خطوات تاريخية تلك التي خطاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل الأراضي الكورية الشمالية، ليكون بذلك أول رئيس أمريكي تطأ قدماه أرض هذا البلد المسلح نوويًا و"المشاكس" حسب العرف الدبلوماسي الأمريكي، بعد عقود من العداء والتوتر، لكن المحللين يشككون في أهمية هذا اللقاء المفاجئ.

لأول مرة على أرض كوريا الشمالية

عندما أرسل الرئيس ترامب دعوة عبر "تويتر" يوم الجمعة إلى زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، للاجتماع في المنطقة المنزوعة السلاح شديدة التحصين التي تفصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية "لمجرد مصافحة يده والقول مرحبًا!"، كان لدى الرجلين الكثير لكسبه، وأكثر من ذلك لخسارته.

إذا لم يحضر كيم، على الرغم من أن فريقه بدا مفتونًا بالدعوة، فإنه كان سيحرج ترامب ويفتح أمامه المزيد من الانتقادات لدبلوماسيته التي لا يمكن التنبؤ بها، وهذا من شأنه أن يضاعف من الفشل الدراماتيكي لقمتهم في العاصمة الفيتنامية هانوي، والتي لم تحقق أي تقدم في ملف نزع الأسلحة النووية الكورية الشمالية، ومذاك تراوح المفاوضات بين البلدين مكانها.

كانت الدعوة غير المتوقعة يوم الجمعة قد فاجأت السلك الدبلوماسي لترامب الذي كان يحضر قمة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان، ثم تحولت التغريدة إلى مصافحة، ثم إلى 20 خطوة تاريخية من قِبل الرئيس الأمريكي في أرض معادية رسميًا، بعد ظهر الزعيم الكوري الشمالي في الوقت المحدد.

بدأ الرئيسان اجتماعًا مغلقًا استمر نحو ساعة في الجزء الجنوبي من بلدة بانمونجوم الحدودية الواقعة في المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الكوريتين.

عبر ترامب لفترة قصيرة خط الحدود إلى داخل الأراضي الكورية الشمالية، ثم أطلق أعظم الصفات على يوم اللقاء هذا، وقال لكيم عن عبوره المنطقة المنزوعة السلاح التي تفصل بين الكوريتين: "كنت فخورًا بتجاوزي الخط، إنه يوم عظيم للعالم"، أمَّا الأخير فعبِّر عن تفاؤله بمستقبل علاقاته بواشنطن وبجارته كوريا الجنوبي، قائلاً لترامب: "من الجيد أن أراك مرة أخرى".

بعد عبارات الترحيب والإشادة التي صدرت عن الرئيس الأمريكي وزعيم كوريا الشمالية بلقائهما وسط حشد من الكاميرات، بدأ الرئيسان اجتماعًا مغلقًا استمر نحو ساعة في الجزء الجنوبي من بلدة بانمونجوم الحدودية الواقعة في المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الكوريتين.   

ترامب يعبر عبوره المنطقة المنزوعة السلاح التي تفصل بين الكوريتين

ترامب كان تطرق للصحفيين، وهو على متن الطائرة "إير فورس وان" أحد رموز الرئاسة الأمريكية، إلى التهديد الجسيم الذي يمثله سلاح المدفعية بعيدة المدى الكورية الشمالية للعاصمة الكورية الجنوبية سول، لكنه أشار إلى تراجع الخطر على كل الأصعدة بعد أن تم لقاؤه الأول كيم جونج أون.

في النهاية، قال ترامب إنه اتفق مع كيم على إعادة المفاوضات إلى الطاولة للحصول على اتفاق بعيد المنال بشأن البرنامج النووي الكوري الشمالي والصواريخ البالستية، وهو من أهم المواضيع التي يبحثها الزعيمان في هذا اللقاء الذي يعد الثالث بينهما، كما قال ترامب إنه دعا كيم لزيارته في البيت الأبيض.

أكبر من مجرد مصافحة

من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الاجتماع الملئ بالثرثرة بين الرئيسين دونالد ترامب وكيم جونغ أون يوم الأحد سيُذكر على أنه حدث لالتقاط بعض الصور المثيرة أو بداية انفراج في المحادثات مع الدولة النووية، لكن ترامب أصبح أول رئيس أمريكي يغامر بدخوله أرض كوريا الشمالية.

في هذا اللقاء، بدت الحالة الاحتفالية بعيدة كل البعد عن الإهانات الخطيرة والبلاغة الخطابية التي انخرط فيه الزعيمان في السابق، وهدأت الديناميكية المعادية خلال وصف الرئيس ترامب بأن ثمة صداقة متنامية بينه وبين كيم.

 ترامب مخطئًا في اعتقاده أن لقائه السريع وجهًا لوجه مع كيم سيؤدي إلى اتفاقية الحد من الأسلحة، إذ لم تتمكن عقود من المفاوضات المتأنية والمحسوبة مع كبار قادة السياسة في الولايات المتحدة من تحقيقها.

لكن رغم ذلك، تظل رمزية الدخول إلى كوريا الشمالية موضع نقاش بين خبراء كوريا وغيرهم من المراقبين المنقسمين بين كونها تحمل معها الوعد بالتغيير، أو تزيد قليلاً عن كونها مجرد مشاهد بصرية مثيرة، فهل هناك مسار تفاوض حقيقي بدأ؟ وهل تخلى الرئيس عن أي شيء في تلك الخمسين دقيقة؟

في قراءة لتفاصيل الاجتماع التي تناثرت في وسائل الإعلام، ألمح ترامب إلى أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية على كوريا الشمالية ستبقى سارية، لكنه ألمح للصحفيين - لدى إعلانه أن الولايات المتحدة ستستأنف المحادثات مع الشمال - إلى أنها قد تُخفف خلال المفاوضات، وليس في ختام صفقة لنزع السلاح النووي، وهو الموقف السابق للإدارة، كما أشار إلى خروج محتمل عن حملة "الضغط القصوى" لإدارة ترامب ضد البلاد.

ويبدو من ذلك بحسب البعض أن ترامب يبحث عن صفقة، ومن المحتمل بعد استئناف المفاوضات أن يكون هناك اتفاق يجب التوصل إليه، لكن خبراء آخرون، من بينهم بين رودز، مستشار الرئيس السابق باراك أوباما، يرون أن ترامب مخطئًا في اعتقاده أن لقائه السريع وجهًا لوجه مع كيم سيؤدي إلى اتفاقية الحد من الأسلحة، إذ لم تتمكن عقود من المفاوضات المتأنية والمحسوبة مع كبار قادة السياسة في الولايات المتحدة من تحقيقها.  

الرئيس دونالد ترامب خلال اجتماعه مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في بانمونجوم الحدودية

ويمكن القول إن هذا الاجتماع سيكون "تاريخيًا" فقط إذا كان سيؤدي فيما بعد إلى استئناف المفاوضات والوصول إلى اتفاق يمكن التحقق منه ومعاهدة سلام بين الطرفين، وإلا فإن ما جرى، بحسب الأستاذة بجامعة جورج تاون وكبير مستشاري اللجنة الوطنية لكوريا الشمالية فيكتور تشا، لن يخرج عن كونه مجرد لقاء لالتقاط بعض الصور التي لا يمكنها التخلص من الأسلحة النووية على عكس الاتفاقات التي يتم التفاوض عليها بعناية.  

كما يقلل من أهمية زيارة ترامب أن تسليم الكوريين الشماليين لكل أسلحتهم سيناريو مستبعد، فقد خلصت وكالات الاستخبارات الأمريكية والمحللين إلى أن كوريا الشمالية "من غير المرجح" أن تتخلى عن ترسانتها النووية، فعلى مدى الثلاثة عقود الماضية، أظهر الكوريون أنهم غير مستعدين لذلك، فهم على استعداد لتجميد بعض قدراتهم، لكنهم ليسوا مستعدين للتخلي عن كل أسلحتهم لأنها الشيء الوحيد الذي يجعلهم آمنين في العالم اليوم.

يقول منتقدو ترامب إن حياته المهنية السابقة كنجم تلفزيوني تغذي أولوياته للاجتماعات رفيعة المستوى مع قادة العالم، لكن مع كوريا الشمالية، كما يقولون، لم يثمر هذا التكتيك عن أكثر من مجرد المصافحة والابتسامات العريضة

ويمكن التدليل على ذلك بما حدث عام 2005، عندما وعدت كوريا الشمالية بالتخلي عن الجهود المبذولة لإنتاج أسلحة نووية وإعادة السماح للمفتشين الدوليين بدخول منشآتها النووية مقابل فوائد أمنية واقتصادية وفي مجال الطاقة، لكن الخطة انهارت عندما حاول المسؤولون الأمريكيون التحقق من قدرتها النووية، ما يعني أنه لا يمكن حقًا القيام بنزع السلاح النووي بالكامل حتى يعترف الكوريون بوجود أشياء معينة.

ويؤكد ما سبق فشل أول اجتماعين لترامب مع كيم في التوصل إلى اتفاق لإزالة الترسانة النووية لكوريا الشمالية، حينها، أوقفت بيونج يانج التجارب النووية وأعادت رفات الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في الحرب الكورية، ومع ذلك، أثار كيم أزمة دولية من خلال إطلاق الصواريخ والقذائف والتهديد بإجراء المزيد من تجارب الأسلحة النووية، ففي الشهر الماضي فقط، كانت كوريا الشمالية تختبر صواريخ باليستية قصيرة المدى.   

الأسلحة النووية مقابل العقوبات

كان ترامب ينظر إلى الاتفاق مع كوريا الشمالية على أنه هدف رئيسي لسياساته الخارجية، وكان إصراره على اللقاءات الشخصية مع الزعيم "الاستبدادي" غير تقليدي، فقد عنون اجتماعه مع كيم في يونيو/حزيران 2018 كأول لقاء بين رئيس أمريكي حالي ورئيس كوري منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في عام 1953 لإنهاء الحرب الكورية، رغم أن القمة لم تنتج سوى تعهد مبهم حول نزع السلاح النووي.

ينظر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى صاروخ "Hwasong-15" الذي يُعتقد أنه قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة

كما انهار الاجتماع الثاني في فيتنام في فبراير/شباط بعد فشل الرجلين في التوصل إلى اتفاق بشأن تخفيف العقوبات وما كانت كوريا الشمالية على استعداد لتقديمه في المقابل، ومنذ ذلك الحين، كان الاتصال بين الجانبين قليلاً، حيث أصدرت بيونج يانج انتقادات متكررة للموقف الأمريكي، لكن الزعيمين تبادلا سلسلة من الرسائل قبل أن يصدر ترامب عرضه بالاجتماع في المنطقة المنزوعة السلاح.

في هذا الصدد، يقول منتقدو ترامب إن حياته المهنية السابقة كنجم تلفزيوني تغذي أولوياته للاجتماعات رفيعة المستوى مع قادة العالم، لكن مع كوريا الشمالية، كما يقولون، لم يثمر هذا التكتيك عن أكثر من مجرد المصافحة والابتسامات العريضة.

الرئيس مون جاي في كوريا الجنوبية، أحد المستفيدين من لقاء الأحد بين ترامب وكيم، فاقتصاد بلاده ليس جيدًا، وسبق أن راهن بكامل شرعيته وإرثه على صفقة مع كوريا الشمالية

حتى مع اكتساب اللقاء الأخير صبغة رمزية للمصالحة واستئناف المفاوضات، بدا ترامب حريصًا على التوصل إلى قرار بشأن المحادثات النووية المتوقفة مع كوريا الشمالية، خاصة أنه يتجه نحو سنته الأخيرة في الرئاسة الأمريكية، ويأمل بوضوح في أن تعزز المفاوضات حملة إعادة انتخابه خلال سباق 2020.  

في هذا السياق، اختلطت ردود الفعل في واشنطن يوم الأحد بين الثناء والشك من جانب المشرِّعين الأمريكيين، فقد كتب زعيم الأقلية في مجلس النواب كيفن مكارثي في تغريدة له على تويتر "لقد صنع الرئيس ترامب التاريخ للتو"، وقال حتى أولئك الذين لا يحبون ترامب "سوف يمنحوه الفضل في إعادة ضبط المسرح العالمي وإحضار كوريا الشمالية إلى طاولة الفاوضات".

في الوقت نفسه، أدان العديد من المرشحين الديمقراطيين للرئاسة الأمريكية لقاء ترامب وكيم، بما في ذلك جو بايدن نائب الرئيس السابق باراك أوباما وإليزابيث وارين السيناتور من ولاية ماساتشوستس، ووضعت حملة بايدن بيانًا يتهم فيه ترامب بـ "تدليل الطغاة على حساب الأمن القومي الأمريكي".

وغردت وارين قائلة إن ترامب "لا ينبغي أن يبدد التأثير الأمريكي على التقاط الصور وتبادل رسائل الحب مع ديكتاتور لا يرحم" ، وأضافت أن  "على الرئيس بدلاً من ذلك التعامل مع كوريا الشمالية من خلال الدبلوماسية التي تعزز أمن الولايات المتحدة، وتدافع عن حلفائنا، وتؤيد حقوق الإنسان".

وفي حديثه مع شبكة "ABC News"، كان السيناتور بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت أكثر صمتًا، قائلاً إنه "ليس لديه مشكلة" مع لقاء ترامب مع كيم ، لكنه قال "نحن بحاجة إلى المضي قدمًا دبلوماسيًا وليس فقط الحصول على فرص لالتقاط الصور".

وبالنسبة لكوريا الشمالية، توفر اجتماعات ترامب دفعة للعلاقات العامة لبلد كان معزولاً تقليديًا عن المسرح العالمي، وليس لديه ما يكفي من الأراضي الصالحة للزراعة لإطعام شعبه، لذا فهم يمرون بأوقات المجاعة الحقيقية وسوء التغذية لشعوبهم، هذا فضلاً عن سجلها في مجال حقوق الإنسان.

لذلك يشعر البعض بالقلق من أن اللقاء والترحيب في المنطقة المنزوعة السلاح شديدة التحصين، يضفي الشرعية على نظام يُنتقد بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ضد النساء والمعارضين السياسيين وغيرهم من المعرضين للخطر.

أما الطرف الثالث في المعادلة، فهو الرئيس مون جاي في كوريا الجنوبية، أحد المستفيدين من لقاء الأحد بين ترامب وكيم، فاقتصاد بلاده ليس جيدًا، وسبق أن راهن بكامل شرعيته وإرثه على صفقة مع كوريا الشمالية، ويريد الكوريون الجنوبيون عمومًا التعامل مع كوريا الشمالية، إلا أنهم "ما زالوا بعيدين جدًا عن نزع السلاح النووي الذي يمكن التحقق منه بالكامل والذي لا رجعة فيه"، كما يقول ديفيد ويلنا في مقال بموقع "الإذاعة الوطنية العامة".