بينما يستقبل المصريون الذكرى السادسة لمظاهرات الـ30 من يونيو/حزيران 2013 التي مهدت لانقلاب الـ3 من تموز/يوليو، بات من الواضح خلو الساحة تمامًا من كل القوى والأطراف التي شاركت في الإطاحة بمحمد مرسي أول رئيس مدني منتخب، هذا في الوقت الذي دخلت فيه الحياة السياسية غرفة الإنعاش.

لا يكاد يمر عام إلا ويتم تغييب شخصيات وتيارات سياسية كانت داعمة وبقوة لتلك التظاهرات التي سوق لها آنذاك أنها إرادة شعبية للتخلص من حكم جماعة الإخوان بسبب ما قيل إنها استأثرت بالسلطة منفردة، ليخلوا المشهد الآن للعسكر، ليس على الساحة السياسية فحسب، بل في شتي قطاعات الدولة.

التخلص من جميع الحلفاء كان السمة الأبرز خلال السنوات الخمسة الماضية ليصبح الطريق معبدًا أمام الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي لاعتلاء المشهد دون قلق من شركاء الأمس، ساعيًا لتكوين جيل جديد من الداعمين ليس لديهم أي أطماع سياسية، تزامن ذلك مع تراجع صخب الاحتفالات بتلك الذكرى على عكس الأعوام السابقة وهو ما أثار عدد من التساؤلات.

تغييب الرموز

مع الساعات الأولى لإعلان بيان الـ3 من يوليو بات التخلص من صناع مشهد عزل مرسي إستراتيجية ممنهجة لإخراجهم عن "دولة 30 يونيو"، وكانت البداية بالمدنيين فانحسرت عنهم الأضواء وباتوا على هامش الحياة السياسية، وتزحزحت مواقفهم ما بين المعارضة والصمت والانسحاب نهائيًا من العمل السياسي، هذا بخلاف اعتقال كل من يفكر منهم التغريد خارج السرب.

يتصدر هذا التيار المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية محمد البرادعي الذي لعب دورًا بارزًا في التمهيد لتلك التظاهرات، وكوفئ بعدها بتعيينه نائبًا للرئيس المؤقت عدلي منصور للشؤون الخارجية، لكن سرعان ما اضطر للهروب إثر اعتراضه على فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة صيف 2013، ليتعرض بعدها لحملة تشويه ممنهجة.

كذلك الأمر مع المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، أحد قيادات جبهة الإنقاذ الوطني، وممن مهدوا الطريق بالتيار الشعبي لـ30 يونيو، إذ صار هو الآخر خارج الحسابات السياسية بعد أن أصبح ورقة محروقة، إضافة إلى العديد من الشخصيات التي شاركت في هذا الحراك فمنهم من حُرق بنار الاعتقال وإن أفرج عن بعضهم مثل وائل عباس وحازم عبد العظيم أحد قيادات حملة السيسي الانتخابية.

"أعتقد أن الجميع مصابون بإحباط، ولم يتصور أحد أن تؤول الأوضاع السياسة في البلاد إلى ما آلت إليه الآن" مجدي حمدان عضو جبهة الإنقاذ الأسبق

علاوة على ذلك فقد تم تجميد نشاط بعض التيارات التي كانت على رأس القوى المشاركة في الانقلاب على رأسها شباب الاشتراكيين الثوريين وحركة 6 أبريل، وجرى تحييد 6 أبريل في معادلة السياسة المصرية، بعد أن سُجن مؤسسها أحمد ماهر، وحُظر نشاطها، مع استمرار حبس الناشطين البارزين محمد عادل وهيثم محمدين.

الإسلاميون بدورهم كان لهم نصيب من هذا الإقصاء، على رأسهم عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية ونائبه محمد القصاص، والمحبوسين حاليًّا داخل السجون المصرية، الأمر تجاوز ذلك إلى العسكريين، فألقي القبض على الفريق سامي عنان، رئيس أركان حرب الجيش ونائب رئيس المجلس العسكري الأسبق، لمجرد إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، بجانب الفريق أحمد شفيق الذي لزم الصمت إثر تهديدات تلقاها ألزمته بيته.

فيما ظل حزب النور في المنطقة الدافئة، مؤيدًا للنظام، إلا أنه بات خارج المشهد السياسي، ولم يعد له وزن في الحياة السياسية، بينما غاب عن الأضواء، قصرًا أو خيارًا، عدد من الرموز الإعلامية والمثقفة التي كان لها دور محوري في التجييش للانقلاب على مرسي، على رأسهم يسري فودة وريم ماجد وحافظ الميرازي وليليان داوود، بجانب خالد يوسف وعلاء الأسواني وغيرهم.

جبهة الإنقاذ

التخلص من الشركاء

خلال السنوات الخمسة الماضية، نجح السيسي في التخلص من شركائه السابقين، ولعل قرار تعيين اللواء محمد أمين نصر رئيسًا لهيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة مستشارًا له للشؤون المالية، يعد الحلقة الأخيرة من مسلسل إقصاء كل أعضاء المجلس العسكري الذي شارك مع السيسي في الإطاحة بمرسي.

وخلال الفترة الماضية أُجبر اللواء إسماعيل عثمان مدير إدارة الشؤون المعنوية على معالجة شؤونه المعنوية الخاصة، بينما أُحيل الفريق عبد العزيز سيف الدين قائد قوات الدفاع الجوي وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة إبان ثورة يناير للتقاعد في أغسطس 2012، أما اللواء أركان حرب حسن الرويني قائد المنطقة المركزية العسكرية، فقد عُيِّن مساعدًا لوزير الدفاع في 11 من يوليو 2012، ثم قدّم استقالته من عضوية المجلس العسكري نهاية العام نفسه.

الأمر لم يتوقف عند حاجز أعضاء المجلس فحسب، بل انتقل إلى أقرب شركائه، مثل وزير الدفاع صدقي صبحي، ورئيس الأركان محمود حجازي، وقائد الجيش الثالث محمود وصفي، وزميله قائد الجيش الثاني أسامة عسكر، فيما أعاد تشكيل مجلس عسكري جديد خالٍ تمامًا من العناصر السابقة، اللهم إلا اللواء محمد العصار الذي عين فيما بعد وزيرًا للإنتاج الحربي في سبتمبر 2015.

ردة سياسية

على عكس الأعوام السابقة، غاب رموز 30 يونيو عن المشهد والاحتفال به خلال العامين الأخيرين على وجه التحديد، وانحسرت المظاهر الاحتفالية على الأحزاب الكرتونية الداعمة للنظام وبعض الكيانات التي خرجت من رحمه كـ"تحيا مصر" وبعض المؤسسات الأخرى، هذا بخلاف رسائل التهنئة المتبادلة بين أجهزة الدولة ومسؤوليها.

وبدلاً من الحشد الملفت للنظر للاحتفال بهذه الذكرى في الميادين العامة على رأسها ميدان التحرير، غابت المظاهر الاحتفالية بشكل كبير مقتصرة على حفنة لا تتجاوز العشرات، ما أثار العديد من علامات الاستفهام عن هذا الغياب ودوافعه في ظل حالة الإحباط التي خيمت على المشهد برمته.

رئيس حزب الكرامة محمد سامي، أرجع هذا الغياب إلى "أن الرموز الوطنية على إطلاقها منهم من غاب باختياره، ومنهم من تم تغييبهم بإرادة النظام الحاليّ الذي مارس خصومة غير مبررة، ومارس موقفًا عدائيًا غير منطقي وغير متصور تجاه رموز الحركة الوطنية، سواء على صعيد الحركات السياسية أو المفكرين والكتاب والصحفيين".

وأضاف "يمكن اعتبار عدم المشاركة أو المبادرة بالاحتفال هو نوع من الاحتجاج وتسجيل موقف، رغم الاعتزاز الشديد بثورة 30 يونيو، وأضيف على ذلك، أنه بكل أسى كان من الممكن لتلك القوى السياسية في ظل التكاتف مع النظام الحاكم أن تكون أكثر فاعلية في مواجهة الإرهاب وجماعة الإخوان المسلمين" وفق تصريحاته لموقع "عربي 21".

أما القيادي بجبهة الإنقاذ، مجدي حمدان، فعلق على هذه الظاهرة بقوله: "أعتقد أن الجميع مصابون بإحباط، ولم يتصور أحد أن تؤول الأوضاع السياسة في البلاد إلى ما آلت إليه الآن"، مشيرًا إلى أن "30 يونيو كان لها أهداف محددة، لم يكن منها قط إزاحة نظام الإخوان".

وأضاف أنهم فوجئوا بردة على مكتسبات 25 يناير، كان آخرها التعديلات الدستورية الأخيرة التي تؤسس لحكم الفرد الواحد والمؤسسة الواحدة، وتابع "كل ذلك جعل من قاموا بـ30 يونيو، الـ14 حزبًا، وأكثر من 340 شخصية معارضة، جعلت الجميع يتحسر على أنه لم يتحقق ما كانوا يصبون له، كما أن هناك مجموعات كثيرة من أحزاب 30 يونيو قيادتها وأعضاؤها ومكاتبها السياسية في السجون، وهذا أمر بالغ الخطورة، وينهي تمامًا هذا التحالف، وهو ما يفسر عدم مشاركتنا في مظاهر الاحتفال".

تحولت تظاهرات 30 يونيو إلى حدث لا صاحب له، فالمشاركون فيه إما داخل السجون والمعتقلات أو ملاحقين خارج البلاد ومن تبقى منهم في الداخل لم يجد أمامه بدًا من التقوقع داخل غرفه المغلقة

تفريغ المشهد

وبعد 6 أعوام على 30 يونيو، تلك التظاهرات التي شارك فيها عشرات الكيانات السياسية (المدعوم بعضها من الخارج) وتم تجييشها لمناهضة حكم الإخوان، ها هو المشهد يعاني حاليًّا من حالة خواء كامل، حيث تم تفريغه بصورة شاملة من كل التيارات والوجوه السياسية التي انزوت على نفسها.

مختار الغباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والإستراتيجية يرجع الغياب الكامل للحياة السياسية إلى ضعف القوى التي كانت موجودة على الساحة وعدم قدرتها على الأداء السياسي وإفراز كوادر تستطيع أن تتواصل مع الشارع وتعبر عنه.

أما عن نوعية تلك القوى فيصنفها الغباشي في تصريحاته لـ"الجزيرة" بكونها إما قوى "مستأنَسة أو مستأنِسة أو مستسلمة"، ويرى أن جميعها ليس لديه طموح حقيقي في الحضور السياسي وطرح نفسه كمنافس وبديل لمن في السلطة، كما أنها لا تملك القدرة على تشكيل حراك سياسي لمصلحة الوطن والمواطن.

وهكذا تحولت تظاهرات 30 يونيو إلى حدث لا صاحب له، فالمشاركون فيه إما داخل السجون والمعتقلات أو ملاحقين خارج البلاد ومن تبقى منهم في الداخل لم يجد أمامه بدًا من التقوقع داخل غرفه المغلقة أو السير في مضمار النظام الذي بات لا يقبل بأنصاف الولاء، فإما ولاء كامل أو الوضع على القائمة السوداء.