاضًا وعند التنفيذ يجب أن تتوافر لـ"إسرائيل"، ضمانات للحفاظ على أمنها".

الاعتراض الصاعد من الداخل الإسرائيلي وإن كان الهدف منه تصدير صورة مغايرة لما يتم الترويج له بأن الخطة تهدف مصلحة الكيان في المقام الأول على حساب الفلسطينيين، إلا أنه في الوقت ذاته مؤشر سلبي على إمكانية تحقيق الإجماع المطلوب الذي من خلاله يمكن أن يتم اعتمادها كمرحلة أولى لإتمام الصفقة تمهيدًا للشق السياسي غير المعلوم ملامحه حتى الآن.

وعلى الأرجح.. فإن المشاركة المتواضعة لورشة البحرين وإن كان من الصعب تحقيقها لأي نجاح يذكر على مستوى تمرير الجانب الاقتصادي من خطة ترامب لـ"صفقة القرن" إلا أنها بلا شك ستكون منصة جديدة لتعزيز التطبيع - رسميًا - بين السعودية والإمارات من جانب وتل أبيب من جانب آخر، خاصة مع ما يثار بشأن مشاركة وفد إسرائيلي.