فتيات يشاركن في احتفالات ما بعد الانتخابات

تسجّل تركيا معدلات عالية في إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع في كل انتخابات أو استفتاء يجري رغم التقلبات السياسية التي مرت بها البلاد على مدار عقود. فمنذ عام 1950، وهي أول انتخابات نزيهة بعد تأسيس الدولة التركية، وحتى الانتخابات البلدية الأخيرة، تراوحت نسبة الاقتراع بين 64% و 93% تقريبًا، وفي غالبية الجولات الانتخابية الأخيرة فاقت نسبة المشاركة الـ 80%.

وفي سياق الحريات السياسية وانعدام شفافية العمليات الانتخابية، إن وجدت، في المنطقة، وفي ظل العزوف الأوروبي والأمريكي عن المشاركة بالانتخابات، يصبح هذا الحرص التركي على المشاركة مثيرًا للاهتمام.

وبالرغم من أن تاريخًا طويلاً من الانقلابات كان يهيمن على الجوّ السياسي لتركيا  طوال القرن الماضي إلا أن الشعب كان حاضرًا دائمًا للتأكيد بأن القرار الفاصل يعود له، بالطرق السلمية وعبر الهامش المتاح سياسيًا. مما دفع باتجاه استمرار فعاليات الانتخابات واعتبار شفافيتها ومصداقيتها أمرًا غير قابلًا للعبث به، حتى أصبح يوم الانتخاب يومًا حاسمًا بالنسبة للأتراك ويحرصون على المشاركة به وهو بالطبع ما يؤدي إلى نتائج مشاركة عالية، يشترك في صناعتها الأتراك المقيمين خارج تركيا. وهنا نذكر أن عدد المشاركين فى انتخابات السنة الماضية، من الأتراك المغتربين، وصل ما يقارب 3 ملايين ناخب في 60 دولة مختلفة. منهم ألمانيا التي شهدت مراكز الانتخابات فيها حشودًا كبيرة وصل بها طول صفوف الناخبين إلى حوالي 1 كيلومتر، أمام مراكز الاقتراع في مدن عدة. 

 

 ما الذي يغذّي هذا الإقبال؟

في محاولة للوقوف عند الأسباب وراء المشاركة العالية بالعملية السياسية لدى الأتراك، والدوافع المختلفة لهذا السلوك، تحدّث "نون بوست" مع الباحث في الشأن التركي، د. سعيد الحاج، حول الانتخابات البلدية الأخيرة في تركيا. في حديثه أوضح الحاج أن تركيا قد حققت نسبًا عالية في إقبال الأتراك على الإدلاء بأصواتهم فعلًا، كون الأتراك يحرصون دائمًا على إثبات أحقيتهم باتخاذ القرار مندفعين من عدة أسباب.

ويرى الحاج أنه إن نظرنا إلى الموضوع في سياقه التاريخي، نجد أن الأتراك اعتبروا الاقتراع هو الرد الشعبي الوحيد على الانقلابات العسكرية، التي كانت تفتح صناديق الاقتراع بعد السيطرة على الحكم. إضافة لذلك، ينبع الحرص على المشاركة بجوهره من إيمان الأتراك بالفارق الذي سيصنعه صوتهم في تحديد المسار الجديد للبلاد، وثقتهم بنزاهة الانتخابات وشفافيتها ومصداقية نتائجها. والسبب الثالث، وفق الحاج، هو حالة الاستقطاب الحادة في المجتمع التركي التي تدفع الناخب بالعموم للتصويت على أساس الانتماء لتيّار معين، سواء كان هذا الانتماء عرقي - مثل الأكراد- أو أيديولوجي - مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب القومي وحزب العدالة والتنمية وحزب السعادة. ويوضح قائلًا إن الناخب التركي إن لم ينتخب يعتبر نفسه مشاركًا بهزيمة تيّار كامل يؤمن به.

بالإضافة إلى محاولاتهم المستمرة للتأكيد على أن اتخاذ القرار يعود للشعب واختياراته بديمقراطية تامة ونهاية زمن الانقلابات العسكرية الذي عايشته تركيا طويلًا على مدار القرن الماضي. 

وتؤكد إحسان يشار، طالبة مسرح في جامعة أيدن، التي بدأت بالمشاركة في الانتخابات منذ سنوات قليلة، حديث الحاج. فخلال حديث لـ نون بوست قالت إنها والكثير من الشباب من سنّها يحرصون على الإدلاء بأصواتهم واستخدام حقوقهم كاملة للقضاء على أيّ فرصة صغيرة كانت أو كبيرة من الممكن أن تعيد تركيا إلى عهدها القديم في قمع الحريات وغياب العدل بين أفراد المجتمع. وتضيف يشار بأن للشباب التركيّ رغبة كبيرة في تقبل الآخر والتعايش مع الكل داخل بيئة ترعى مصالح الجميع وتهيئ لهم الدعم بالتساوي دون تصنيفات عرقية أو دينية أو جنسية أو حتى بناءً على أصول ليس للمرء يد بها، قاصدًة الشباب أصحاب الأصول الأرمنية. مشيرًة إلى أن كل هذه التغيرات والتحسينات يمكن أن تتحقق من خلال طريقة واحدة وهي الانتخاب الديمقراطي وتداول السلطة.

تذكر يشار، خلال سياق الحديث، أنها كانت من مناصري حزب العدالة والتنمية حين صوّتت العام الماضي لانتخاب الرئيس رجب طيب أردوغان، المعروف بأنه من الحزب المسلم المحافظ، رغم أنها لا-دينية. لكنها الآن ترى خطاب الحزب مكرر ومستهلك ولن يعود عليها أو على بلادها بالفائدة، في الوقت الذي تحاول هي وأبناء جيلها اللحاق بالعالم ومتطلبات العيش المتغيرة باستمرار. مما دفعها للتصويت إلى الحزب الجمهوري المنافس في انتخابات البلدية الأخيرة.

وحين سألناها عن أسباب اختيار أكرم إمام أوغلو، ممثل حزب الشعب الجمهوري، بالرغم من أنه يفتقر للخبرة في السياسة و الإدارة أجابت بما معناه أن الكثير من الشباب الصاعد يتبنى فكرة التغيير باستمرار وتجربة كل الخيارات المتاحة أمامهم دون خوف من التبديل أو فقدان الاستقرار، بل بدافع إعطاء الناخبين الجدد فرصًة لإثبات نية مساعيهم حتى ولو كانت ثقة عمياء إلى حدّ ما. 

 

كيف يصوّت الناخب وبناءً على ماذا؟

 تمرّ الانتخابات التركية، بشقيها، الرئاسي والبلدي والبرلماني، بفترة مليئة بالحملات والدعايات الانتخابية التي تخضع لتحليلات ومقارنات. والمرشحون كذلك يقعون تحت الضوء، فيتم الوقوف عند خلفياتهم الايديولوجية والحزبية وتجاربهم في حقل الإدارة والسياسة والعمل المجتمعي.

لذا فإن تحليل كل ناخب للحملة الانتخابية والمرشحين، تكوّن دوافع مختلفة للناخب ليختار مرشحه. لذا ترى تنوّع أسباب انتخاب المرشح ذاته، إذ يذهب البعض للتصويت حسب قوّة الحملة الانتخابية والوعود، أو على أساس إيديولوجي، حيث يرى الناخب بأنه إن لم يشارك في التصويت فإنه يتسبب في الهزيمة لحزبه وتياره السياسي. إلا أن هذا الشكل من الانتخاب وإن كان حاضرًا في الانتخابات الاخيرة إلا أن هناك تغييرًا طرأ ولوحظ، حيث قام عدد كبير من الناس بالتصويت لمرشحين من خارج الأحزاب التي يتبنون أفكارها بسبب قوة المرشح المنافس وكفاءته، أو لأسباب سياسية أخرى، كالتصويت العقابي\الاحتجاجي، إن تحدثنا عن انتخابات الإعادة لبلدية اسطنبول الكبرى. 

 وفي هذا السياق يوضح الحاج الفكرة السابقة قائلًا إن تغييرًا سوسيولوجيًا جديدًا طرأ على الخليط الاجتماعي للشعب التركي، إذ تغيّر السلوك الانتخابي لكثير من المنتمين للقاعدة الشعبية للعدالة والتنمية على سبيل المثال. فالشريحة التي انتخبت الحزب بداية الألفينات، لأسباب جزء منها اقتصادية، تغيرت احتياجاتهم مع تحسن وضعهم الاقتصادي ومكانتهم الاجتماعية، مما أدى بطبيعة الحال إلى تغير مطالبهم وتطلعاتهم للبرامج الانتخابية. 

"هذه الشريحة بدأت بفرض نفسها على الساحة، بينما لم يغير حزب العدالة والتنمية من خطابه الموجه للقاعدة الانتخابية المناصرة له، مما أضعف من قوة تأثيره على الشارع. هذا إضافة إلى انزعاج الكثيرين من مناصري الحزب من التراشق الإعلامي والسياسي الجاري منذ عدة سنوات بين الحزبين الكبيرين (العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري) والاتهامات المتبادلة بدعم الإرهاب، كما أن هناك تغيّر في مزاج الناخب التركي الذي لم تعد تؤثر فيه نفس الوعود وهذا كله يعدّ سببًا في رغبة الشعب بالتغيير"، وفق الحاج. 

بالرغم من حالة الاستقطاب القوية ووجود اختلافات فكرية واضحة وسط المجتمع التركي، إلا أن هذه الاختلافات لا تترجم لاقتتال فعلي بين الناس، بل تتحوّل لسبب تنافس، ووقود في الحملات الانتخابية التي تنتشر آخذةً شكلًا دعائيًّا واسعًا، يسارع المرشحون من خلالها لإطلاق الوعود حتى مع إدراك الشعب لعدم وضع الكثير من الآمال في الحصول على نتائج سريعة وثورية من الانتخابات بكل أنواعها.

 مجمل القول، إن الشعور بالانتماء والجدوى هو الذي يدفع المواطن للإدلاء بصوته، الذي يحدث فارقًا وقد يحرّك البلاد بالاتجاه الذي يريده الشعب. وبرغم الانتقادات الكثيرة على مستوى ومدى تطبيق المبادئ الديمقراطية في تركيا، إلا أن الانتخابات والمشاركة العالية فيها وإصرار الناس على فرض اختيارهم عبر صندوق الاقتراع، هي جزء أساسي وهام من الممارسة الديمقراطية يجعل منها نموذجًا يستحق الدراسة.