ترجمة وتحرير: نون بوست

أنشأت عملة بيتكوين لمنع الاضطرابات المالية العالمية المستقبلية الناجمة عن قيام المؤسسات المالية المركزية ببيع المنتجات ذات مخاطر عالية، لكن طابعها الفريد من نوعه وخاصيتها اللامركزية التي تتسم بها ومبدأ الند للند الشبه خاص الذي تعمل به في الوقت ذاته جعلها تستقطب المجرمين لغسل أموالهم. ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يقع غسل حوالي 715 مليار دولار إلى 1.87 تريليون دولار بشكل سنوي أي ما يعادل اثنين إلى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وتجدر الإشارة إلى أنه غالبًا ما يتم الإشارة إلى مصطلح مكافحة غسل الأموال بالاقتران مع مصطلح اعرف عميلك ومكافحة تمويل الإرهاب. ويعتبر برنامج مكافحة غسل الأموال بمثابة إطار قانوني يهدف إلى منع المجرمين من ممارسة أنشطة غسل الأموال. ويقوم إجراء اعرف عميلك بالتحقق من هوية العميل من أجل تقييم المخاطر المحتملة للنوايا غير القانونية. وبالأساس، يتمحور دوره في تقديم العناية اللازمة للتحقق من هوية العملاء.

 يعتبر غسيل الأموال بمثابة جريمة جنائية. وفي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي قيامك بهذه الجريمة إلى سجنك لمدة أربع سنوات أو يمكن إلزامك بدفع غرامة قدرها 82000 يورو

ما المقصود بغسيل الأموال؟

وفقًا لمجموعة العمل المالي، تعتبر عملية غسيل الأموال بمثابة إعادة تدوير للعائدات  المالية الناتجة عن  القيام بأعمال غير قانونية لإخفاء أصلها غير المشروع. ويتكون غسيل الأموال عادة من ثلاث مراحل:

1- الإيداع: أي يتم إيداع النقود التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة في النظام المالي

2- التمويه: يتم في هذه المرحلة فصل وعزل الأموال غير المشروعة عن مصدرها.

3- الإدماج: يتم إرجاع الأموال إلى المجرم كما لو كانت متأتية من مصادر مشروعة

 يعتبر غسيل الأموال بمثابة جريمة جنائية. وفي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي قيامك بهذه الجريمة إلى سجنك لمدة أربع سنوات أو يمكن إلزامك بدفع غرامة قدرها 82000 يورو. وبشكل عام، يتمثل العيب الرئيسي بالنسبة إلى صناعة العملة رقمية بأكملها، فيما يتعلق بغسل الأموال، في حقيقة أنه يعيق نضوج السوق. لذلك، من شأن ارتباط هذه الصناعة بنشاط غير قانوني، وعدم وجود إطار تنظيمي مناسب، أن يتيح لبعض الناس الفرصة لإجراء صفقات تجارية غير مشروعة، دون أن يتعرضوا لخطر الإمساك بهم، وهو الأمر الذي من شأنه أن يلحق الضرر بالصناعة ككل.

تخصص وكالات الأمن الوطنية والدولية على غرار الإنتربول واليوروبول ومكتب التحقيقات الفيدرالي مجموعات عمل أو إدارات  خاصة، التي تكرس كامل جهودها من أجل كشف مخططات غسيل الأموال التي تحدث في عالم العملة الرقمية

السمعة

منذ قديم العهد، كان استخدام عملة بيتكوين يُعرف على أنه غسل للأموال، ويعود ذلك  إلى الأيام الأولى لتداول عملة بيتكوين، حيث كان يتم استخدامها على الشبكة المظلمة. وفي هذا السياق، تطرقت دراسة أجراها الاتحاد الأوروبي إلى مخاوف  الهيئات التنظيمية المتعلقة بشأن المجرمين الذين أضحوا يستخدمون العملات الرقمية  بغرض غسل الأموال في كثير من الأحيان. وحتى إذا كانت الفرضية استخدام العملة الرقمية في أنشطة إجرامية أكثر من العملة الإلزامية صحيحة، فلم يتم تأكيد ذلك حتى اللحظة.

وبالإضافة إلى ضرورة وصول صناعة العملة الرقمية إلى مرحلة النضوج، يجب أن يتم تنظيم هذا القطاع، حيث يجب أن يكون الامتثال للوائح التنظيمية موضع ترحيب من أجل استمرارية ونمو هذا القطاع على المدى الطويل. وبالنسبة للكثير من الناس، يعد تداول العملات الرقمية بشكل مجهول في البورصات الرقمية أمرًا إيجابيًا، بيد أنه يشكل معضلة بالنسبة للشركات ويزيد من خطر تنامي النشاط الإجرامي في الوقت ذاته.

وفي الوقت الراهن، تخصص وكالات الأمن الوطنية والدولية على غرار الإنتربول واليوروبول ومكتب التحقيقات الفيدرالي مجموعات عمل أو إدارات  خاصة، التي تكرس كامل جهودها من أجل كشف مخططات غسيل الأموال التي تحدث في عالم العملة الرقمية.

التداول خارج البورصة

عادةً ما يتداول المستثمرون المؤسسون العملات الرقمية خارج البورصة نظرا لأنهم لا يريدون التلاعب بالسوق عن طريق شراء أو بيع العملات الرقمية بكميات كبيرة.  فضلا عن ذلك، يمكن أن يكون التداول خارج البورصة خيارًا لتداول الأصول غير السائلة الصغيرة التي لا يمكن تداولها في البورصات. ويُقدر سوق العملة الرقمية خارج البورصة بأن حجم التداول اليومي أعلى بكثير من إجمالي حجم التداول على مدار 24 ساعة في بورصات الأصول الرقمية.

في الواقع، يمكن تعقّب أثر المعاملات التي تجرى باستخدام العملة، حيث تقوم منصة بلوكتشين بتسجيل جميع المعاملات، ناهيك عن أنها متاحة للجميع

إلى جانب جهات الشراء المؤسسية الكبيرة، يستخدم المجرمين سوق التداول خارج البورصة بهدف غسل الأموال. وتنفذ الكثير من مكاتب التداول خارج البورصة لوائح إجراء اعرف عميلك ومكافحة غسيل الأموال.  فضلا عن ذلك، تريد مكاتب التداول خارج البورصة من المصادر الموثوقة الامتثال للقواعد المنصوص عليها قبل أن تقوم السلطات بعمليات التدقيق اللازمة. والجدير بالذكر أن منصة التداول خارج البورصة الخاصة بلوكال بيتكوينز ألغت خيار البيع والشراء النقدي المحلي، لتتوافق مع قانون المتعلق بأصول العملة الرقمية الفنلندي الجديد الذي اقترح في بداية سنة 2019.

خدمات خلط البيتكوين

في الواقع، يمكن تعقّب أثر المعاملات التي تجرى باستخدام العملة، حيث تقوم منصة بلوكتشين بتسجيل جميع المعاملات، ناهيك عن أنها متاحة للجميع. وعندما يرغب شخص ما في إخفاء جميع المعلومات المتعلقة به يمكنه تشغيل خدمة خلط  بيتكوين. وبناء  على مراحل غسيل الأموال، تطبق الخطوات الثلاث التي تتألف منها عملية غسل الأموال، على عملية خلط  بيتكوين:

1-  الإيداع: في هذه المرحلة، يقع إدخال معاملة بيتكوين إلى منصة البلوكتشين

2- التمويه: تمر المعاملة عبر خدمة الخلط، وبعد هذه المرحلة لا يعود من الممكن  تتبع أثر المعاملة الأصلية.

3-  الإدماج: في هذه المرحلة، يقع إرجاع عملة بيتكوين إلى المجرم الذي يمكنه إنفاقها دون أن يتعرض للتتبع مرة أخرى.

تُطوّر السلطات العالمية قوانين مكافحة غسل الأموال وتطبّقها على وجه التحديد في مجال العملات المشفرة

في الآونة الأخيرة، استولت وكالة الأمن المالي الهولندية، وإدارة الاستخبارات المالية والتحقيقات على موقع الويب وخوادم أحد أكبر مزودي خدمة خلط البيتكوين الثلاثة، الذي يعرف باسم باست ميكسار. وعلى خلفية ذلك، توقف مزود خلط بيتكوين، "بيتكوين بلاندير" عن أنشطته بعد إزالة منصة باست ميكسار. ومؤخرا، ظهرت أخبار تتعلق باللوائح التنظيمية للعملة الرقمية، فيما يتعلق بقوانين مكافحة غسل الأموال واعرف عميلك، حيث تتخذ العديد من الدول تدابير فعالة في مكافحة جرائم غسل الأموال التي تحدث في عالم العملات الرقمية.

مجموعة العمل المالي "فاتف"

تُطوّر السلطات العالمية قوانين مكافحة غسل الأموال وتطبّقها على وجه التحديد في مجال العملات المشفرة. ومن بين المنظمات التي تم تعيينها للبحث واقتراح قوانين مكافحة غسل الأموال، هي مجموعة العمل المالي "فاتف". وتهدف هذه المجموعة، التي أسستها مجموعة الدول الصناعيّة السبع سنة 1989، إلى توفير إطار قانوني عالمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتهديدات الأخرى التي تهدد سلامة النظام المالي الدولي. ومنذ ذلك الحين، ضمّت فاتف 31 عضوًا إضافيًا إلى فريق العمل، الذي يتكوّن حاليًا من 38 عضوًا (36 عضو من القضاء بالإضافة إلى منظمتين إقليميتين).

قمة مجموعة العشرين في اليابان 2019

خلال هذا الشهر، عقدت قمّة مجموعة العشرين في اليابان. وسنويا، تجتمع 20 دولة لمناقشة القضايا العالمية في محاولة للتوصل إلى حل عالمي. وهذه السنة كان موضوع النقاش حول العملة المشفّرة. وخلال القمة، ذكرت فاتف أن هناك معايير جديدة لمكافحة غسل الأموال، فيما يتعلق بالعملات المشفرة، التي من المقرر الانتهاء من صياغتها هذا الشهر.

أسّست إم تي جوكس كمنصة لتبادل أوراق اللعب عبر الإنترنت. وأصبح وسيلة التبادل المفضّلة لشراء وبيع عملة البيتكوين بنسبة تتجاوز 70 بالمئة من حجم التبادل اليومي

من المتوقع أن تركّز معايير فاتف الجديدة على إجراءات تشغيل أكثر صرامة لتبادل العملات الرقمية، وهي إجراءات مشابهة تمامًا لطريقة عمل المؤسسات المالية التقليدية، مثل البنوك، إذ تستوجب مبادلات العملات، تبادل المعلومات بين العميل والبورصات، عندما يحوّل العميل مبالغا ماليّة بين مؤسّسات مختلفة. وفي الواقع، يتعارض هذا الإجراء الجديد مع الطبيعة اللامركزية للعملات المشفرة.

تبادل الأسهم الرقمية

كانت إم تي جوكس (تموز/يوليو سنة 2010) واحدة من أولى شركات صرافة العملات الرقمية التي تم استخدامها على نطاق واسع من قبل محبي استعمال العملة المشفرة. وأسّست إم تي جوكس كمنصة لتبادل أوراق اللعب عبر الإنترنت. وأصبح وسيلة التبادل المفضّلة لشراء وبيع عملة البيتكوين بنسبة تتجاوز 70 بالمئة من حجم التبادل اليومي. وعلى سبيل مثال، توقّف سنة 2014 التبادل، لأنّ الشركة فقدت 850 ألف عملة بيتكوين.

بعد إم تي جوكس، أنشئت العديد من شركات صرافة العملات الرقمية الجديدة. وبعد فترة، واجه العديد منهم عقبات جعلتهم يوقفون أعمالهم، إذ تتمثل أسباب إغلاق هذه الشركات في المشاكل التنظيمية، والاختراقات، والثغرات الأمنية، وأصحاب الغايات الخبيثة أو مجرد قلة الاهتمام بها. ومن بين بعض الشركات التي ما زالت قيد التشغيل والتي كانت موجودة منذ فترة طويلة: كراكن (2011) وبيتفينيكس (2012)  وكوينباس (2012) وأوكوين (2013) وهيوبي (2013) وأوكيكس (2014).

مع مرور الوقت، ارتفع عدد عمليات التبادل بين العملات المشفرة والنقد الإلزامي من جهة والعملات المشفرة والعملات المشفرة من جهة أخرى

مؤخّرا، أصبحت هذه الشركات تعمد إلى تغيير مكتبها الرئيسي لتفلت من قبضة المحاكم القضائية التي أبدت انطباعا "غير ودي" تجاه العملة المشفرة. وفي أيلول/سبتمبر سنة 2017، أجبرت الصين شركات صرافة العملات الرقمية على إيقاف عملياتها، وذلك بسبب حظر العملة المشفرة على مستوى البلاد. وتباعا لذلك، اضطر عدد من الشركات من قبيل باينانس وأوكيكس وبيتفينيكس إلى تحويل مكاتبها الرئيسية إلى ولايات قضائية أخرى.

مع مرور الوقت، ارتفع عدد عمليات التبادل بين العملات المشفرة والنقد الإلزامي من جهة والعملات المشفرة والعملات المشفرة من جهة أخرى، فيما يتعلق بمدى توافقهم مع إجراء "إعرف عميلك" وقانون مكافحة غسل الأموال. وفي الرسم البياني أدناه، لمحة عامة عن التبادلات وتدابير مكافحة غسل الأموال.

خلاصة

أنشأت البيتكوين كنظام نقدي نظير لنظام النقد الإلكتروني وذلك لتجنب السلطات المركزية وتجاوز الاضطراب المالي. وعلى الرغم من أن اللامركزية التي تتميّز بها مثيرة للإعجاب، إلا أنها تستطيع في الوقت ذاته أن تشكل تهديدًا للجهات التنظيمية المالية وذلك لأنه لا يمكن التحكم فيها.

في الواقع، لا تجاري هذه الإجراءات ركب التقنيات المبتكرة مثل البلوكشين، مما يجعلها عرضة للنشاط الإجرامي. ووفقًا للعديد من المتخصصين في هذا المجال، تحاول السلطات اللحاق بالركب ووضع القوانين المناسبة للأفراد والمهنيين الذين يتعاملون مع العملة المشفرة.

في هذا السياق، لكي تصل التكنولوجيا الجديدة إلى مرحلة التبني الشامل، فإنها ستمر بالعديد من العقبات المتنامية. وتجدر الإشارة إلى أنه يجري في الوقت الراهن تطوير الإطار التنظيمي لصناعة البلوكشين والعملات المشفرة، حيث تتقدم دول مثل مالطا وسويسرا وسنغافورة على نطاق عالمي. ويعد التنظيم الرسمي ضروريًا لدعم الزيادة في عروض الرمز المميز للأمان بالإضافة إلى إمكانيّة تحويل الأسهم التقليدية إلى رموز تستند إلى البلوكشين.

سيكشف الوقت لاحقا  كيف سيؤثر الإطار القانوني الجديد على هذه  الصناعة، لكن إذا كان عليّ أن أخمن، أعتقد أنه سيكون تغيّرا إيجابيا.

من أجل أن تنتشر هذه الصناعة على نطاق واسع، تعدّ الموافقة على البيتكوين أو صندوق المؤشرات المتداولة الخاص بعملة إيثريوم، أمرا ضروري. وفي تشرين الثاني/نوفمبر سنة 2018، صرح جاي كلايتون، رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصة في سي أن بي سي، بأنه يريد رؤية المزيد من الإجراءات للقضاء على التلاعب بالسوق، وذلك قبل الموافقة على استعمال البيتكوين أو صندوق المؤشرات المتداولة لعملة الإيثريوم.

في الختام، تواجه صناعة العملة المشفرة بعض العقبات التي يجب أن تتغلب عليها. دعونا نرى كيف ستؤثر معايير قانون مكافحة غسل الأموال الجديدة من قبل مجموعة العمل المالي على عمليات تبادل الأسهم الرقمية. وهل ستكون سنة 2019 هي سنة الموافقة على البيتكوين أو صندوق المؤشرات المتداولة لعملة الإيثريوم من قبل هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية؟ وهل ستكون القوانين الجديدة غير مناسبة للمستثمرين الأفراد؟ سيكشف الوقت لاحقا  كيف سيؤثر الإطار القانوني الجديد على هذه  الصناعة، لكن إذا كان عليّ أن أخمن، أعتقد أنه سيكون تغيّرا إيجابيا.

المصدر: هاكرنون