تجاوزت المؤشرات المالية للجزائر خطها الأحمر، بسبب اختلال التوازنات المالية للبلاد وتراجع الاحتياطات النقدية مع انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، إضافة إلى العزلة الاقتصادية التي دخلتها منذ إطلاق العدالة الجزائرية حملة "الأيادي النظيفة" بدعوة من المؤسسة العسكرية.

ولعل أبرز المؤشرات التي تؤكد بوضوح صعوبة الوضع المالي والاقتصادي الذي تمر به البلاد حاليًّا، الأرقام الخطيرة التي كشفها البنك المركزي الجزائري، وأظهرت تراجعًا كبيرًا في الاحتياطات النقدية مع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

حسب التقرير الذي نقلته "وكالة الأنباء الجزائرية"، فإن الانخفاضات السنوية لاحتياطات الصرف تعكس ارتفاع النفقات الداخلية لمجموع العناصر الفعالة الاقتصادية عن الدخل الوطني

وفي مذكرة رسمية نشرها بموقعه على الإنترنت الإثنين الماضي، كشف بنك الجزائر المركزي أن احتياطات العملة الأجنبية انخفضت إلى نحو 79.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي مقابل نحو 97.3 مليار دولار قبل عام، وأرجع البنك المركزي، في مذكرته الظرفية أسباب هذا التراجع إلى عجز الرصيد الكلي لميزان المدفوعات بسبب تأثير التثمين السلبي بنحو 1.73 مليار دولار المرتبط بانخفاض قيمة اليورو أمام الدولار في الفترة الممتدة بين ديسمبر/كانون الأول من العام 2017 وديسمبر/كانون الأول 2018.

تآكل سريع

وحسب التقرير الذي نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، فإن الانخفاضات السنوية لاحتياطات الصرف، تعكس ارتفاع النفقات الداخلية لمجموع العناصر الفعالة الاقتصادية عن الدخل الوطني، بمعنى ارتفاع الواردات مقارنة بالصادرات، رغم القرار الذي اتخذته الحكومات المتعاقبة في فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة المتعلق بكبح الاستيراد.

وأرجع الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر، في حديثه مع "نون بوست" أسباب التآكل السريع لاحتياطي الصرف في السنوات الأخيرة إلى الاعتماد على بيع وتصدير النفط والغاز كمصدر وحيد للعملة الصعبة، في وقت نجد دولًا أخرى ومنها دول الجوار لديها تنوع في مصادر العملة الصعبة، سواء كانت صادرات متنوعة وليست مادة وحيدة أم مصادر أخرى مثل تحويلات المهاجرين في الخارج إلى الوطن.

اقترح الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر، اتخاذ حلول جذرية وواقعية والابتعاد عن الحلول الترقيعية والمؤقتة، كالقضاء على السوق الموازية للعملة

ولعل أهم ما زاد الأمور تعقيدًا بالنسبة للحكومة هو القرارات العشوائية التي تتخذها هذه الأخيرة، واستدل ناصر سليمان بـ"التخبط الكبير في تنظيم التجارة الخارجية لتقليص فاتورة الواردات (من تحديد رخص الاستيراد إلى تحديد قائمة كبيرة من السلع الممنوعة من الاستيراد، إلى فرض ضريبة الرسم الوقائي المؤقت على الواردات التي تتراوح بين 30 و200%) ومع كل ذلك فإن فاتورة الواردات لم تقل عن 46 مليار دولار خلال سنتي 2017 و2018.

واقترح الخبير الاقتصادي الجزائري سليمان ناصر، اتخاذ حلول جذرية وواقعية والابتعاد عن الحلول الترقيعية والمؤقتة، كالقضاء على السوق الموازية للعملة وأن تتم تحويلات المهاجرين الجزائريين في الخارج إلى الوطن بالطرق الرسمية أي البنوك، وفي هذه الحالة تحقق هذه الهيئات موردًا جديدًا من العملة الصعبة لا يقل عن 8 مليارات دولار سنويًا وهو ما يمكن أن يغطي فاتورة الغذاء السنوي المستورد في الجزائر.

اللجوء إلى الاستدانة الخارجية مستبعد

واستبعد سليمان ناصر إمكانية لجوء البلاد إلى الاستدانة الخارجية لعدة أسباب أبرزها عدم موافقة الهيئات والبنوك على إقراض الجزائر، فالعجز السنوي في الميزانية بقي ثابتًا تقريبًا خلال السنتين الأخيرتين وهو 2000 مليار دينار جزائري أي ما يعادل نحو 17 مليار دولار وهو مبلغ كبير.

يرى المتحدث أن حكومة بدوي مجبرة اليوم على استغلال ما تبقى من النقود التي تم طبعها في إطار التمويل غير التقليدي

وأجرى المتحدث مقارنة بسيطة بين مصر التي ظلت على حد قوله تتفاوض لسنوات مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قرض قدره 12 مليار دولار، وحصلت عليه بشق الأنفس وبشروط مجحفة، وجرى تقسيمه على 3 دفعات، وتساءل: من الذي يقرضنا نحن 17 مليار دولار دفعة واحدة وفي كل سنة؟

ويرى المتحدث أن حكومة بدوي مجبرة اليوم على استغلال ما تبقى من النقود التي تم طبعها في إطار التمويل غير التقليدي، حيث كشف التقرير الأخير لبنك الجزائر أن المبلغ الذي تمّ طبعه حتى نهاية شهر يناير 2019 بلغ 6556.2 مليار دينار جزائري، منها 3114.4 مليار تم ضخه فعليًا في الاقتصاد الوطني، مما يعني أن مبلغ 3441.8 مليار لم يتم ضخه بعد في الاقتصاد، فيمكن الاعتماد عليه في سد عجز الموازنة لسنتين إضافيتين، رغم أنه يعارض رفقة قطاع واسع من الخبراء والمتتبعين للمشهد الاقتصادي في البلاد هذا التمويل غير التقليدي الذي أجازه البرلمان الجزائري بغرفتيه دون تحديد سقف ولمدة 5 سنوات.

عزلة دبلوماسية

وما زاد الطين بلة هو العزلة الدبلوماسية التي دخلت فيها الجزائر منذ انطلاق الحراك الشعبي في 22 من فبراير/شباط الماضي، بعدما كانت قبلة لكبار الزعماء في العالم، فمنذ بداية الأزمة السياسية تقلص عدد زيارات الوفود الأجنبية إلى البلاد، فلم يتجاوز عدد الذين وطئت أقدامهم الجزائر أصابع اليد الواحدة وهم كل من وزير خارجية دولة سيراليون ورئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج وقبله نائبه أحمد معيتيق.

قال قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح: "لا مكان للأزمة الاقتصادية بعد تحرر الجزائر من العصابة والمفسدين"

هذا الوضع دفع قائد المؤسسة العسكرية الفريق أحمد قايد صالح إلى الخروج عن صمته، وطمأن في آخر خطاب ألقاه من مدينة بشار أقصى جنوبي البلاد، الأربعاء الماضي، شركاء الجزائر الاقتصاديين بقوله: "مؤسسات الدولة حافظت على مكانتها لدى الشركاء الأجانب"، مضيفًا "لا مكان للأزمة الاقتصادية بعد تحرر الجزائر من العصابة والمفسدين"، مؤكدًا أن عجلة التنمية في البلاد تسير بوتيرة أسرع وبأهداف أسمى، ولا مكان لأزمة اقتصادية ولا لغيرها بعد تحرر الجزائر من العصابة والفساد والمفسدين ومنتهكي الأمانة.

شركاء الجزائر قلقون

اتصلت عدة سفارات بوزارة الخارجية للاستفسار عن الوضع الاستثماري في الجزائر بعد إيداع رجال أعمال جزائريين الحبس المؤقت بتهم فساد مدوية، على غرار السفارة الألمانية التي طلبت حسب تقارير إعلامية محلية تقريرًا مفصلاً عن مصير استثماراتها بعد إيداع شريكها المحلي في مصنع تجميع سيارات "فولكس فاغن" مراد عولمي السجن يوم 17 من يونيو/حزيران الماضي في ملف فساد.

وليست ألمانيا وحدها من استفسرت عن وضع مشاريعها بل حتى كوريا واليابان وفرنسا المنزعجة من تغير موازين القوى في البلاد وسقوط النظام السابق وإيطاليا المتخوفة كثيرًا من فتح قضايا الفساد في قطاع النفط، ولعل أبرز قضية فساد تفجرت خلال حكم الرئيس المتنحي عبد العزيز بوتفليقة قضية "سايبام" التي جرت 19 مسؤولاً جزائريًا إلى أروقة العدالة الجزائرية بتهم تشكيل عصابة والاستيلاء على أموال عامة وتبييض أموال وفساد في إطار إسناد الصفقات لشركات أجنبية بما ينافي التشريعات.

لسوء حظ الجزائر شهد سعر خام البرنت تراجعًا حادًا وصل إلى حدود 62 دولارًا للبرميل الواحد بعد أن تجاوز حاجز حدود 70 دولارًا في الفترة الماضية

يقول الخبير الاقتصادي كمال رزيق: "مناخ الأعمال في الجزائر يمر اليوم بمرحلة صعبة للغاية، فالمتعامل الأجنبي وحتى المحلي متخوف من التطورات التي تشهدها البلاد، خاصة بعد أن أثبتت جميع التحقيقات أن رجال أعمال جزائريين متورطون في قضايا فساد مدوية".

واستدل المتحدث بالحضور "الضعيف" الذي شهدته الطبعة الـ52 لمعرض الجزائر الدولي بقصر المعارض، بسبب تزامن هذه التظاهرة مع الظرف الصعب الذي تمر به البلاد ومن ذلك إيداع كبار رجال الأعمال الجزائريين السجن، وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة انتخاب رئيس جمهورية وتعيين حكومة شرعية توكل لها مهام خلق برنامج للإقلاع الاقتصادي وجلب المستثمرين الأجانب.

وقال: "رموز الفساد تركت البلاد في ظروف اقتصادية أكثر من صعبة والرئيس القادم سيرث تركة ثقيلة ومديونية كبيرة واقتصاد هش، فالنشاط الاقتصادي انخفض ما بين 40 إلى 50% منذ بداية الأزمة السياسية وهذا سينجر عنه انخفاضًا في الإيرادات الضريبية".

تهاوي أسعار النفط

لسوء حظ الجزائر شهد سعر خام البرنت تراجعًا حادًا وصل إلى حدود 62 دولارًا للبرميل الواحد بعد أن تجاوز حاجز حدود 70 دولارًا في الفترة الماضية، إضافة إلى تراجع كميات المحروقات المصدرة التي شهدت انخفاضًا كبيرًا خلال السداسيين المواليين، حيث انخفضت من 96.54 مليون طن نفط المكافئ في أول سداسي 2017، إلى 27.53 مليون طن مكافئ في السداسي الثاني من نفس السنة، وإلى 15.52 مليون طن مطافئ في السداسي الأول من سنة 2018، وكشف البنك المركزي الجزائري أن وتيرة الانخفاض تسارعت لتصل إلى 7.47 مليون وهو انخفاض بنسبة 5.8% مقارنة بالسداسي الأول من سنة 2018.

قال وزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب، على هامش جلسة برلمانية، نظمت منذ أسبوع، إن الجزائر تريد سعرًا للنفط يصل إلى 80 دولارًا للبرميل، بعد أن هبط من ذروته في 2019 من 75 دولارًا للبرميل في أبريل/نيسان الماضي إلى مستوى أعلى من 60 دولارًا بقليل حاليًّا، بفعل مخاوف من ضعف الطلب بسبب نزاع تجاري بين الولايات المتحدة والصين وتباطؤ اقتصادي، وهو ما أزعج بعض مصدري النفط على رأسهم الجزائر.