تصافح ومودة مبالغ فيها أمام الكاميرا، وسعي للتوافق ولو على مضض، عبر لغة تصالحية تحاول تحريك المياة الراكدة، هكذا يبدو ما تشير إليه نتائج قمة مجموعة العشرين في اليابان التي طرحت نتائجها تساؤلات عدة عن أوزان الصين الجديدة في الصراع، بعدما استطاع ترامب تنفيذ خطة الحرب التجارية لإدراته التي كسبت المعركة ولو جزئيًا حتى الآن واستطاعت ترجيح كفتها!

كيف انتهت قمة أوساكا؟

كان لافتًا سعي قادة مجموعة العشرين، لتقليل فاتورة المواجهة مع رجل كترامب يسعى إليها دائمًا، وبدلاً من التنديد بالحماية التجارية، دعا أغلب الحضور إلى توفير مناخ تجاري حر ونزيه وغير منحاز، بحسب تعبير البيان الختامي للقمة، بعد لقاءات أجريت بين زعماء العالم على مدار يومين، في مدينة أوساكا بغرب اليابان.

التحذيرات كانت واضحة، النمو الاقتصادي العالمي لا يزال ضعيفًا، وزيادة حدة التوتر التجاري والجيوسياسي لا توفر مناخًا تجاريًا واستثماريًا على النحو الأمثل، بحيث تبقى الأسواق العالمية مفتوحة، وتبعد مناخ التوتر عن المشهد الدولي. 

الرئيس الأمريكي من ناحيته، عقد اجتماعًا وصفه بالممتاز مع نظيره الصيني شي جين بينغ، ويبدو أنه أكمل به سلسلة مفاوضات لم تنقطع مع الصين، رغم الحرب الكلامية والتجارية والتصعيد والتصعيد المتبادل منذ أشهر، وسعي كل فريق لتكوين دائرة تحالفات تغنيه عن الآخر، فيما ركزت وسائل الإعلام الصينية على رأسها وكالة أنباء الصين "شينخوا" على أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، أبلغ نظيره الأمريكي، بضرورة تعامل الولايات المتحدة مع الشركات الصينية بشكل منصف خاصة في قضايا السيادة، وتفهم حق الصين في حماية مصالحها الأساسية.

أعطى ترامب في قمة العشرين ما كانت ترغب فيه بكين، العفو جزئيًا عن شركة هواوي، مع أن الخطوة في النهاية بمثابة فوز للولايات المتحدة، فالضغط على زر الإيقاف المؤقت للحرب التجارية المفتوحة، ينعش الأسواق والشركات الأمريكية

لقاء ترامب أسفر عن رفع التعريفات الأمريكية على الواردات الصينية، بينما رفعت الصين وارداتها من المنتجات الزراعية الأمريكية، بحسب الاتفاقات التي أقرت في القمة، بجانب إعادة بدء المحادثات التجارية بينهما، وإنهاء أو تجميد الحرب التجارية أو حصرها في نطاقات ضعيفة، للإبقاء على فرص التعامل التجاري، بين أكبر بلدين بالعالم حاليًّا، بعدما ساهمت الحرب بينهما في تباطؤ الاقتصاد العالمي وتعريض مصالحه للخطر.

هل فرض ترامب منطقه؟

طريقة سير الحوار والاتفاقات التي خرجت بها الولايات المتحدة من لقاء ترامب وشي تقول إنه حقق أهدافه بعناية، هو في النهاية جعل غاية الصين، الأمل في سماح طاووس البيت الأبيض الذي فرض منطقه داخل بلاده وخارجها وأصبح مثل الحاكم بأمره، يمرر ما يشاء، ويفرض ما يروي نزعاته التي تجنح دائمًا للسيطرة على كل شيء، في السماح للشركات الأمريكية بالاستمرار في البيع لشركة هواوي الصينية، ترامب نجح في جعل مثل هذا الإجراء الطبيعي في حد ذاته، خطوة تعتبر تنازلاً كبيرًا، تقدرها الصين وتقدم أمامها المزيد من التنازلات!

أعطى ترامب في قمة العشرين ما كانت ترغب فيه بكين، العفو جزئيًا عن شركة هواوي، مع أن الخطوة في النهاية بمثابة فوز للولايات المتحدة، فالضغط على زر الإيقاف المؤقت للحرب التجارية المفتوحة، ينعش الأسواق والشركات الأمريكية التي اشتكت مرارًا من تكلفة التعريفة الجمركية الإضافية، الأمر الذي انعكس في النهاية على المستهلكين الأمريكيين، فدفعوا ما يقرب من 12 مليار دولار، قربانًا لارتفاع الأسعار الناتجة عن الحرب مع بكين، ولكنه في المقابل، أعطى الشركات الصينية درسًا لا تنساه، إذ ساهمت الحرب التجارية في شل خططها المرحلية والمستقبلية للاستثمار وهز ثقة الأعمال والصادرات في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

التوقف المؤقت يراه كل من أصبح يملك طريقة لفك شفرة عقل ترامب، لا يعني إنهاء الحرب التجارية، إذ لا تزال الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع بمئات المليارات من الدولارات سارية، واستعراض العضلات حالة يعيشها الجانبان، ولكن يبدو من طريقة الخطاب الصيني أن رسالة واشنطن التي رغبت من خلالها في إجبار بكين على تغيير طريقة نمو الاقتصاد الصيني، المتبعة على مدار العقود الأربع الماضية، حققت جزءًا كبيرًا من أهدافها، مهما حاولت الصين الإيحاء للمجتمع الداخلي والخارجي أنها لن تنحني أمام الضغط الأمريكي.

خاضت كل من الولايات المتحدة والصين معركة تجارية مريرة، بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخطة محكمة، عبر جرها لملاسنات، يشكو فيها من الممارسات التجارية في الصين، منذ ما قبل توليه منصبه عام 2016

شوه ترامب الاقتصاد الصيني، حيث اتهم بكين بإقامة إمبراطورية قائمة على سرقة الملكية الفكرية وابتزاز الشركات الأمريكية وإجبارها على البوح بأسرار علاماتها التجارية فقط من أجل اقتحام الأسواق الصينية والمنافسة مع شركات تسرق مجهودها دون أدنى مشكلة، وهي حرب متكاملة نجح فيها ترامب، وجعل مصالح البلدين تقف على حافة الخطر من أجل الوصول بالصين إلى البحث عن حل، يجنبها فخ الصراع والمواجهة مع أكبر بلد بالعالم.

ضرب الرئيس الأمريكي في أكبر شركة صينية استطاعت حجز مكانة عالمية لها مثل "هواوي"، وخلق مكارثية جديدة، جعلت منها خطرًا على الأمن القومي الأمريكي وربطت بينها وبين النزاع التجاري مع الصين، حتى أحكم الضغط عليها ومنعها من شراء قطع الغيار الأمريكية دون ترخيص، بما في ذلك كيفية استخدام Google الذي يعرض باقي منتجاتها التكنولوجية للخطر، ما ساهم في تدمير 30 مليار دولار، نحو 24 مليار جنيه إسترليني، خسارة بعائدات الشركة هذا العام، وهو ما يعني أن إستراتيجية ترامب في احتواء هواوي بعد قمة العشرين، تمكن الشركات الأمريكية في المقام الأول، من تغليب كلمتها وفرض إستراتيجيتها، على أن تستمر لاحقًا بعد تمكين قبضتها في البيع لهواوي.

كيف بدأت الحرب التجارية بين البلدين؟

خاضت الولايات المتحدة والصين معركة تجارية مريرة، بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بخطة محكمة، عبر جرها لملاسنات، يشكو فيها من الممارسات التجارية في الصين، منذ ما قبل توليه منصبه عام 2016، وأعلن عزمه إيقاف الزحف الصيني للتحكم في الاقتصاد العالمي دون أن يبذل الثمن الملائم لذلك.

أطبق ترامب الخناق على الصين وجرها لساحة المعركة، وبعدما تأكد من تأثير الضربة لجأ لسياسة الكر والفر

ثاني محاور الخطة بدأت بإجراء سلسلة تحقيقات في سياسات التجارة الصينية عام 2017، وعلى إثرها فرضت الإدارة الأمريكية رسومًا جمركية بالمليارات على المنتجات الصينية، فيما لجأت بكين إلى الرد بنفس الطريقة.

أطبق ترامب الخناق على الصين وجرها لساحة المعركة، وبعدما تأكد من تأثير الضربة، لجأ لسياسة الكر والفر، إذ عاد للتفاوض معها على وقف التعريفات التجارية الجديدة، في ديسمبر من العام الماضي، وخرج من الاجتماع ليقرر فرض المزيد من التعريفات الجمركية، ولم تمنع المحادثات المتقطعة بين البلدين والوساطات العالمية لوقف الحرب، الولايات المتحدة من فرض كامل خطتها التي سعت فيها لفرض "جزية" على الصين من ثلاث جولات، بقيمة 250 مليار دولار كرسوم على مختلف البضائع الصينية.

الرسوم التي تصل إلى 25% من قيمة المنتجات، بداية من حقائب اليد إلى معدات السكك الحديدية، ردت عليها الصين بفرض تعريفات تتراوح بين 5% إلى 25% أيضًا على المنتجات الأمريكية، ونوعت في ضرباتها أيضًا لتشمل التعريفة الواردات من المواد الكيميائية والفحم والمعدات الطبية، ومن ديسمبر حتى مايو الماضي، رفعت الولايات المتحدة التعريفات الجمركية على المنتجات الصينية المنتشرة في السوق الأمريكية، والبالغة 200 مليار دولار، من 10% إلى 25% في الوقت الذي لم تصل عقوبات الصين على الأموال الأمريكية، إلى أكثر من 60 مليار دولار من البضائع الأمريكية، ما يوضح حجم التباين في الخسارة بين البلدين.

لم تكتف الولايات المتحدة بذلك، بل أعلنت خطة لضرب 300 مليار دولار إضافية من البضائع الصينية، وهو ما جعل الصين ترتجف في مجموعة قمة العشرين، ومعها حلفائها الذين ضغطوا على ترامب لمواصلة التفاوض مع بكين في اليابان، ووقف هذه الحرب الهستيرية التي تعرض العالم كله للخطر، وهو ما استجاب له ترامب بعدما فرض منطقه، ومنع الصين من تسيد السوق الأمريكية، وضرب سوق الصادرات الصينية التي انخفضت بنسبة 9% في الربع الأول من 2019، ومنح المنتجات الأمريكية الريادة في المقابل، ووضعها في خدمة المستهلك الأمريكي، بعدما اضطرت لتخفيض أسعارها لتعويض فراغ المنتجات الصينية وتشجيع المستهلكين الأمريكيين على شراء منتجات بلادهم، بغض النظر عن تحمل المستهلك والبائع الأمريكي فاتورة حرب تجارية هستيرية، تكشف نزاوت السيطرة التي تزاخم خيالات الكائن البشري مهما كان موقعه من الحداثة والتقدم.