فيما يخطط المتظاهرون في السودان للعودة إلى الشوارع اليوم الأحد في مسيرة مليونية حاشدة يُطلق عليها "مواكب الشهداء"، يستبق المجلس العسكري الاحتجاجات الجماهيرية الأولى منذ القمع المميت الذي قامت به قوات الأمن في أوائل هذا الشهر بتحذيرات وتهديدات تثير المخاوف في الداخل والخارج بعد أن فشل المجلس في تدبير فض الاعتصام.  

مليونية 30 يونيو

في جميع أنحاء السودان، يستعد المحتجون للعودة إلى الشوارع اليوم الأحد لما يسميه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي "مليونية 30 يونيو"، للمطالبة بتخلي المجلس العسكري السوداني عن السلطة للمدنيين والقبول بمبادرة الوساطة الإفريقية الإثيوبية، وتحقيق العدالة لجميع الأرواح التي أُزهقت على أيدي قوات الدعم السريع شبه العسكرية في أثناء الفض الدموي لاعتصام المتظاهرين أمام مقر القيادة العامة للجيش في العاصمة يوم 3 من يونيو/حزيران الماضي.

تتزامن احتجاجات30 من يونيو مع الذكرى الـ30 للانقلاب الذي أوصل الرئيس المخلوع عمر البشير إلى السلطة عام 1989، وأطاح بآخر حكومة منتخبة في السودان

في هذا اليوم، أدت الهجمات الرهيبة على المتظاهرين السلميين في الخرطوم إلى مقتل أكثر من 100 شخص وجرح أكثر من 700 شخص، بحسب جماعة أطباء السوادن المرتبطة بحركة الاحتجاج، لكن المجلس العسكري السوادني أشار إلى مقتل 61 شخصًا، في حين لم يعترف بارتكاب قوات الأمن السودانية أيضًا أعمال عنف جنسي وحشية ضد الرجال والنساء في نفس اليوم.

منذ ذلك الحين، تواصل الحشد المكثف على المنصات الرقمية السوادنية لمليونية 30 يونيو، ودعا تحالف قوى الحرية والتغيير المتظاهرين للنزول إلى شوارع الخرطوم ومدن أخرى، كما دعا تجمع المهنيين السودانيين على "تويتر" إلى ذلك أيضًا، قائلاً: "لننطلق بصوت عالٍ في الشوارع مجددًا، ولنجعل المظاهرات يوم 30 من يونيو سطرًا بارزًا في الفصل الأخير لمسرحيات النظام المتهالك ومجلسه (العسكري)".

وبعد انقضاء ما يسميه المتظاهرون "مذبحة 3 يونيو"، غذى الشعور بالحداد والغضب المزيد من مطالب المحتجين، وأصبح استعادة الوصول إلى الإنترنت الآن من بين الأولويات العليا للمتظاهرين، كما يتم التخطيط للاحتجاجات في المدن الكبرى مثل واشنطن العاصمة ولندن ودبلن وكوالالمبور وغيرها، للتضامن مع المحتجين في السودان ورفع مستوى الوعي وكسب التأييد.

سيكون هذا التجمع أول مظاهرة جماهيرية منذ الهجوم على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم منذ شهر تقريبًا، كما تتزامن احتجاجات "مليونية 30 يونيو" مع الذكرى الثلاثين للانقلاب الذي أوصل الرئيس المخلوع عمر البشير إلى السلطة عام 1989، وأطاح بآخر حكومة منتخبة في السودان، وأُطيح به هو نفسه في انقلاب عسكري في أبريل/نيسان الماضي.

وفي الأيام القليلة الماضية، شهدت شوارع العاصمة التي بدت الحركة فيها طبيعية قبل المليونية المعلنة مظاهرات ليلية ومخاطبات جماهيرية، أظهر خلالها السودانيون حماسًا كبيرًا خلال الأسبوع الماضي، استعدادًا لموعد المظاهرة التي أرادها منظموها مليونية، وتمهيدًا "للحراك الأكبر" بحسب قوى الحرية والتغيير التي تتخوف من قمع السلطات، لا سيما بعد عدد من الاعتقالات لنشطاء خلال الأيام الماضية.

حملة تخويف

لأن هذه المظاهرة هي الأولى بعد فض الاعتصام، فإنها تكتسب أهمية بالغة بالنسبة للمنظمين الذين يريدون إثبات أن الثورة السودانية ما زالت تحافظ على زخمها، وتكتسب أهمية أيضًا بالنسبة للمجلس العسكري الذي يراهن على مشاركة ضعيفة، ليؤكد أن تحالف قوى الحرية لا يمكنه أن يتحدث باسم الثورة.

سرعان ما انتقل عضو المجلس العسكري إلى لغة التحذير المغلَّفة بتهديد مباشر للمنظمين، وغير مباشر لمن يريد أن يشارك في هذه المظاهرة

لكن الدعوات للتظاهر قابلها نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو بالتشكيك في أهداف الداعين للتظاهر، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه لا مشكلة للمجلس العسكري مع التظاهر السلمي، قائلاً: "أخوانا اللي بيدعوا لمسيرات مليونية، إحنا يا جماعة كقوات ما ضد الناس ولا ضد السلمية".

وفي محاولة لتبرئة المجلس العسكري مسبقًا من أي أحداث عنف محتملة، أكد دقلو المعروف بـ"حميدتي"، وهو أيضًا قائد قوات الدعم السريع المخيفة، حماية قواته والجيش للتظاهرات المعلنة يوم الـ30 من يونيو، قائلاً إن نشر قوات الأمن والقوات العسكرية في الخرطوم يهدف إلى "توفير الأمن للناس، وليس لمضايقتهم".

وفي أثناء زيارة جماهيرية لحي مايو جنوب الخرطوم، أطلق حميدتي تعهدات ووعود بالتنمية الاقتصادية والخدمات في الأحياء الطرفية، ثم سرعان ما انتقل عضو المجلس العسكري إلى لغة التحذير المغلَّفة بتهديد مباشر للمنظمين، وغير مباشر لمن يريد أن يشارك في هذه المظاهرة.

شوارع الخرطوم تشهد انتشارًا أمنيًا كثيفًا

وكما حدث في السابق، فقد كُلف أو تطوع حميدتي لتبني لغة الصرامة والتهديد، فحذَّر الداعين لمسيرات مليونية من أنه لن يتسامح مع محاولات "التخريب" التي قد تتخلل المظاهرات، كما حذر من وجود ما سماها "أجندة خفية" يسعى أصحابها للاستفادة من مسيرة يوم الأحد.

ييدو حديث حميدتي كتبرير للحشود العسكرية في شوارع العاصمة السودانية التي يُفترض أن تحمي المواطنين، لكن منْ يُطالَب الآن بحماية المتظاهرين والمؤسسات هم مَنْ دعوا للمظاهرة، حسب بيان منفصل للمجس العسكري نقلته وكالة الأنباء الرسمية "سونا".

في هذا البيان الذي لم يخل من تهديد، يحمِّل المجلس العسكري قوى الحرية والتغيير الذي يقود حركة الاحتجاج المسؤولية الكاملة عن أي روح تُزهق أو أي خراب أو ضرر يُلحق بالمواطنين أو مؤسسات الدولة جراء تعطيل المرور أو مس المصالح العامة خلال تظاهرات الأحد.

احتجاجات "30 يونيو" المعلنة من المعارضة للمطالبة بحكم مدني علامة قد تغير مسار الأحداث

وانضم رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان إلى حملة التخويف والترهيب مما قد يحصل في المظاهرة، وقال إن الشعب السوداني البسيط هو مَنْ قام بالثورة ضد الرئيس السابق عمر البشير، وأن مَنْ وصفها بـ"الأحزاب القديمة تتاجر باسم ودماء الشعب"، مضيفًا أنه سينشر القوات النظامية لتأمين المنشآت الحيوية.  

تصعيد لهجة الخطاب الذي جاء على لسان أعضاء المجلس العسكري واجهته قوى الحرية والتغيير بتحميل المجلس مسؤولية أي انزلاق قد يحصل في مظاهرات اليوم، وأكدت في مؤتمر صحفي الجمعة أن مواكب المظاهرات لن تقف حتى لو وافق المجلس العسكري على تسليم السلطة للمدنيين، وفي إجراء استباقي، لوحت باحتمال توجّه مواكب المظاهرات مستقبلاً إلى مقر القيادة العامة إذا استمر المجلس العسكري في مواقفه.

أمَّا تصريحات حميدتي، فقد أثارت الجدل على مواقع التواصل، حيث اعتبرها البعض محاولة مزيفة لتهدئة الشارع السوداني بينما رأى البعض الآخر أنها فرصة للعودة لطاولة المفاوضات، وسط توقعات بالزج بعناصر مندسة لتبرير القمع.   

تعرض المتظاهرون السلميون في السودان لهجمات وحشية على أيدي قوات الأمن

مخاوف الغرب

هذه اللغة التي يستخدمها المجلس العسكري قُبيل المظاهرة يبدو أنها تثير مخاوف في الغرب، فهذه الدول تتخوف من تكرار العنف الذي شهده فض الاعتصام، وهو ما دعا بعض الدول والجماعات الحقوقية إلى حث الجيش السوداني على ضمان السلامة خلال المسيرات والتحذير من استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين قبل التجمعات الجماهيرية المخطط لها.

في البداية، قالت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية مورغان أورتاغوس إن الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج تتفق مع قوى الحرية والتغيير في تشكيل حكومة انتقالية يقودها مدنيون، وتطالب المجلس العسكري الانتقالي في السودان بالسماح بالمظاهرات السلمية.

يبدو أننا أمام  سيناريوهين فقط، إمَّا أن تكون هناك فوضى وحرب شاملة أو تحول ديمقراطي واضح للبلاد

في ذات الصدد، قال الاتحاد الأوروبي: "من حق الشعب السوادني أن يتظاهر ويعبر عن آرائه بحرّية، من واجب المجلس العسكري الانتقالي ضمان سلامة الجميع في السودان والامتناع عن أي استخدام للعنف ضد المحتجين".  

وفي يوم الجمعة، أصدرت منظمة العفو الدولية "أمنستي" بيانًا تطالب فيه المجلس العسكري بضمان سلامة المحتجين يوم الأحد، وقال الأمين العام للمنظمة كومي نايدو: "الاستخدام المروع وغير المبرر للقوة المميتة وغير الضرورية ضد المتظاهرين السلميين كما شوهد في 3 يونيو يجب ألا يتكرر هذا الأحد أو مرة أخرى".  

وتتوازى مع خط المشكلات السياسية في السودان مشكلات أخرى اقتصادية طالت كل قطاعات وطبقات المجتمع، حيث تدنت قيمة الجنيه مقابل الدولار من جديد بعد انفراجة طفيفة في الفترة السابقة، الأمر الذي أحدث أزمات في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، نتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الأسواق الموازية (غير الرسمية)، إلى أرقام قياسية مقابل الدولار.

التصعيد المستمر في المشهد السياسي في السودان تقابله وساطات إقليمية ومحلية مختلفة، لكن احتجاجات "30 يونيو" المعلنة من المعارضة للمطالبة بحكم مدني علامة قد تغير مسار الأحداث.

العنف المحتمل

عند مناقشة النتائج المحتملة لتهديدات أعضاء المجلس العسكري مقابل موقف المحتجين، يبدو أننا أمام سيناريوهين فقط، إمَّا أن تكون هناك فوضى وحرب شاملة أو تحول ديمقراطي واضح للبلاد، لأن السودانيين لن يقبلوا أبدًا أن تحكمهم ديكتاتورية أخرى.

ومع استمرار تحذير المجلس العسكري الانتقالي من خطورة الأزمة التي تمر بها البلاد، يتوقع البعض أن ترد قوات الأمن بالعنف، لا سيما أنه لم يعد هناك أي خوف من المحتجين، وهم على استعداد للسير باتجاه النيران المشتعلة.

في أحدث تجليات هذه الحملة، داهمت قوات أمنية تابعة للمجلس العسكري السوادني مقر تجمع المهنيين يوم السبت، ومنعت عقد مؤتمر صحفي هناك قُبيل تظاهرات الأحد

ويمكن التدليل على ذلك بالنظرإلى فترة ما بعد فض الاعتصام، الذي أصبح نقطة محورية في الاحتجاجات ضد البشير والمجلس العسكري، وكان هناك "تراجع مقلق" بشأن حقوق الإنسان، ويشمل هذا: الإغلاق المستمر للإنترنت والهجمات على وسائل الإعلام ورفض السماح لجماعات المعارضة بتنظيم منتديات عامة، فضلاً عن الملاحقة المستمرة للمتظاهرين السلميين باستخدام القوة المفرطة وغير الضرورية.

تشير هذه الحملة بوضوح إلى عودة القمع المرتبط بسنوات حكم البشير، لكن على الرغم من المحاولات الوحشية لإنهاء هذه الاحتجاجات ومنع الوصول إلى العالم الخارجي عن طريق حجب وسائل التواصل الاجتماعي، فقد رأى بقية العالم بوضوح شديد الحملات التي يقوم بها السودانيون بشغف من أجل حقوقهم الإنسانية.

وفي أحدث تجليات هذه الحملة، داهمت قوات أمنية تابعة للمجلس العسكري السوادني مقر تجمع المهنيين يوم السبت، ومنعت عقد مؤتمر صحفي هناك قُبيل تظاهرات الأحد، الأمر الذي دفع المتحدث باسم التجمع أحمد الربيع إلى وصف ما حدث بأنه "يمثل خرقًا كبيرًا للحريات، وهو حتى أسوأ من نظام الرئيس السابق"، معتبرًا أن ذلك "مؤشر سيء لأجواء الوساطة بين الطرفين".

السودانيون يواصلون التحرك رفضًا لسلطة المجلس العسكري

ويأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه المجلس العسكري على لسان المتحدث شمس الدين كباشي خلال كلمة نقلها التليفزيون الرسمي أن المقترح الجديد بشأن الفترة الانتقالية الذي قدَّمته الوساطة الإثيوبية الإفريقية، يمكن أن يشكل قاعدة لاستئناف المفاوضات مع المدنيين، مضيفًا أن المجلس العسكري يتطلع إلى الانطلاق الفوري لتفاوض جاد وصادق على حد  تعبيره، وهو ما يناقض أفعال المجلس العسكري على أرض الواقع.

وكانت قوى الحرية والتغيير قد أعلنت استلامها مسودة مقترح قدمها المفاوض الإثيوبي، وقالت إنها تراجع المقترح الجديد قبل اتخاذ قرار بشأنه، ويتضمن المقترح تشكيل هيئة انتقالية من 7 مدنيين و7 عسكريين، على أن يتم انتخاب شخصية توافقية مدنية لرئاسة المجلس الذي يقود البلاد في فترة انتقالية تمتد لـ3 سنوات، ومع ذلك، لا يشير المقترح إلى تشكيل برلمان انتقالي جديد.