أزمة جديدة تواجهها الصحافة السعودية الفترة الأخيرة، ربما لم تكن وليدة اللحظة كما يخيل للبعض، إلا أنها على وشك الدخول في نفق ربما يهدد مستقبلها، خاصة في ظل ما يقال بشأن رفع الغطاء عنها من السلطات الرسمية في المملكة، الأمر الذي يزيد نزيف الخسائر لديها ويضعها على المحك.

حالة من التضارب في البيانات على مدار اليومين الماضيين، جسدت وبصورة كبيرة حجم الأزمة التي لم تكن حكرًا على المملكة، بل هي ظاهرة عربية في المقام الأول، إلا أنها خليجيًا ليست بذات التأثير، نظرًا لأن معظم وسائل الإعلام في الدول الخليجية تابعة بصورة أو بأخرى للحكّام والأمراء والملوك.

أول أمس أعلنت "الشركة الوطنية الموحّدة للتوزيع" السعودية عن وقف توزيع الصحف، وذلك عبر خطاب موجه إلى مسؤولي المؤسسات الصحفية، تخبرهم فيه بإيقاف توزيع الصحف الورقية في بعض مناطق المملكة ومحافظاتها، من بينها العاصمة الرياض وجدة وأبها والقصيم وعرعر والجوف وحفر الباطن بدءًا من يوليو الحاليّ.

الشركة في خطابها أوضحت أن "التوزيع سيُوقف في بعض المناطق، بسبب ارتفاع التكاليف وانخفاض الإيرادات، وعدم تحمُّل المؤسسات الصحفية لتكاليف تشغيل هذه الفروع"، فيما أرجع مدير عام الشركة عبد العزيز السحلي أسباب هذا القرار إلى "انخفاض عدد القراء والمشتركين في نقاط البيع، بالإضافة إلى انخفاض اشتراكات القطاعات الحكومية والأفراد"، مؤكدًا "استحالة استمرار عملية التوزيع في تلك المناطق".

وبعد ساعات قليلة من هذا البيان الذي لم يلق رد الفعل المتوقع رغم ما مثله من قلق داخل الأوساط الإعلامية أصدرت بيانًا ثانيًا تحدثت فيه عن إعادة هيكلة لعملية التوزيع، دون أن تقدم تفاصيل بشأن عملية التوزيع ومدى توقفها من عدمه، وفق ما جاء في البيان الأول، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن مستقبل الصحافة الورقية في المملكة.

على مدار الأعوام الثلاث الأخيرة خاض إعلاميو المملكة نقاشات موسعة بشأن محاولة إيجاد حلول للصعوبات المالية التي تواجهها الصحف الورقية العريقة في البلاد، خاصة مع تلويح بعضها بالتوقف بسبب تلك الأزمة، وهي النقاشات التي تعمقت بصورة أكبر حين أعلنت صحيفة "الحياة "توقفها عن الصدور ورقيًا منتصف 2018، وهو ما كان بمثابة ناقوس خطر يهدد الصحف الأخرى.

ضربات موجعة

تلقت الصحافة الورقية السعودية العديد من اللكمات الموجعة خلال الآونة الأخيرة، أثرت بشكل كبير على حاضرها المترهل بطبيعة الحال بسبب الظروف والمستجدات، المالية والإدارية والتكنولوجية، وقوضت جهودها نحو الوصول إلى مستقبل آمن غير محفوف المخاطر.

اللكمة الأولى حين قررت وزارة المالية إيقاف نشر الإعلانات الحكومية في الصحف الورقية، قرار حينها وصف بأنه "كارثي" خاصة أن معظم اعتماد تلك الصحف لإنعاش خزائنها كان على الإعلانات القادمة من مؤسسات الدولة الحكومية، التي توزع على الصحف بأسلوب مناطقي يضمن لكبريات المؤسسات الموجودة الاستمرارية والبقاء.

تزامن هذا القرار مع إيقاف الخطوط الجوية السعودية توزيع صحف المملكة الورقية على متن رحلاتها، ومن ثم خسارة جزء كبير من الاشتراكات، هذا بجانب قرار وزارة التجارة في وقت سابق وقف إعلان ميزانيات الشركات على صفحاتها، الأمر الذي حرمها دخلاً كبيرًا.

قررت الجهات الرسمية بشكل مفاجئ تخفيض سعر الاشتراك السنوي تدريجيًا من 730 ريالاً للنسخة الواحدة حتى وصل إلى 350 ريالاً، بما نسبته 52%

تلك الضربات من هنا وهناك بجانب تراجع الإعلانات المقدمة من القطاع الخاص في ظل الأزمة المالية التي تواجهها المملكة، تسببت في تراجع الدخل الإعلامي الذي يمثل العمود الفقري للمؤسسات الصحفية بنسبة 58% من 2.763 مليار ريال إلى 1.170 مليار.

أزمة الموارد لم تتوقف عند الإعلانات فحسب، بل قررت الجهات الرسمية بشكل مفاجئ تخفيض سعر الاشتراك السنوي تدريجيًا من 730 ريالاً للنسخة الواحدة حتى وصل إلى 350 ريالاً، بما نسبته 52%، وكذلك تخفيض عدد النسخ تدريجيًا من 229 ألف نسخة يوميًا في 2013 لجميع الصحف إلى 86 ألفًا في 2018 بما نسبته 62%، وبالتالي انحدار دخل الاشتراكات الحكومية من 88 مليون ريال في 2013 إلى 23 مليونًا في 2018، واشتراكات الخطوط السعودية من 38 مليون ريال إلى 2.5 مليون لذات الفترة. 

تراجع معدلات قراءة الصحف الورقية في المملكة

تصفية المئات من الصحفيين

كعادة المؤسسات الصحفية التي تتعرض لأزمات مالية، كان اللجوء إلى تخفيض عدد العاملين وتقليل النفقات الحل الأول والأسرع لمواجهة الأزمة، وهو ما فعلته الصحف الورقية السعودية بصورة ملفتة للنظر أودت بمستقبل المئات من العاملين فيها على رأسهم الوافدين.

"محمود. س" صحفي مصري يعمل بإحدى صحف الرياض، يقول إنه خلال العامين الأخيرين على وجه التحديد تم إنهاء عمل ما يزيد على 50 صحفيًا، الغالبية العظمى منهم من الأجانب، ومن بقي منهم تم تقليل راتبه مع مضاعفة العمل المطلوب منه، هذا بجانب الضغوط الممارسة عليه بين الحين والآخر.

الصحفي المصري الذي يعمل كـ"ديسك" في حديثه لـ"نون بوست" كشف أن بعض الصحفيين المصريين على وجه الخصوص تقلص راتبهم من 7 آلاف ريال إلى النصف مرة واحدة، البداية كانت بوعود بأن الأمر لن يتجاوز أشهر قليلة لحين انتهاء الأزمة لكن الوضع استمر على هذا الحال حتى الوقت الراهن.

"نتسلّم من جميع الصحف السعودية 130 ألف نسخة، لا يباع منها سوى 30 ألف نسخة في جميع مناطق المملكة" مدير عام الشركة الوطنية للتوزيع

وأضاف "كنا نحرر ما بين 5-8 مواد صحفية يوميًا، لكن بعد إنهاء خدمة العشرات من الصحفيين بات المطلوب منا أضعاف هذا الرقم، إلا أننا لا نملك رفاهية الاختيار، فلم يعد أمامنا إلا القبول وإلا فلا مكان لنا في الصحيفة"، وتابع "الوضع على كل حال أفضل من مصر وهو ما أجبرني على البقاء رغم ما أتعرض له من ظلم".

الأمر ذاته أكده "علي. ز" صحفي سعودي يعمل بإحدى صحف المنطقة الغربية، الذي أشار أن موجة التصفية لم تقتصر على الوافدين فحسب، بل نفس المصير واجهه عدد كبير من السعوديين، خاصة الذين رفضوا سياسة تخفيض الرواتب والأجور بحجة الأزمة التي تمر بها الصحف.

وأضاف الصحفي السعودي في حديثه لـ"نون بوست" أن الوضع يزداد يومًا تلو الآخر صعوبة، فالعملية لم تعد تقليل نفقات وفقط، لافتًا إلى أن هناك تحركات تشي بأن الصحافة الورقية ربما تواجه مصيرًا مجهولًا، خاصة في ظل ما يثار بشأن غلق بعض الصحف أو دمجها، بحيث تكون لكل منطقة صحيفة واحدة فقط، ومن ثم يتم تقليص العدد من 11 صحيفة ورقية أساسية إلى 4 فقط، كل واحدة تمثل منطقة من مناطق المملكة (شمال، جنوب، شرق، غرب).

تفوق الصحافة الإلكترونية

النقاشات التي عقدت خلال العامين الماضيين خلصت إلى أن الصحافة الإلكترونية كانت على رأس الأسباب التي قللت من أهمية الصحف الورقية، خاصة لما تتمتع به من مميزات تتعلق بسرعة نقل الخبر وإمكانية إجراء التعديلات بشأنه بجانب قوة الصورة والتلاعب فيها على تحقيق الانتشار والجاذبية لدى القراء.

قبوع الصحف الورقية في كهوف التقليدية وعدم التجاوب مع متغيرات العصر، سواء من حيث أدوات النشر أو أساليب التحرير رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها، شكل ورقة ضغط مهمة ضد تلك الصحف لصالح المواقع الإلكترونية التي نجحت في الآونة الأخيرة في سحب البساط من تحت أقدام الصحافة التقليدية.

أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام أجراه المركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام، التابع لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، بشأن اتجاهات السعوديين نحو قراءة الصحف اليومية، بمشاركة 1016 شخصًا من مختلف مناطق المملكة، عام 2017، تفوق الصحف الإلكترونية في الحصول على متابعة القراء بنسبة 53%، في حين حصلت الصحف الورقية على نسبة 23%.

الاستطلاع كشف كذلك أن 39% من السعوديين ليس لديهم اهتمام بقراءة الصحف اليومية، في حين أفاد 23% بأنهم يحرصون على قراءة الصحف اليومية بصفة دائمة، وهي الأرقام التي انعكست بصورة كبيرة فيما بعد على واقع الصحف الورقية التي تعاني من أزمات تلو الأخرى.

الكاتب فهد الأحمدي، غرّد ناقلًا عن مدير الشركة الوطنية قائلًا: "نتسلّم من جميع الصحف السعودية 130 ألف نسخة، لا يباع منها سوى 30 ألف نسخة في جميع مناطق المملكة، أذكر أنّه في عام 2006، كانت صحيفة الرياض وحدها تطبع 200 ألف نسخة".

الأزمة ليست في الموارد وحدها

ليس من الموضوعية حصر أزمة الصحافة السعودية في قضية التمويل وتراجع الإيرادات فحسب، فالمشكلة أكبر في كثير من محاورها من البعد المالي، وهو ما أشار إليه الكاتب الصحفي السعودي خالد دراج، الذي أكد أن الموارد المالية ربما تكون مشكلة حقيقية لكنها ليست الوحيدة وراء تراجع الصحف الورقية في المملكة.

دراج في مقال له نشرته صحيفة "الحياة" في يناير 2018 أشار إلى أن "المؤسسات الصحفية أصبحت في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في نظامها الأساسي المعتمد من مجلس الوزراء، بما فيه إلغاء نظام المؤسسات المغلقة على مجموعة من التجار الذين يسيطرون على مقدراتها ويورثونها لأبنائهم ثم يتخلون عنها عند الخسائر وتوقف الأرباح".

كل الصحف الورقية الموجودة بالمملكة تحت إمرة ولي العهد السعودي، ومن ثم فإن قرار كهذا لا يمكن أن يكون بمنأى عن الديوان الملكي

وأضاف أن المطلوب بالتالي "تحويلها لشركات مساهمة عامة وفق نظام جديد يحدد صلاحيات مجلس الإدارة ورئيس التحرير والمدير العام، ويحفظ حقوق الصحافيين والعاملين، وتنشأ عنها هيكلة إدارية ومالية شاملة"، متهمًا وزارة الثقافة والإعلام بالتقصير كثيرًا في هذا الجانب منذ سنوات طوال،  وتابع "وصلنا لمرحلة أصبحنا نرى فيها المؤسسات الصحافية كالمدينة المحرمة التي لا تمس ولا تقرب، لتتوارى داخل تلك المدينة قصص وحكايات وفساد تملأ صفحاتها بالحبر الأسود".

عدم تعاطي الشارع السعودي مع قرار الوطنية بمنع توزيع الصحف الورقية في بعض المناطق والاكتفاء فقط بإعلان تفاصيل القرار ومبرراته، أثار الكثير من التساؤلات عما تحمله هذه الخطوة من دلالات، ومدى اقتصارها على فكرة أزمة الموارد فحسب، خاصة أن بعض التسريبات بدأت تذهب إلى منطقة أخرى بعيدة تمامًا عما أشار إليه بيان الوطنية.

أستاذ الصحافة بإحدى الجامعات السعودية، رفض ذكر اسمه، أشار أن كل الصحف الورقية الموجودة بالمملكة تحت إمرة ولي العهد السعودي، ومن ثم فإن قرار كهذا لا يمكن أن يكون بمنأى عن الديوان الملكي، وعليه لا بد من موافقة ابن سلمان عليه قبل إعلانه.

الأكاديمي السعودي أضاف في حديثه لـ"نون بوست" أن أقاويل تتناقل بشأن رغبة الأمير الشاب في تقويض الصحافة الورقية لما ثبت من فشلها في خدمة مشروعه ورسم الصورة المطلوبة مقارنة بالصحافة الجديدة التي تعتمد على التكنولوجيا التي تلقى ترحيبًا وقبولاً ورضا من سلطات المملكة.

وعلى كل حال وبصرف النظر عن التفسيرات المتعلقة بقرار وقف توزيع الصحف في بعض مناطق المملكة، فإن الصحافة الورقية في السعودية على أبواب أزمة خانقة ربما تضع مستقبلها على المحك ما لم تتخذ إجراءات من شأنها أن تستعيد ثقة الشارع السعودي مرة أخرى وتوفر مصادر تمويل قادرة على مواجهة أي أزمات لاحقة.