خلال العام الماضي، شهدت منطقة شرق إفريقيا موجة غير مسبوقة من التطورات السياسية التي غيّرت المشهد السياسي في المنطقة بشكل كبير، فقد خرجت إريتريا من عزلتها الدبلوماسية، حيث وقّعت إعلان "السلام والصداقة" مع إثيوبيا وجيبوتي والصومال، ودعت علانية إلى رفع العقوبات الدولية.  

وبعد سنوات من العداوة على بناء سد النهضة على مجرى النيل الأزرق، شهدت إثيوبيا ومصر تحسنًا متباينًا بين الحين والآخر في العلاقات، لكن لم يخف خلاله مخاطر فقدان إمدادات المياه، وأصبح للسوادن أيضًا علاقاته مع جارته الشمالية طوال سنوات عمر البشير وصولاً إلى المجلس العسكري السوادني الذي يحكم قبضته على السلطة، كما نجح السودان في رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

رحّب الكثيرون بهذه التطورات السياسية الجديدة، معتقدين أنها تمثل فجرًا جديدًا للتغييرات السياسية في شرق إفريقيا خلال العقود القليلة الماضية، خاصة بعدما أصبح القرن الإفريقي (الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي) مهيأً بالفعل لخروج كبير عن الماضي، لكن من المهم الإشارة إلى أن هناك عوامل خارجية وراء هذه التغييرات.

الحرب على الإرهاب كواجهة لمنافسة القوى الأخرى

يبدو أن السعودية والإمارات هما الراعيتان لمعظم هذه الجهود الدبلوماسية، لكن دورهما أيضًا شكَّله لاعبون أكبر، ويكمن وراء هذه التغييرات التحول الكبير في السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية من "الحرب على الإرهاب" إلى المنافسة الإستراتيجية مع القوى العالمية الأخرى، لا سيما روسيا والصين.

سعت واشنطن إلى إقامة تحالفات مع القوات الإفريقية لدعم تنافسها العدائي مع هاتين القوتين العظمتين (الصين وروسيا)

منذ نهاية الحرب الباردة، أصبحت ما تُسمى "الحرب على الإرهاب" في قلب جميع التحالفات الأمريكية في العالم، بما في ذلك منطقة القرن الإفريقي، ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، أصبحت الولايات المتحدة تدرك تدريجيًا صعود قوة الصين وروسيا، وليس الإرهاب، باعتبارها أكبر تهديد تواجهه في إفريقيا وغيرها.

هذا التحول في السياسة الأمريكية تم تحديده في إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018، تحت عنوان "دعم العلاقات لمواجهة التهديدات الإرهابية الكبيرة في إفريقيا"، وتتمثل رسالة وزارة الدفاع الأمريكية في هذا الشأن في تقوية الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف القائمة حاليًّا وتطوير علاقات جديدة لمواجهة ما سمتها "تهديدات إرهابية كبيرة تهدد مصالح الولايات المتحدة، وتساهم في زيادة التحديات في أوروبا والشرق الأوسط"، مع التركيز على العمل مع الشركاء المحليين وتقديم مساعدة خارجية محدودة والحد من التأثير الخبيث للقوى غير الإفريقية.

هذه الإستراتيجية أوضحها عدد من المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس الذي قال في خطاب ألقاه في يناير/كانون الأول 2018: "منافسة القوى العظمى، وليس الإرهاب، هي الآن المحور الرئيسي للأمن القومي للولايات المتحدة. نواجه تهديدات متنامية من قوى مختلفة عن بعضها مثل الصين وروسيا، وبالنسبة لأولئك الذين يهددون تجربة أمريكا في الديمقراطية، يجب أن تعرفوا إذا كنتم تتحدونا، فسيكون هذا أطول وأسوأ لكن".

رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلي يرحب بوزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس والجنرال توماس والدهاوسر في القصر الرئاسي

في هذا السياق، سعت واشنطن إلى إقامة تحالفات مع القوات الإفريقية لدعم تنافسها العدائي مع هاتين القوتين العظيتين، وقد بدأ ذلك مبكرًا بإنشاء القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا المعروفة اختصارًا بـ"أفريكوم" عام 2008، ترجمةً للاهتمام الأمريكي المتزايد بالقارة السمراء التي كانت - حتى نهاية القرن المنصرم - لا تمثل أي أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة.

صراع النفوذ.. إريتريا مقابل جيبوتي

في مارس/آذار من العام الماضي، حذَّر قائد قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم" الجنرال توماس والدهاوسر الكونغرس الأمريكي من أن الصين ستهدد المصالح الأمريكية على مستوى العالم، وخاصة في البحر الأحمر إذا استولت على ميناء رئيسي في جيبوتي، بالقرب من القاعدة الأمريكية في ليمونييه القريبة من مضيق باب المندب، حيث ستصبح بكين أكثر قوة في إفريقيا من واشنطن.

كان حديث والدهاوسر واضحًا عن ميناء دوراليه الذي يمثل نقطة عبور رئيسية نحو إثيوبيا التي يصلها من جيبوتي نحو 90% من وارداتها عبر البحر، الذي كانت تديره شركة موانئ دبي العالمية المملوكة لدولة الإمارات منذ عام 2006، لكن حكومة جيبوتي أوقفت اتفاقها مع الشركة الإماراتية وأممت الميناء في فبراير/شباط 2018.

بالنظر إلى الوجود الاقتصادي والعسكري الثقيل للصين في جيبوتي، تحولت المصالح الأمريكية نحو جارتها إريتريا، التي يمكنها - في المستقبل - استضافة قاعدة عسكرية أمريكية جديدة وتزويد الولايات المتحدة بالوصول إلى موانئها

ووفقًا لما ذكره والدهاوسر لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية، فقد أكدت جيبوتي للولايات المتحدة أنها لن تسلم الميناء إلى الصينيين الذين أقاموا أول قاعدة عسكرية خارجية في جيبوتي عام 2017، لكنه حذر من أنه إذا حدث ذلك، فسيؤدي إلى قطع الإمدادات عن الولايات المتحدة ويقيد تحركات سفن البحرية الأمريكية في المنطقة.

وخلص كذلك إلى أن الولايات المتحدة "لن تتفوق أبدًا على الصينيين في إفريقيا"، وهو ما ترجمته الصين إلى واقع بالفعل بعد أشهر قليلة عبر افتتاح المنطقة الحرة الجديدة في جيبوتي، وهو جزء من خطة صينية معلنة باسم "الحزام والطريق"، ثم أقرضتها أكثر مما تستطيع تسديده، وربما تضطر لتسليم أصول إلى بكين مثلما فعلت سريلانكا من قبل.

وبالنظر إلى الوجود الاقتصادي والعسكري الثقيل للصين في جيبوتي، تحولت المصالح الأمريكية نحو جارتها إريتريا، التي يمكنها - في المستقبل - استضافة قاعدة عسكرية أمريكية جديدة وتزويد الولايات المتحدة بالوصول إلى موانئها، في محاولة لم تُخف ما يثيره الوجود الإيراني المتنامي في إريتريا، الذي يرتبط بشكل أوثق بهدف إستراتيجي لدى طهران وهو التحكم في مضيق باب المندب، وتوسيع نفوذ البحرية الإيرانية إلى ما وراء الخليج، وفتح خطوط إمداد لنقل الأسلحة عبر السودان، وهو ما يُثير اهتمام واشنطن وتل أبيب على وجه الخصوص.

وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون يتلقى فنجانًا من القهوة في أثناء حفل تقليدي بأديس أبابا

ولكي يحدث ذلك، كان على إريتريا أولاً الخروج من عزلتها الدبلوماسية، وخاصة بتطبيع العلاقات مع إثيوبيا، حيث تشكل الأولى الجزء الساحلي من الثانية، ولتحقيق ذلك، أطلقت الولايات المتحدة حملة هادئة شارك فيها مسؤولو الكنيسة والدبلوماسيون الأمريكيون للضغط على الجانبين للالتقاء وحل خلافاتهم، وكان ذلك مفاجئًا لإريتريا التي أيقنت في السابق أن الأبواب الأمريكية ستظل مغلقة لوقت طويل، فتحولت مباشرة لدول الشرق الأوسط من أجل إقامة التحالفات والحصول على المساعدات.

بعد فترة وجيزة، عبر كبار الدبلوماسيين وأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي عن دعوات رسمية لتطبيع العلاقات بين إريتريا وجميع الدول المجاورة، لحرمان جيبوتي من كونها المنفذ البحري البديل عن إريتريا، وفي هذا الشأن، لعب حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين دورًا مهمًا أيضًا، خاصة بعدما فقدت الإمارات في منطقة القرن الإفريقي جزءًا من إستراتيجية أكبر أهدافها التهام الموانئ على طول أحد أكثر طرق الشحن البحري ازدحامًا في العالم.

في الوقت الذي نجح فيه الهجوم الدبلوماسي الأمريكي في إخراج إريتريا من العزلة، فإنه ترك جيبوتي خارج نطاق التقارب الكبير الذي هندسته لنفسها، وكان لدى الرياض وأبو ظبي نفس البديل الواضح الذي لم يكن سوى إريتريا المنافس الإقليمي لجيبوتي، فقد حرصت الإمارات على بسط أحبال نفوذها عبر منح مساعدات عسكرية للجيش الإريتري وتدريب بعض أفراده من القوات البرية والجوية، رغم بقاء العقوبات الأممية قائمة ولو بشكل اسمي تمامًا.

سياسات واشنطن المتغيرة

أحدث التحول في أولويات الولايات المتحدة في شرق إفريقيا عددًا من التغييرات الرئيسية الأخرى في المنطقة، فقد قلل من الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لدعم جيوش البلدان في القرن الإفريقي، ولا سيما تلك الموجودة في إثيوبيا، وهذا يعني أن دور الجيش الإثيوبي في مهام حفظ السلام بالدول المجاورة سوف يتضاءل، باستثناء مهام الأمم المتحدة لحفظ السلام.

بينما تدرك الولايات المتحدة أنها لا تستطيع أن تضاهي حجم الاستثمارات الصينية في إفريقيا، فإنها لا تزال تتطلع إلى كبح النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة

كذلك عزز تغير السياسات الأمريكية من دعم الولايات المتحدة للتحالف بين مصر والسعودية والإمارات، على حساب المصلحة القطرية والتركية في المنطقة، وهو ما نشهد تداعياته في الكثير من المواقف، منها الموقف الأمريكي من حصار قطر وصفقة منظومة صواريخ إس-400 الروسية.

هذا التحول فضَّل أيضًا الجيش المصري، ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أعادت الولايات المتحدة 195 مليون دولار كمساعدات عسكرية لمصر تم تجميدها قبل ذلك بعام، بسبب سجل البلاد السيء في مجال حقوق الإنسان والعلاقات مع كوريا الشمالية، هذا فضلاً عن صفقات سلاح أمريكية ضخمة بمليارات الدولارات.

يأتي الاستثمار في الدول الإفريقية في الوقت الذي يقطع فيه ترامب المساعدات عن البلدان المنخفضة الدخل

كما أعطت الولايات المتحدة مباركة لدور جديد للجيش المصري في القرن الإفريقي، ففي يناير من هذا العام، أرسلت القاهرة قوات مصرية إلى قاعدة "ساوا" العسكرية في إريتريا التي تقع في إقليم "القاش بركة" المحاذي للسودان في حدوده الشرقية، متمركزة على الحدود مع السودان، مما أثار تكهنات بأنها تسعى لإقامة قاعدة عسكرية هناك أو تخطط لشن هجوم على السودان وإثيوبيا.

ويعني هذا التحول أيضًا أن الحكومة الأمريكية تبذل مزيدًا من الجهد على الجبهة الاقتصادية، مما قد يكون له آثار دبلوماسية واقتصادية، وبينما تدرك الولايات المتحدة أنها لا تستطيع أن تضاهي حجم الاستثمارات الصينية في إفريقيا، فإنها لا تزال تتطلع إلى كبح النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة.

مكافأة ساحة اللعب

جزء من إستراتيجية واشنطن في ذلك يكمن في تغليب الاقتصاد على السياسة، وذلك من تشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار أكثر من أي وقت مضى في شرق إفريقيا، ويبدو هذا الاتجاه واضح بالفعل في إثيوبيا، ففي الماضي، اعتاد المسؤولون الأمريكيون من وزارة الدفاع والبيت الأبيض القيام بزيارات رسمية إلى أديس أبابا، والآن أصبح المسؤولون في وزارة التجارة يحظون بتشجيع وحضور رجال الأعمال الأمريكيين.  

خوفًا من اللوم من جانب واشنطن، قد تخفِّض بعض بلدان شرق إفريقيا علاقاتها مع الصين وتراجع إجراءات الشراء العامة الخاصة بها

حدث ذلك حين ترأس وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس وفدًا من المجلس الاستشاري الأمريكي للأعمال التجارية في إفريقيا في مهمة لتقصي الحقائق في إثيوبيا وكينيا وكوت ديفوار، وتوفر مثل هذه الزيارات فرصة لإلقاء نظرة ثاقبة على فرص السوق والتحديات التي تواجهها الشركات الأمريكية في هذه الاقتصادات سريعة النمو، ويستخدم المجلس الاستشاري الأمريكي هذه المعلومات لتزويد الرئيس ترامب بتوصيات موثوقة وقابلة للتنفيذ لتعميق العلاقات التجارية في هذه البلدان مقابل ما تقوم به الصين من صب الأموال في إفريقيا لكسب النفوذ السياسي والحصول على مكافآت مستقبلية في قارة يتوقع أن تزدهر اقتصاداتها في العقود المقبلة.

وخوفًا من اللوم من جانب واشنطن، قد تخفِّض بعض بلدان شرق إفريقيا علاقاتها مع الصين وتراجع إجراءات الشراء العامة الخاصة بها، وفي هذا الاتجاه، أعلنت الصين بالفعل قرارها لخفض الاستثمار في إثيوبيا حتى تتم إعادة هيكلة سداد ديونها الحاليّة، حيث تعد الصين أكبر دولة قدمت قروضًا لإثيوبيا، ما أكسبها النفوذ السياسي مقابل تراجع نفوذ واشنطن وحلفائها.

ولمواجهة نفوذ الصين تزيد الولايات المتحدة الاستثمار في إفريقيا، فقد سعت الحكومة الأمريكية أيضًا إلى إنشاء وكالة خاصة لاستثمار ما يصل إلى 60 مليار دولار لمواجهة المصالح الصينية في العالم النامي، بما في ذلك شرق إفريقيا، في محاولة لتوفير بدائل سليمة ماليًا للمبادرات التي تقودها بلدان مثل الصين، ومساعدة البلدان على "تجنب مصائد الديون غير الشفافة وغير المستدامة التي تضعها بكين في جميع أنحاء العالم النامي".

في مؤتمر صحفي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في مارس/آذار الماضي، حذر وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون الدول الإفريقية من "فقدان سيادتها" عن طريق الحصول على قروض صينية، وقال: "نحن لا نحاول بأي حال من الأحوال الإبقاء على الدولارات الصينية من إفريقيا، لكن من المهم أن تفكر الدول الإفريقية بعناية في شروط تلك الاتفاقات".

ويشير هذا إلى أنه بينما تضغط الولايات المتحدة على الجبهة الجيوسياسية في شرق إفريقيا، فإنها بدأت بالفعل في القيام بذلك على الصعيد الاقتصادي أيضًا، وفي حين أن المنطقة بحاجة إلى معالجة ديونها المتزايدة واعتمادها على الصين، فإن السياسات الاقتصادية التي ستضغط عليها الولايات المتحدة قد لا تكون في مصلحتها.