قبل عقد من اليوم، تعهد الألمان بالتصدي لخطر اليمين المتطرف وأنصاره الذين اغتالوا حينها الصيدلانية المصرية مروة الشربيني، إلا أن حوادث القتل التي راح ضحيتها أبرياء ألمان وأجانب على يد المتطرفين اليمينيين ارتفعت وازدادت بشاعتها، ما يؤكد تصاعد المد اليميني في هذه الدولة الأوروبية.

ضحية كراهية الأجانب

في قاعة المحكمة بمدينة دريسدن (شرق) التي تشكل معقل حركة بيغيدا المعادية للإسلام، تم طعن الشابة مروة الشربيني بوحشية على يد النازيين الجدد، لتكون بذلك واحدة من الضحايا الشباب لليمين المتطرف في ألمانيا.

كانت الشربيني اللاعبة السابقة بمنتخب مصر لكرة اليد، تقيم مع زوجها الذي كان يدرس بدوره الدكتوراه في دريسدن بألمانيا، تلك المدينة التي شهدت تكرارًا لحوادث اعتداءات جسدية ومعنوية ضد المسلمين.

في ذلك اليوم، أي 1 من يوليو/تموز 2009، تحولت الشربيني إلى المحكمة للإدلاء بشهادتها عن دعوى رفعتها ضد شخص وصمها بعبارة "متطرفة إسلامية" و "إرهابية" إثر  خلاف في ملعب للأطفال. كانت الشابة المصرية المحجبة والحبلى وقتها، تسعى للدفاع عن حقها في ممارسة شعائرها الدينية، لكنها قُتلت أمام  زوجها وطفلها.

شهيدة الحجاب مروة الشربيني

كان قتلها بدواعي الكراهية فقط، كراهية الأجانب وكراهية الإسلام، كما ذكر القاتل وهو روسي ألماني في جلسات المحكمة، وحكمت المحكمة على الجاني بالسجن مدى الحياة بتهمة القتل وهي أكبر عقوبة جنائية في ألمانيا.

 أخرج الجاني السكين من حقيبته وطعن بها الشربيني - التي لقبت في مصر بـ"شهيدة الحجاب" - 16 مرة، ليتركها مخضبة بدمائها الطاهرة في مبنى المحكمة الذي خلد اسم مروة، كي يذكر قصتها لكل زائر ومار من هناك.

فالتر لوبكه ضحية كومبات 18

حُكم على قاتل مروة الشربيني بالمؤبد، إلا أن فكره لم ينقطع معه، فما زال متواصلًا وضحاياه كثر. أحدث الضحايا كان رئيس حكومة مركز ومدينة كاسل فالتر لوبكه (65 عامًا) الذي عثر عليه مقتولًا برصاصة في رأسه بداية شهر يونيو/حزيران الماضي، بشقته بولاية هيسن (غرب).

بينت التحريات فيما بعد أن القاتل يبلغ من العمر 45 عامًا، ومرتبط بحركة النازيين الجدد (كومبات 18) التي تعتبر نفسها الفصيل المسلح للشبكة النازية "الدم والشرف" التي تروج للنضال المسلح. تم إنشاء هذه الحركة عام 2013، ويقيم أعضاؤها في ولايات هيسن وشمال الراين ــ وستفاليا وتورينغن وبافاريا وبادن فورتمبرغ وسكسونيا السفلى، ويرمز رقم 18 إلى الحرف الأول والثامن للأبجدية اللاتينية وبالتالي إلى حروف أدولف هتلر، ويعني الاسم فرقة كوماندو أدولف هتلر.

عرف لوبكه بدفاعه الشديد عن المهاجرين

وكان لوبكه على رأس حكومة مركز ومدينة كاسل على مدى عشر سنوات، وتعد هذه الحكومة سلطة إدارية تربط على المستوى المتوسط بين حكومة ولاية هيسن والمجالس البلدية بمركز ومدينة كاسل، وينتمي لوبكه للحزب المسيحي الديمقراطي، وهو حزب المستشارة أنغيلا ميركل، وكان على مدى عدة سنوات نائبًا عن الحزب في برلمان الولاية.

عرف عن هذا السياسي المحلي تأييده لسياسة استقبال اللاجئين، وينسب إليه أنه دعا في وقت سابق أمام حشد جماهيري من لا يشارك هذه "القيم" إلى مغادرة البلاد، ما أثار ضده عاصفة انتقادات من اليمين المتطرف وتهديدات بالقتل.

تهديدات بالقتل

على إثر هذه الحادثة، تلقى العديد من السياسيين المحليين في مدن ألمانية مختلفة، أبرزهم عمدة مدينة كولونيا هانريته ريكر، تهديدات من يمينيين متطرفين، على خلفية مواقف هؤلاء السياسيين الإيجابية مع اللاجئين والمهاجرين.

وبحسب تقارير إعلامية ألمانية، هناك العديد من التهديدات داخل ألمانيا موجهة إلى ساسة، منهم عمدة مدينة التينا، أندرياس هولشتاين، وكانت ريكر وهولشتاين قد تعرضا لاعتداءات في الأعوام الماضية، ونجت ريكر من الموت في هجوم استهدفها عام 2015 قبل انتخابها عندما طعنها يميني متطرف بسكين في عنقها، كما تعرض هولشتاين لهجوم بسكين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 ما سبب له إصابات في عنقه.

هذا القلق المتنامي من خطر اليمين المتطرف يؤكد صعود هذا التيار في ألمانيا في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق

في نفس السياق، تلقى السياسي مارتن دوليغ أحدة قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، في ولاية سكسونيا بشرق البلاد، طردًا مجهولًا يحتوي على بندقية مزيفة كتعبير عن تهديده بالقتل، ويشغل دوليغ منصب وزير الاقتصاد المحلي في ولاية سكسونيا، ومعروف بدعمه للاجئين.

وسبق أن نفذ النازيون الجدد عمليات إرهابية عديدة، فقد اغتالت الخلية السرية النازية "إن إس يو" بين 2000 و2007 تسعة مهاجرين منحدرين من أصول تركية ويونانية وشرطية ألمانية ونفذت 43 محاولة اغتيال وثلاثة اعتداءات بمتفجرات وأعمال سرقة متعددة.

قلق ألماني

هذه العمليات المتكررة، أثارت حفيظة المسؤولين الألمان، وهو ما دفع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى الدعوة لمكافحة النازيين الجدد "من دون أي محرمات"، مؤكدة أن النازيين الجدد العنيفين يجب أن يُكافحوا منذ البداية، واعتبرت ميركل أن "ما جرى لا يتعلق بعمل مريع فحسب، وإنما يرتبط أيضًا بتحد كبير يواجهنا لنعيد النظر في كل المستويات حيث ثمة ميول يمينية متطرفة أو تقاطعات".

بدوره أعلن وزير الداخلية هورست زيهوفر قائلاً: "إزاء هذا التطور الخطير جدًا، ستعكف الحكومة على درس احتمال فرض قيود دستورية تستهدف اليمين المتطرف"، مضيفًا "هذه الجريمة (في إشارة لقتل لوبكه) تحفزني على بذل قصارى الجهد لتعزيز الأمن"، وأشار إلى أن بين التدابير المقترحة تقييد حرية التعبير بالنسبة لمن يمارس خطاب الكراهية في مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوضح زيهوفر في تصريحات لصحف مجموعة "فونكه" أن اليمين المتطرف "أصبح خطرًا حقيقيًا بنفس درجة خطر مواطني الرايخ". تجدر الإشارة إلى أن حركة مواطني الرايخ هي مجموعة من الأشخاص في ألمانيا لا يعترفون بسلطة النظام الحاليّ للحكومة.

يوجد في ألمانيا 24100 يميني متطرف، نصفهم لديهم استعداد للقيام بأعمال عنف، وفق هيئة حماية الدستور

كان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس قد دعا في وقت سابق نهاية الشهر الماضي، إلى تنظيم احتجاجات ضد اليمينيين المتطرفين، وكتب ماس في مقالة بصحيفة "بيلد" الألمانية: "لنظهر أننا أكثر عددًا من المتطرفين اليمينيين ومن المعادين للسامية ومن الذين يريدون تقسيم المجتمع"، وأضاف ماس أنه بعد ثمانين عامًا على بداية الحرب العالمية الثانية ربما يصبح الساسة ثانية ضحايا للمتطرفين اليمينيين، بسبب قناعاتهم السياسية وعملهم من أجل البلاد، "وكل هذا يبين ما الذي يغمض كثيرون الآن أعينهم عنه: إن ألمانيا لديها مشكلة مع الإرهاب".

من جهتها، طالبت رابطة الصحفيين الألمان بضرورة التعامل مع التهديدات الموجهة من يمينيين متطرفين ضد صحفيين وساسة محليين، أعربوا علنًا عن تأييدهم لسياسة استقبال اللاجئين، على محمل الجد، وناشدت الرابطة ممثلي وسائل الإعلام وكذلك قوات الأمن عدم التقليل من شأن هذه التهديدات.

خطر على الديمقراطية

هذا القلق المتنامي من خطر اليمين المتطرف يؤكد صعود هذا التيار في ألمانيا في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق، وتقول هيئة حماية الدستور (المخابرات الداخلية) إنه يوجد في ألمانيا 24100 يميني متطرف، وبحسب التقرير فإن نصف المتطرفين اليمينيين "لديهم استعداد للقيام بأعمال عنف"، وينتمي إلى الأعداء المتخيلين لليمينيين المتطرفين كل من الأجانب وطالبي اللجوء والمسلمين، بالإضافة إلى السياسيين.

وكان وزير الخارجية قد أكد أيضًا وجود أكثر من 12 ألف شخص الآن في ألمانيا من المتطرفين اليمينيين يؤيدون العنف، و450 منهم مختفون رغم أن هناك أوامر بالقبض عليهم، وأصدرت السلطات أوامر قبض على العشرات منهم لكنها لم تفلح في القبض عليهم لأسباب عدة.

يخشى الألمان على ديمقراطيتهم

تقول السلطات الألمانية إنها تعمل بجدية للتصدي لليمنيين المتطرفين قصد تحجيم مكانتهم في المجتمع، إلا أن الألمان لا يصدقون ذلك، وأظهر استطلاع لمؤسسة سيفي أن 60% من الألمان يرون أن الحكومة لا تفعل شيئًا يذكر للتصدي لهم.

تنامي أعداد المتطرفين يعتبر خطرًا كبيرًا على الديمقراطية الألمانية، وقد تجسد ذلك من خلال ارتفاع عدد الجرائم الإرهابية وأيضًا التقدم الذي حققه حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي خلال الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2017، وخلال الانتخابات الأوروبية.

مرت عشر سنوات على حادثة مقتل مروة الشربيني، إلا أن خطر اليمين المتطرف ما زال متواصلاً بشكل أكثر حدة، فالمحجبات يتعرضن للمضايقات، والمهاجرون محل متابعة وتهديد متواصل، والمساجد أصبحت مسرحًا لاعتداءات متكررة، حتى المسؤولين الألمان لم يسلموا من هذا المد اليميني المتطرف، ما يجعل بلادهم في خطر.