في خطوة مفاجئة أعقبت الحديث عن دور بعض فصائل الحشد الشعبي في استهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيرة قبل أسابيع، أصدر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أمس الإثنين، الأول من يوليو/تموز، أمرًا ديوانيًا يقضي بدمج فصائل الحشد الشعبي في القوات المسلحة النظامية.

وشمل الأمر الديواني إمهال جميع الفصائل المسلحة مدة شهر واحد تنتهي في الـ31 من يوليو/تموز الحاليّ لأجل إغلاق كل المقار والمكاتب الاقتصادية التي تحمل اسم أي من فصائل الحشد، إذ خيّر عبد المهدي الفصائل المسلحة بين الانضمام للقوات المسلحة أو الانخراط في العمل السياسي وفق قوانين الأحزاب، فضلاً عن منع وجود أي فصيل يعمل سرًا أو علنًا خارج هذه التعليمات الواردة في الأمر.

فما الذي يجري للحشد الشعبي؟ وهل يختلف قرار عبد المهدي عن قرار سلفه قبل عامين؟ وهل سيمتثل الحشد للقرار؟ ولماذا جاء القرار في هذا التوقيت بالذات؟

شرّع البرلمان العراقي قانون الحشد الشعبي الذي نص على تبعية قوات الحشد للقائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء) ويتمتع بقيادة وأركان مستقلة عن الجيش لكنها تخضع للقوانين العسكرية

أسئلة كثيرة يحاول "نون بوست" في الأسطر التالية، الإجابة عنها من خلال طرحها ومناقشتها على محللين وخبراء ومسؤولين.

الحشد الشعبي.. قرارات تتبع أخرى

تأسس الحشد الشعبي في منتصف يونيو/حزيران 2014، بعد أن اكتسح تنظيم الدولة (داعش) مساحات واسعة من العراق، واشترك الحشد في غالبية المعارك ضد التنظيم وظل هيكله التنظيمي غير مقنن حتى عام 2016، عندما شرّع البرلمان العراقي قانون الحشد الشعبي الذي نص على تبعية قوات الحشد للقائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء) ويتمتع بقيادة وأركان مستقلة عن الجيش لكنها تخضع للقوانين العسكرية.

وفي السياق ذاته، يقول المستشار القانوني عبد المهيمن السراج في حديثه لـ"نون بوست" إن الأمر الديواني لعادل عبد المهدي لا يختلف كثيرًا عن قرار البرلمان عام 2016، إذ لا يعد القرار الجديد حلاً للحشد أو دمجه في المؤسسة العسكرية بأي شكل من الأشكال، فلا يتعدى القرار إعادة هيكلة لمؤسسة الحشد فقط مع بقاء هيكلها التنظيمي العام، بحسبه.

في المقابل، يعتقد المحلل الإستراتيجي والخبير في شؤون الجماعات المسلحة أحمد الشريفي أن قرار عبد المهدي جزأ المؤسسة العسكرية العراقية، في الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى توحيد مؤسسات الدولة وخاصة العسكرية منها.

يرى الخبير الأمني والإستراتيجي هشام الهاشمي في حديث خاص لـ"نون بوست" أن الأمر الديواني لعادل عبد المهدي ما هو إلا "تعليمات إجرائية تصحيحية انضباطية لا تختلف كثيرًا عن تعليمات العبادي السابقة التي تم إفشالها من قيادات الحشد ومرجعياتها السياسية"

واعتبر الشريفي أن الأمر الديواني لم يحدد بشكل واضح صلاحية القائد العام للقوات المسلحة من جهة اختيار رئيس هيئة الحشد أو التعامل مع الألولية المنضوية تحت إمرته، متسائلًا عن إمكانية خضوع رئيس هيئة الحشد لإرادة البرلمان أو لإرادة رئيس الوزراء.

وفي ختام حديثه، أكد الشريفي أن القرار لم يحدد الحدود الجغرافية للحشد ولا القدرات التسليحية وأماكن معسكراته، ولم يوضح فيما إذا كان منصب رئيس هيئة الحشد سياسيًا أم أمنيًا، فضلاً عن عدم تحديد القدرات التسليحية والواجبات التي ستناط به وعن خضوعه للاتفاقية الأمنية الإستراتيجية الموقعة بين بغداد وواشنطن.

زعماء عراقيون.. ترحيب وتشكيك في القدرة على التنفيذ

ترحيب وتشكيك في قدرة الحكومة تنفيذ أمرها بشأن الحشد الشعبي، إذ رحب زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي بقرار الحكومة في تغريدة عبر حسابه الرسمي على تويتر قائلًا: "قرار رئيس مجلس الوزراء الأخير خطوة بالاتجاه الصحيح ليكون الحشد جزءًا مهنيًا وثابتًا من القوات المسلحة ويفشل محاولات حله أو دمجه، وإبعاد الحشد الشعبي عن التجاذبات السياسية وتوفير ما يحتاجه من قضايا لوجستية كفيل بضمان قوة الحشد الشعبي ليقوم بواجبه المقدس في ضمان أمن العراق ومستقبله"، بحسب الخزعلي.

أما رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر فقد رحب بقرار عبد المهدي لكنه أبدى قلقًا واضحًا من قدرة الحكومة على تنفيذ القرار، إذ أشار الصدر في تغريدة له على تويتر إلى أنه أصدر أوامره بشأن فك ارتباط القوة التابعة له "سرايا السلام" بالتيار الصدري وتحولها إلى الامتثال الكامل لأوامر القائد العام للقوات المسلحة وفق القرار الجديد.

ما دلالات قرار عبد المهدي في هذا الوقت؟

أيام قليلة مضت على نشر صحيفة أمريكية خبر مفاده أن الأراضي العراقية استخدمت لقصف المنشآت النفطية السعودية، إذ كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأسبوع الماضي أن مسؤولين أمريكيين خلصوا إلى أن الهجوم بطائرات مسيرة على صناعة النفط السعودية في شهر مايو/أيار الماضي انطلق من العراق وليس اليمن.

وكانت تصريحات النائب السابق في البرلمان مشعان الجبوري قد سبقت تسريبات صحيفة "وول ستريت جورنال" عن أن الأراضي العراقية استخدمت قاعدة لانطلاق طائرات مسيرة استخدمت في قصف منشآت نفطية سعودية.

الخبير الأمني والإستراتيجي هشام الهاشمي يرى في حديث خاص لـ"نون بوست" أن الأمر الديواني لعادل عبد المهدي ما هو إلا "تعليمات إجرائية تصحيحية انضباطية لا تختلف كثيرًا عن تعليمات العبادي السابقة التي تم إفشالها من قيادات الحشد ومرجعياتها السياسية".

كشف الهاشمي أن توقيت هذا القرار وبهذا التفصيل جاء لحماية الحشد من استهداف عسكري وقانوني دولي محتمل

ثغرات

وأوضح الهاشمي أن القرار الجديد فيه الكثير من الثغرات وهو بحاجة إلى تعليمات تكميلية لاحقة، لافتًا إلى أن استجابة الفصائل للقرار الجديد مقبولة من الصدر والخزعلي، لكن الجميع يترقب ما سيصدر عن قوات العتبات وقوات بدر وكتائب حزب الله والنجباء.

وعن توقيت القرار وخلفياته، كشف الهاشمي أن توقيت هذا القرار وبهذا التفصيل جاء لحماية الحشد من استهداف عسكري وقانوني دولي محتمل، لافتًا إلى أن استجابة الفصائل لقرار عبد المهدي بحاجة إلى مساندة إيرانية لتنفيذ نص الأمر الديواني، بحسب قوله.

أخيرًا وعلى المستوى السياسي، يرى المحلل السياسي العراقي رعد هاشم في حديثه لـ"نون بوست" أن قرار عبد المهدي الأخير لم يختلف كثيرًا عن قرار سلفه العبادي الذي لم ير النور، معتقدًا أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي كان قد تعرض لضغوطات مكثفة من الولايات المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الذين زاروا العراق قبل أيام.

ويرى هاشم أن تشكيل الحشد الشعبي تم بفتوى من المرجع الشيعي علي السيستاني وأن حل الحشد أو إعادة هيكلته لا تتم إلا بفتوى أخرى، مشيرًا إلى استبعاد أن يحظى قرار عبد المهدي بتطبيق كامل، خاصة أن قادة بعض الفصائل قد يلجأون إلى تطبيق جزئي لما ورد في الأمر الديواني وخاصة فيما يتعلق بالمكاتب الاقتصادية، بحسبه.

30 يومًا فقط، هي المهلة التي منحها رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لأجل تنفيذ ما ورد في الأمر الديواني، بعدها سيكشف اللثام عن مدى التزام فصائل الحشد الشعبي بالقرار من عدمه، ومعرفة الموقف الإيراني من هذه القرار وتأثيره في سائر الصراع الإقليمي المحموم بين واشنطن وطهران.